EMTC

جـــذور

رسائل أدباء الإمارات.. مستوى فكري راقٍ ووعي اجتماعي وسياسي مبكر

صورة

من أهم المدونات الرسائل التي تبادلها العلماء والأدباء من أهالي الإمارات، مع أمثالهم في خارج منطقة الخليج العربي، مثل هذه المراسلات تشير إلى علوّ المستوى الأدبي والعلمي والفكري عند المثقّفين الأوائل من أبناء الإمارات، وهي تنمّ عن شخصيات فكريّة محيطة بالواقع العربي، عالِمة بالواقع الإسلامي، ولذا نجد في كتاباتهم إشارات متكرّرة إلى الأحداث الراهنة التي كانت تمرّ بها المنطقة، أو يمرّ بها العالَم الإسلامي بصورة عامّة.

مما يدلّ على أنّ أبناء الإمارات كانوا على وعي بما يدور حولهم على الرغم من وجود السلطة البريطانيّة وسيطرتها في المنطقة، حيث كانت تحاول أن تبعدها عن إطارها العربي والإسلامي، ولكن وجهاء المجتمع وزعماءه والمثقفين، كانوا على علم بخبايا السياسية البريطانية، وكانوا على علم بما يدور حولهم من أحداث. ونتبين أنه تحمل مراسلاتهم حسّاً أدبياً رائعاً، عبروا عنه بألفاظ وكلمات راقية، ومَن يقرأ هذه الرسائل يجد كذلك عاطفة جيّاشة عند كتّابها.

تقدير متبادل

كما تواصل هؤلاء مع حكّام الخليج العربي وبعثوا الرسائل إليهم، متضمّنة استفسارات عن أحوالهم الشخصيّة، وصحّتهم، وسؤالهم عن أمور تتعلّق بالإدارة والسلطة والنّصح لهم. وتبادل التهاني في الأعياد والمناسبات.

وفي الوقت نفسه كانوا يتلقّون ردوداً من حكّام وأمراء الخليج العربي فيها تقدير لهم. وهذه المراسلات تدلّ على تلك العلاقة التقديريّة المُتَبادَلة بين الجانبين، مما يشير إلى ما كانت تتمتّع به المنطقة من علاقات طيّبة بين الأمراء والحكّام وبين الوجهاء والعلماء، وهو جانب مهمّ يوثّق لهذه العلاقة، ومَن يقرأ العبارات والألفاظ والكلمات في تلك المراسلات، يجد فيها حرصاً من الطرفين على المصلحة العامّة لبلدان المنطقة وللبلد الواحد، ومهما كانت النّصائح التي تضمنتها تلك التدوينات، فهي كانت تلقى صدراً رحباً عند الجميع، وهو ما ميّز هذه المنطقة عن غيرها.

كما تضمّنتْ رسائل الحكّام إلى غيرهم من العلماء ورجالات الدين والفقهاء، الشكر وطلب الدعاء، وفيها عدد من عبارات الود والتراحم.

وكان من هؤلاء العلماء، الأديب مبارك بن سيف النّاخي الذي تراسل مع علماء وأدباء قطر والبحرين والسعوديّة والكويت. كما تواصل مع آخرين من المفكّرين والفقهاء والعلماء العرب والمسلمين، من أمثال: محبّ الدين الخطيب، محمد رشيد رضا، الأمير شكيب أرسلان، محمد بهجت البيطار، أبو الحسن الندوي، أمجد الزهاوي. كما ساهم أدباء الإمارات بكتاباتهم في مجلّات عربية، وكان من هؤلاء الكتّاب: الأديب مبارك بن سيف النّاخي الذي أرسل بمشاركاته الأدبيّة والعلميّة إلى مجلّات: الفتح، الشورى، الشّهاب -في سوريا، العرب -في باكستان.

