الأيام دول، ومن فاته مرأى الحراك الثقافي وتفتقاته الباكرة في الإمارات، خلال سبعينات القرن المنصرم، حيث أشرقت من أكمام نبتة الاتحاد أزهار أنيقة على سواحل الخليج العربي، في كل حقول الفن وتجليات الحياة، ومن بينها بالضرورة حقل الشعر، فلا بد أنه قد لمس ظلال ذلك المشهد ملقاة على مرحلة الثمانينات والتسعينات، ولا بد أن يساوره شعور أن كل تلك العقود الثلاثة، تجتمع معاً على صفة الريادة والتأسيس.
ولا نزعم ذلك إلا لأن توجهات الساحة ونزعاتها، فنياً وفكرياً، ظلت خلالها جميعاً متنوعة ومتمايزة، بل إن مدرسة الحداثة الشعرية، التي شعت بروقها الأولى في السبعينيات، تمددت بمثابراتها ومثاقفاتها لتطال عموم أفق الثمانينيات والتسعينيات محل الحديث، مع اختلاف خصائص كل مرحلة أو كل تجربة شخــصية على حدة، غير أنها- أي الحداثة الشعرية المتمردة على النمط التقليدي للقصيدة، على مستويي الشكل والمضمون- كانت وعلـــى الدوام تلتزم قطــيعة منهجية وربما أيديولوجية حيال المدرسة التقليدية، وكان ذلك مهــــماً وبناء في نهاية الأمر، إلا أن المسؤول عن زرعه ورعايته هنا هم المثقفون العرب، الذين وفدوا بمحــمولاتهم الفكرية وخياراتهم الأيديولوجية وتمثلوها عملياً، في ظل أريحية الساحة وبكارتها.
صراع المحافظة والتجديد
فترة الثمانينات والتسعينات كانت شديدة الزخم والتفاعل، الذي وصفه بعض النقاد بـ«الصراع» في ما بين المحافظة الشعرية الوفية لتقاليد القصيدة العربية، ليس فقط على صعيد التكنيك الجمالي، من حيث نظام التفعيلات، وإنما من حيث المستوى التيماتيكي أو ما يعرف بأغراض الشعر العربي.
الأمر الذي ووجه من جانب الشعراء المتمردين المنتمين الى مدرسة الحـــداثة المـــتأثرة بالتجـــربة البريطانية «ت.س.إليوت» والتجربة الفرنـــسية «بودلير و رامبو».. بعد أن عبرتا إلى المنطقة العربية من خلال بوابتي العراق «السياب ونازك الملائكة» ثم بيروت «أنسي الحاج».
لقد استطاعت ساحة الإمارات الشعرية أن تواكب تحول، بل انجراف، القصيدة الشعرية العربية نحو الحداثة " وتحديداً قصيدة النثر"التي نظرت الى الماضي بغضب.
حركة النقد
خلال العقدين المشار إليهما، برزت حركة نقدية مواكبة ومناصرة للحداثة، كالبنيوية، والأسلوبية، والتفكيكية، وبرزت مقولات ساطعة مثل «موت المؤلف»، و«هجرة النص»، و«ما الأسد إلا مجموعة خراف مهضومة» كناية عن مشروعية «التناص»، وتردد في أركان مقاهي ذلك الزمان اسم ناقد البنيوية الفرنسي رولان بارت، والتفكيكي جاك ديريدا.
ولمع اسم أدونيس وكمال ابوديب، وكان يعيش بيننا الشاعر السوري الراحل محمد الماغوط، واحتشدت المصطلحات النقدية المستغربة في ثنايا الدراسات النقدية، التي كانت تنشرها حينئذ الإصدارات الثقافية.
وفي المقابل ضعفت إسهامات النقد التقليدي المؤازر للمحافظة الشعرية، على صفحات الملاحق الثقافية، التي كانت تصدرها «البيان» والخليج والاتحاد والفجر ولاحقاً مجلة «أوراق» وفصلية اتحاد الكتاب «شؤون أدبية» رغم أن مجلة «المنتدى»، التي أصدرها النادي الأهلي في دبي تلك الفترة، وبحكم هيئة تحريرها.