وهذه المراسلات الفكرية تشير إلى علوّ المستوى الفكري لمشايخ الإمارات، وتتضمّن معاني الودّ وعمق العلائق العربيّة والاعتزاز بالعروبة، ومدّ يد العون لإخوانهم العرب، والإشارة إلى الأوضاع التي تمرّ بها الأمّة في تلك الفترة، وتبادل الرأي والمشورة في ميادين الأدب والعلم والفقه، مع ما يتّصف به الأسلوب الذي كتبت به، من أدب واحترام متبادل، إضافة إلى ما تحتويه الرسائل من أخبار الأمّة الإسلاميّة، وما كانت تمرّ بها من نكبات وأزمات. ذلك إلى جانب الحديث عن الأوضاع السياسية التي تمرّ بها المنطقة.

كذلك تؤرّخ هذه المراسلات لوقائع في الهند ومنطقة الخليج العربي، وفيها إشارات لِما تعانيه المنطقة من إهمال وجهل ومعاناة. وهذه العبارات تشير إلى مشاركة وجدانيّة وعمليّة من هؤلاء الأعيان الكرام في الخصوص، ولهذا فإنّ مثل هذه المراسلات تعدّ من أكثر التدوينات تشخيصاً للواقع. كما تتضمن بعض المراسلات أخباراً عن الأسواق والمبيعات والمنتجات والأسعار في بلدان الإنتاج.

24 مصنفاً

وتفيد هذه الرّسائل العلميّة والفتاوى في معرفة الوضع الفقهي والشرعي في المنطقة، وكيف تعامل الفقهاء ورجال الدين العلماء مع الأوضاع المتغيّرة في المجتمع، وكيف أفتوه بما يوافق الشرع ولا يناقض الواقع. ومن خلال هذه الرسائل والمدوّنات نتعرّف على جهودهم العلميّة وآرائهم الفقهيّة. كما ساهم عدد من الفقهاء والعلماء في التصنيف في الموضوعات الدينيّة العامّة، وفي علوم الحديث، من أمثال: عبدالرحمن بن حافظ المتوفّى عام 1953 صاحب كتاب: طريقة المتقين من كلام سيّد المرسلين«وهو في الحديث»، وكتاب: خلاصة في الفقه «في الفقه الشافعي»، و«رسالة: أسعد الصلوات على سيّد السادات».

كما قام العالم الفقيه محمد بن سعيد بن غباش، المتوفّى عام 1969، بتجريد حاشية الدليل المسمّى «نيل المآرب في الفقه الحنبلي»، وشرح الحاشية وفسّر ألفاظها. كذلك تميّز أحمد بن حجر عن غيره من أقرانه وإخوانه من العلماء والقضاء والأدباء، بكثرة وغزارة الإنتاج العلمي المدوّن، وهو يركّز على ميادين الفقه والشريعة والأحوال الشخصيّة والأوضاع الاجتماعيّة والأخلاق، وبلغتْ مصنَّفاته الـ 24 مصنَّفاً أكثرها ظهر بعد انتقاله إلى قطر واستقراره بها، حتى وفاته رحمه الله.

خريطة لمغاصات اللؤلؤ

ولم يخلُ ميدان الملاحة والبحار من تصانيف، وكان من أشهر مَن صنّف فيها: الشيخ مانع بن راشد بن مكتوم بن بطي بن سهيل، الذي وضع خريطة لمغاصات اللؤلؤ بين السواحل العربية والإيرانيّة، وهي المعروفة بالهيرات، وكانت لها فائدة عظيمة للغوّاصين والتّجّار على حدّ سواء. ووضع هاشم الهاشمي كتاباً سمّاه«الجوهر العالي في حساب اللآلي»، وهو في أوزان اللؤلؤ. وألّف سالم بن كلبان مصنَّفاً عن ربابنة البحر ونواخذة السفن وتاريخ الأسفار.. وطرق الإبحار في المحيطات والخلجان.

ومن المدوّنات ما سجّله مموّلو سفن الغوص على الغوّاصين والعاملين على السفن، من ديون وأموال اقترضوها منهم قبل بدء موسم الغوص، وأحياناً يحدث نوع من التطفيف والزيادة في المبالغ من دون علم الغوّاصين نظراً لجهلهم بالكتابة، وذلك مع أخذ أختامهم عليها.