ومن بينهم الشاعر الراحل محمد بن حاضر، كانت تحاول المجلة الشهرية أن تدافع عن مكتسبات القصيدة البيتية المحافظة، ولكن بصعوبة ظاهرة، انتهت بانسحاب «المنتدى» من المشهد في نهاية المطاف، ولكن قوة حضور شعراء كبار مثل حمد خليفة بوشهاب، بشعره الفخم، شكل سداً منيعاً أبقى للقصيدة الكلاسيكية حصنها وحضورها المهيب في قلب المشهد.
الثمانينيات والتسعينيات، رعى الله ذاك الزمان. الصحف والمجلات كانت حينها تدفع مكافآت سخية ومنتظمة للشعراء والأدباء حين تنشر لهم قصائدهم، ومقالاتهم ودراساتهم النقدية.
«البيان» في هذا الملف تسعى إلى إحياء تلك الروح الوثابة، وإلى تحريك حاسة الانشغال بالشعر ومدارسه وفنونه كما كان.
وتالياً هنا نستعيد مع بعض رموز تلكم الفترة المؤانسة واجترار الذكريات، عسى ولعل الشعر يعود يوماً بقوته تلك وجاذبيته هاتيك.
الشاعر سالم الزمر، كان من الذين انحازوا إلى الشكل الكلاسيكي الموروث للشعر العربي، حيث أسهم بأعمال يعتد بها، أضافت قيمة إلى ثراء التنوع الفني الــذي طال أشكال القصيدة في تــلك الفترة، وعن خصائص تجربته خلال الثمانينات وشهادته حول معطيات تلك الحقبة يقول:
ما أعتقده، وحسب تجربتي الخاصة، أنها فترة كانت فيها فرصة للكتابة وخوض تجربة جميلة لي بشكل خاص، لأنني وجدت فيها مناخاً رحباً حراً لقراءة الشعر، والقراءة عن الشعر، والتجريب في كتابته والكتابة عنه.
ويمضي الزمر موضحاً: لأنني كنت ولا أزال أحب عوالم الشعر وأعيشها، فإنني دخلت في هذه العوالم دخول العاشق له، المدافع عن جميله، المنافح عنه، الداعي إلى هدم ما يحاول هدم الشعر، بحجة التجديد، الذي لا أساس له إلا التقليد الأعمى ومحاولة الانفلات من ضوابط الشعر وأصوله وجمالياته، كما حاربت التقليد البارد للشعر القديم ولا أزال، فالنظم ليس بالشعر وإن تلبّس لباسه وثيابه.
لقد كتبت عن الأدب والشعر بقلم محب باحث عن الحقيقة وظللت كذلك إلى يومي هذا.
علمتني الكثير
ويؤكد الزمر: إن فترة الثمانينات والتسعينات لا أزال أراها فترة علمتني الكثير، شكلت شخصيتي وكانت مدرستي التي بعدها الآن أراني اهتديت إلى حقيقة الأدب والشعر وأنها ماهي إلا «الجمال المنضبط لغة وخيالاً ووعياً بالحياة والفن والجمال والحق والخير».
ويختم سالم الزمر معترفاً أنها: كانت فترة بكل ما فيها كونتني، وجعلتني أعرف الشعر وأعرف مكاني منه وأعشق الأدب وأهله والأهم من ذلك كونت وعيي الذي أعتز به.
أما الآن فأقول كما قال الشاعر..
قالت الضفدع قولاً
فسّرته الحكماءُ
في فمي ماءٌ وهل
ينطقُ من في فيهِ ماءُ؟
معالم الحماسة
الشاعر الفلسطيني وائل الجشي، كان شاهداً على مجريات الساحة الشعرية خلال الثمانينات والتسعينات، من خلال موقعه محرراً ثقافياً في «البيان»، عرف عنه انحيازه لصالح الشكل الكلاسيكي للشعر، يقول عن تفاعلات تلك الحقبة: حين يكون الحديث عن المشهد الشعري الإماراتي في فترة الثمانينيات والتسعينيات، يتجه الذهن - أو هكذا أفترض - إلى مرحلة الازدهار الأدبي في الإمارات، أو لربما هو الماضي الجميل للشعراء والأدباء عامة.
إنها مرحلة أبرز معالمها الحماسة وحب تطوير المنتج الشعري لدى كثير من الشعراء، الذين تنوعت توجهاتهم الشعرية والأشكال التي قدموها عبر تجاربهم، ومن الصعب جداً الإحاطة بأسماء شعراء تلك المرحلة، ومن المؤكد أن تعداد الأسماء يوقع المعدد في فخ السهو، لكن هناك أسماء أعتبرها تأسيسية وفي مقدَّمها الشاعر الراحل أحمد أمين المدني، الذي ارتبط اسمه بالشعر البيتي التقليدي.
لكنه كان يسعى إلى تطوير أدواته، فخاض غمار كتابة قصيدة التفعيلة، والشاعر حبيب الصايغ، الذي تميز برقي مستوى إبداعه الشعري في الشكل البيتي والشكل التفعيلي وفي«قصيدة النثر»، مؤكداً بحثه عن الشعر أياً كان الشكل وله حضور متجدد، وهنا أسماء عدة، لها بصماتها على تباين مستوياتها وأساليبها والأشكال.
وضمت تلك المرحلة أسماء أكثر من أن تحصرها الذاكرة لحظة الكتابة، ومن أصحاب التجارب الشعرية: الراحلون سلطان بن علي العويس ومحمد بن حاضر، وحمد خليفة أبو شهاب، ومن شعراء تلك المرحلة وبعضهم مستمر في العطاء: مانع سعيد العتيبة وكريم معتوق وأحمد محمد عبيد وعارف الشيخ وإبراهيم بوملحة .
وسلطان خليفة الحبتور وعارف الخاجة وسيف المري وشهاب غانم وصالحة غابش والراحل عبد المنعم عواد يوسف وخالد العامري، وشهدت المرحلة بزوغ أسماء- بعضها مستعار- دأبت على تقديم نفَس شعري مختلف اتسم بالحداثة وربما أحياناً بما بعد الحداثة منها ظبية خميس وحمدة خميس ونجوم الغانم وميسون صقر القاسمي وخلود المعلا وعائشة البوسميط ورؤى سالم وعادل خزام وخالد البدور .
وخالد الراشد ومحمد المزروعي والهنوف محمد وسارة حارب وإبراهيم المصري وفوزي صالح وإبراهيم الملا وعبد العزيز جاسم وأحمد العسم وثاني السويدي وعبد الله السبب وعبد الله عبد الوهاب وهاشم المعلم والراحل أحمد راشد ثاني والراحل علي العندل.
الحاجة لفرز نقدي
ويستطرد وائل الجشي قائلاً: مجال الشهادة في تلك المرحلة يستدعي ملاحظة أن هناك شعراء كانوا متشبثين بالنمط البيتي من الشعر، وبينما كان بعضهم يعنى بقوة القصيدة وجزالة مفرداتها، كان هناك من يصب اهتمامه على النظم الذي يفقد الشعر روحه، وفي المقابل شهدت الساحة أصواتاً قدمت نظرة جادة وجديدة، في حين تسلقت أصوات أخرى سور الحداثة بلا رؤية ولا أدوات من قبيل الاستسهال.
وبالتأكيد هناك تلاقح بين الأجيال وتأثر متبادل بنتاج الساحتين الإماراتية والعربية والساحة العالمية عبر الترجمات، وإذا كان التساؤل مشروعاً عن مدى تأثير تلك المرحلة في المشهد الشعري الإماراتي عامة، أرى أن ذلك يكون بالتراكم ويتطلب وقفة نقدية لوضع الإصبع عليه.
حين كان الجمهور وقوفاً
الملحوظ بقوة هذه الأيام، أن المؤسسات الثقافية، التي تنظم فعاليات ثقافية وأمسيات شعرية ما انفكت تشكومر الشكوى من عزوف الجمهور عن حضور تلك الفعاليات، بما قد يفرغ المؤسسة الثقافية من دورها المنشط للحراك الفكري والابداعي، ولكن فترة الثمانينات والتسعينات كانت على العكس تماماً، حيث كان من المعتاد ألا تسع مقاعد القاعة عدد الحضور يومئذ، فترى الجمهور وقوفاً لساعات، من أجل حضور أمسية شعرية، وتلك من ميزات وخصائص هذه الفترة التي نتحدث عنها بشيء من الانبهار.
برقيات
كنت شاهداً
• كنت شاهداً على معطيات تلك الحقبة التي سادها الجدل الثقافي البناء.
• مناخ الثمانينيات تحديداً، كان غنياً ومزدهراً بالنشاط الثقافي، فلقد مهدت له فترة السبعينيات التي وفرت البنى التحتية في كل المجالات، بما فيها الصحف والجامعة والأندية والمراكز الثقافية والدائرة الثقافية في الشارقة، فازدهرت إثر ذلك حركة الثقافة بقوة وسرعة خلال الثمانينيات.
• حدث انفتاح على العالم العربي بمكوناته الثقافية، فضلاً عن الانفتاح على العالم بثقافاته المتنوعة.
• أولى إشارات الميل إلى الحداثة جسدها الدكتور أحمد أمين المدني الذي تبنى التعبير الشعري في إطار المدرسة الرومانسية.
• بمجيء الشاعر السوري الكبير محمد الماغوط الذي ترأس القسم الثقافي في صحيفة الخليج، حدث زخم كبير، حيث تعزز ميل المبدعين الشباب نحو الحداثة الشعرية وقصيدة النثر كخيار مفضل لديهم، خاصة «تيار الجامعة» وأعني بهم الطلبة الذين كانوا يدرسون في جامعة الإمارات حينئذ، ومن بينهم أحمد راشد ثاني، وخالد بدر عبيد البدور، إلى جانب بروز الصوت النسائي العالي الذي كانت تمثله ظبية خميس ونجوم الغانم وأمينة ذيبان وهالة معتوق و«العنود» وسارة حارب. كنا ننشر لهم في «الخليج» يومذاك.
• تبنينا في «الخليج» خط الحداثة بشكل قاطع ودون رجعة، بينما اتخذت «البيان» خط الدفاع عن الشعر التقليدي، واستمر خطها هذا حتى مجيء عارف الخاجة الذي أفسح المجال لنصوص وأفكار الحداثة دون تحفظ.
• «الاتحاد» كانت تحاول أن توازن بين خطي الحداثة والتقليد، وأما «الفجر» فقد انتصرت للحداثة من خلال الزميل محيي الدين اللاذقاني.
• قصيدة التفعيلة كانت قد رسخت حضورها المتنامي أيضا في الثمانينيات ذاتها من خلال إسهامات حبيب الصايغ وعارف الخاجة.
• معارض الكتب أسهمت بقوة في تحريك الحياة الثقافية عبر فعالياتها المصاحبة وكذلك من خلال إبراز أسماء الشعراء المحليين، إماراتيين وعرباً.
• في الثمانينيات استضافت الإمارات الشاعر العراقي الكبير الجواهري وكذلك أدونيس والبردوني ومحمد بنيس ونزار قباني والكويتي محمد الفايز وعلي الشرقاوي وعبد الله الصيخان ومحمد جبر الحربي وسيف الرحبي وقاسم حداد وعلي عبد الله خليفة وغيرهم.
• كانت هناك حركة نقدية نشطة أسهمت في تفعيل الساحة يومئذ، حيث كانت مواكبة ومتابعة للنصوص الجديدة تعمل على فحصها باستمرار. كان رعد عبد الجليل، ومحمد حور ومحمود مدني وأنا وغيرنا، نكتب قراءات في نتاجات الساحة بانتظام.
• بقي أن أشير الى ظاهرة مجلات الماستر مثل «الأرانب القزحية»، التي يصدرها الشباب حينما لا يجدون مساحة لنشر أعمالهم. كل هذا حدث في الثمانينيات.
د. يوسف عايدابي
برقيات
بيت الثمانينات
• لم يكن البيت الثقافي الإماراتي في حالة سكون أو تخلف في ثمانينات القرن الماضي.
• فبالإضافة إلى رواد حركة الشعر والثقافة، الذين أزيل التراب عن أسمائهم، أمثال خلفان بن مصبح، وسالم بن علي العويس، وبن سليم وغيرهم، فإن حركة الشعر كانت تتمثل بقامات تركت بصماتها أمثال مانع سعيد العتيبة وأحمد المدني وسلطان العويس وحمد بوشهاب وعدد آخر من كبار الشعراء الذين شكّلوا حركة الوسط بن الرواد والشباب الذين بدأوا في الظهور على الساحة الشعرية أمثال عارف الخاجة، جعفر الجمري، حمدة خميس، حبيب الصايغ، ظبية خميس، خالد بدر عبيد، أحمد راشد ثاني، جمعة الفيروز، وغير هذه الأسماء كثير يتعذر ذكرهم جميعاً.
• أما في السرد فكانت مجموعة من الأدباء تشكل القاعدة الأساسية في فن السرد أمثال عبد الحميد أحمد، مريم جمعة فرج، سلمى مطر سيف، أمينة بوشهاب، سعاد العريمي، علي عبد العزيز الشرهان، ناصر جبران، شيخة الناخي، ثم ظهرت أسماء أكملت مسيرة هذا الجيل أمثال إبراهيم مبارك، وناصر الظاهري في السرد، إبراهيم محمد إبراهيم، وعبد العزيز جاسم، وظاعن شاهين في الشعر، وهذه الأسماء هي التي تبرز الآن في ذاكرتي وربما نسيت غيرها، لذا أعتذر بشدة لمن نسيت ذكر اسمه، فالسنوات بعيدة جداً لي وتشكل تاريخاً بعيداً نسبياً.
• أما المنابر الثقافية فكثيرة جداً، فبالإضافة إلى مجلة اتحاد الكتاب «شؤون أدبية» التي كانت حاضنة أساسية لحركة الأدب عموماً، فهناك مجلة «المنتدى» التي كان لها دور هام في احتضان الأدباء والكتاب، إضافة على مجلة «الأزمنة العربية»، إلا أن الصحف الرئيسية كانت تتسابق في إعداد ملحقها الأدبي الأسبوعي فكان لكل من الخليج والبيان والاتحاد والفجر ملاحق أدبية تتسابق في إعدادها وفي المستوى العام والخاص.
• إلى جانب كل ذلك كانت حركة المسرح التي أسست أدواراً هاماً وأخرجت مجموعة من المسرحيين الذين أثروا البيت المسرحي لاحقاً، خاصة وأن بداية مهرجانات المسرح بدأت مع أيام الشارقة المسرحية في أوائل الثمانينيات، ثم جاء بعدها مهرجان مسرح الطفل.
• ومن أوائل الجوائز التي ظهرت في تلك الفترة جائزة غانم غباش للقصة، وجائزة سلطان بن علي العويس الثقافية، وبداية لجوائز كتابة المسرحية في دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة، ثم توالت الجوائز بتخصصات مختلفة.
• البيت الثقافي في الإمارات في ثمانينيات القرن الماضي غني جداً، ويحتاج إلى دراسات مختلفة في كل تخصص حتى يستطيع الباحث أن يعطي كل ذي حق حقه.
عبد الإله عبد القادر
مسافر
مسافرٌ لَمْ يزَلْ يُهدي المَدى مُدُنا
ذا القلبُ حتى توارى في المَدى شَجَنا
مُعَذّبٌ بَلْ عذابٌ بَلْ جراحُ هوىً
لم تندملْ منذ أن كان الهوى لَدِنا
مُجَرَّحٌ بَلْ جِراحاتٌ إذا نظرَتْ
إليهِ عينُ الليالي أسبَلَتْ حَزَنا
مُدَلَّهٌ بل غرامٌ شَفَّهُ فمضى
يطوفُ بالأرض لا يدري له سَكَنا
وكيف يسكُنُ من تَدْمى مواجِعُهُ
وكيف يهجعُ من قد خاف ما أمِنا
نعم يخافُ فؤادٌ هاج خفقَتَهُ
تَذكارُ تلك الليالي البِيضِ فافتتنا
ألا يخافُ وقد ماجَت بطينَتِهِ
ذكراهُ حتى انتهى ماءً وبعضَ سنى
يالائمَ القلب في تذكاره أبَرَى
فؤادَك الغَضَّ حُبٌّ قد بَرَاكَ ضَنى
لا لا تلُمْني فإني في الهوى غُصُنٌ
قد هَزَّهُ الشوقُ لَمّا لَم يَجِدْ وطنا
مسافرٌ في بلادي شَفَّني سفَري
حتى خَفِيْتُ على من مَرَّ بي ودَنا
مُسافرٌ سافِرٌ.. رَكْبي نجومُ هوىً
صحِبْتُها قبلَ كشف الريحِ مابَطَنا
مسافرٌ سافِرٌ لا لَمْ ألُذْ أبداً
بالزُّورِ أُلبِسُهُ وجهي هُنا وهُنا
مسافرٌ كاشفٌ روحي فلستُ أنا
من يُشْرِبُ الروحَ راحَ الليلِ لَستُ أنا
بل إنني سافرٌ حتى تكشَّف لي
بأن من عاش مثلي لا ينالُ مُنى
شعر: سالم الزمر
«إلى روح الصديق «علي العندل« المتوفى بعد كلمة أيضا»*
(1)
ر... رأسي
و... وجهي
ل... ليتهما
ي... يُقرآنه
ت... تحياتي:
«ع، ل، ي، ا، ل، ع، ن، د، ل»
عاش لبيته
يَكْنِسُ أملاحاً
لعل عاطفة نبضه
درسٌ لسواه
(2)
على رسلك »سقراط«
الجرار قاحلة
الينابيع ضامرة
وأشجار تتآكل في الهجير
* *
الصخور
مسامير ليالٍ نائمة
البحار
غابات مياه زرقاء
وألواح
فقدت عيونها في المضيق
**
البحّارة
عاطلون عن الصيد
و»أبو طبيلة«
ذهب في الحقيقة ولم يعد
الأعشاش
تذرف أحزانها
دع الأرانب(4)
تسرد أشلاءها
دع القوس
على أُهبة السفر
القصيدة
على بُعد رميتين
من فلسفة وأجنحة
الطيور
نواخذة هواء
رفرف بجناحين
ومصيدة
* *
»سقراط«.. لا تنم
المرايا ساطعة
فيما الحقيقة
عالقة في الظلام.
شعر: عبدالله السبب
أصطفيها
تصطفيني
يصطفينا مطر لا يعرف إلا اسمنا
يترك الدنيا إلينا
بحيرات..
فنرتاد الحقول
تغرب الشمس إلينا
تغنينا أناشيد الصباح
ولنا السماء
نقسمها بيننا
ولي..و لها
أعين أخرى
ترى غير الذي قد ترون
وتسمع غير الذي تسمعون
جنائن الصمت الشهي
أعماق أعماق الذي لا يقال
من الماء جاءت
حلم لم يفترسه السكون
أو هذر الوقت الملول
أصطفيها.. أصطفيها
ربة الروح
و عنوان المكان
أسمائي التي أعرف
أو لا أعرف
أسماء كل هذا الكون
لست أختار
خطاي تعرفها
كرقراق الجداول و النجوم..
لن أرتاب في الى سواي
لأنزلن أشواقا و أفراحا
اليها
أبوح أسراري.. أرسم التاريخ
ألوذ بعطرها
أستقبل العمر البهي
بما تقول من عشق
وأشواق
وجدت بوصلتي
لأخطو خطوتي الأخرى
اليها
أصطفيها
تصطفيني
زمن لا يعرف الا اسمنا.
شعر: إبراهيم الهاشمي
قصائد جديدة
الغرفة ولوعة الغياب
مثل أحدب
لا تنطفئ لوعته
صدى الغياب على المصابيح
ومثل جلاد
صمت الغرفة يقلب قميص النوم
يدفع بكآبته إلى سريري
بينما قلقاً يذهب الليل
إلى حوض الزهر..
في الغرفة..
وكمن يستعيد وعيه
أنهض مثل تمثال
مصاباً بعطل
تقف المرأة في اللوحة
كحدث قديم
تراقب انزلاق الألوان على ثيابي
ولا تفعل شيئاً
سوى استنزافي..
هي ذاتها المرأة
في ألبوم الصور
تتجمع كتعب في المسرات
وبصعوبة بالغة
حاولت إصلاح عطب الذاكرة
فتح النافذة
وحشد الفتي
لا شواهد لحضور فاتن
المرح مؤجل
علاقة الملابس
محاطة بالانفعالات
الذكريات جافة
في سماعة الهاتف
هموم كبيرة
في الدواليب
الموسيقى مغلقة
و العازف وحيد:
لا شواهد مطمئنة
وحيداً يدخل فزعي الفراش
ويشي بي
أاااحمدددد
من مكانٍ آخر
ينظر إلى الاستمرار
دون الثقة بالوعود
وبقلب مثقوب وحزين
يستمع للأغاني القديمة
في هذا المكان من العالم
الذي يسرب الأسرار
للأصوات النشاز
خلف الجدران
محتمل أن يحمَل الشتاء
خبراااً سيئاً للغاية
للنوافذ التي تنتظر
لا نحتاج الوقت للتبرير
من مدةٍ طويلةٍ استنفذنا الفرص
في المكان الخطأ نقف
لا نتجاوز التكرار في الحوار
نهاية وانقطاع
ما يشبه القرص على الجسم
البقع السوداء مخيفة
نفقد أنفسنا
أكثر نشازااااً
نقلق
«أاااحمددد».
شعر: أحمد العسم
هالة في المقهى
في زاويةٍ من روحي مُهملةٍ،
آنَستُ دبيبَ خُطىً
كالحُبِّ تُراوِدُني..
فخطوْتُ كطِفلٍ
فرِحٍ
بالخُطواتِ الأولى،
أتحسّسُ
ما حلّ بِقلبي، كان يدُقُّ
يدقُّ.. يدقُّ
وما كان بهِ سوءٌ..
فرِحاً كانَ ومبتسِماً
لولا بعضُ الوخزِ المُتباعِدِ فيهِ
لأمِنْتُ اللحظةَ..
مدّتْ يدها تتحسّسُ وجهي،
ذهبَ الوخزُ..
مدَدْتُ يدي
أتحسّسُ خُصلةَ شعرٍ شارِدةً في غُرّتِها، فتعافيتُ..
آنَستُ الشوقَ بعينيها
يستجدي الشوقَ بِعينَيّ،
انْسَبْتُ إليها
كاللّبلابةِ فوقَ جِدارِ الجنّةِ،
صِرنا نوراً صِرفاً..
لولا هالتُهُ،
لتلاشينا..
نامي سيّدتي
فالصدرُ المُنهكُ هذا
ينقُصُهُ رأسٌ يفهمُهُ
حين ينامْ.
نامي،
فحياةُ الناسِ
بهذي الأرضِ مُعلّبةٌ
واللحظاتُ الحلوةُ
أسرابُ حمامْ.
يكفيني حينَ يشِحُّ الصيدُ،
بهذا الجوعِ المُزري،
في الشهرِ حمامةْ.
نامي،
فالروحُ تعودُ
إلى حالةِ ما قبلَ الخلقِ،
وهذا الطينُ يُلوّثُها..
مُرّي بي بين نجومِ الليلِ الحالِمِ
فوقَ بِساطِ الريحِ
بلا شرحٍ،
ودعي الصّمتَ يحدّثُنا
دون ضجيجْ..
ما عُدتُ أُطيقُ جِدالَ الحُبّ
وتفسيرَ الأحلامْ.
خَلّي الدربَ الموغِلَ في اللهفةِ
يأخُذُنا حيثُ يشاءُ
ولا تدعي شيئاً من شأنِ الأرضِ
أو الدّنيا
يوقِظُنا.
نامي،
حتى تتحلّلَ نادِلةُ المقهى
في فنجانِ القهوةِ كالسّكّرْ.
لمْ يبقَ هُنا أحدٌ شمّ بخورَ اللهفةِ
في هالتِنا المعروشةِ بالوردِ
ولمْ يسكَرْ.
لم يبقَ على حالتهِ الأولى أحدٌ
فالكل تبعثرْ.
بعضُ العبقِ المُتمرّدِ
كادَ يفِرُّ إلى الشارِعِ،
لولا بعضُ الصّحوِ المُتبقّي في يدِها،
أسدلَ كُلَّ ستائرِنا المرفوعةِ،
فارتدّ النورُ إلى بؤرتِهِ
واشتعلَ الكوكبُ أكثرْ.
في زاويةٍ مُهملةٍ من روحي
اهْتزّتْ وربَتْ أرضٌ
ما كانَ بها غيرُ الشوكِ
وبعضُ الورقِ الأصفرْ،
صارتْ تُنبِتُ من كل عزيزٍ
زوجينِ اثنينِ بزاويةٍ
كانتْ مُهملةً
في المقهى..
شعر: إبراهيم محمد إبراهيم