كما نالت القضايا والشكاوى حظّاً من التدوين إذ كانت القضايا المتعلّقة بأمور البحر محلّ حسم في نزاعتها من قِبل شخص عارف مطّلع، يكلّفه الحاكم بحلّ هذه الإشكالات فيقوم بالفصل بين المتنازعين وكتابة منطوق الحكم في أوراق. وأحياناً يكتب الحاكم ما يُعرف بالبروة التي تفيد بتكليفه لذلك القاضي بحلّ الإشكال بين المتخاصمين ثمّ يكتب القاضي المكلَّف منطوق الحكم في ورقة ويرسلها للحاكم.

وفي القضايا الاجتماعيّة والتجاريّة المتعلّقة بالمديونيات فإنّ القاضي يرفع حكمه إلى الحاكم في قرار مكتوب يتضمّن الحكم. وفي بعض الأوقات، إن عرضت على حاكم البلاد مسألة شرعيّة تتطلّب رأي الشرع فإنّ الحاكم يرسل مكتوباً لعالِم البلد يستفسر عن الرأي الشرعي في هذه المسألة حين يكون العالِم خارج البلد. وفي بعض الأحايين فإنّ أحد المتقاضين يطلب من القاضي أن يدوّن حكمه في ورقة، فإمّا يكتبه القاضي بخطّ يده أو يتولّى أحد الكتبة هذا الأمر.

وفي أواخر العقد السادس من القرن العشرين، بدأت تظهر التشريعات والمسائل القضائيّة مدوّنة على شكل مضابط وكتب رسميّة تصدر من المؤسّسات المسؤولة عن القضاء. وهذا تطوّر كبير في ميدان التسجيل القضائي، لم يكن موجوداً قبل ذلك. وتطلّب ذلك أن يقوم القاضي بصياغة أحكامه القضائيّة، خاصّة تلك المتعلّقة بالمعاملات والتجارة التي تتطلّب دقّة وعناية لِما يتعلّق بها من تنفيذ للأحكام وتعامل مع الأجانب وغيرهم.

وكان يحرص عدد من المتقاضين على تدوين مجريات الدعاوى، ومنطوق الأحكام لِيكون ذلك مدعاة للطمأنينة والركون إلى الحقّ. وفي بعض الأحيان يتدخّل الوكيل المحلّي في الإمارات لحلّ الإشكاليات التي يكون أحد طرفيها رعايا بريطانيا العظمى، ويدوّن ذلك في السّجلّات.

1820

وكانت هناك جملة من الأمور المراعاة في ميدان التدوين والمراسلات بين حكّام الإمارات والسلطة البريطانيّة المسيطرة في الخليج العربي في عقود مبكرة من القرن الفائت، وهذه مسائل معقّدة بدأت منذ اتفاقيّة عام 1820 واستمرت حتى عام 1971، وهي فترة طويلة تغيّرت فيها الأحوال وتبدّلتْ فيها الأوضاع، وتناقل فيها الحكم في إمارات عديدة بالدولة، عدد من الشيوخ في الأسر الحاكمة، ومع ذلك فإنّ المراسلة مع السلطة البريطانية كانت تعدّ أمراً عظيماً، وشأناً مهمّاً، ولهذا فإنّ التدوين في هذا الميدان تحديداً هائل ومتنوّع ومتعدّد، وفي شتّى المسائل والقضايا والإشكالات والمظاهر. ونتج عنه مئات، إن لم يكن آلاف المدوّنات الوثائقيّة التي كُتبتْ بأساليب متنوّعة أيضاً، ولأسباب مختلفة كذلك.

كما دوّن الوكيل المحلّي مئات الأخبار والرسائل والإبلاغات والإخطارات، وكان ميدان تعاملاته واسعاً ومتنوّعاً، فهو كان يتواصل مع حكّام الإمارات، ومع الأفراد ومع الكبراء ومع الفقهاء ومع العامّة، وأخيراً مع السلطات البريطانيّة. كما دوّن عدد من الأفراد المندسّين في المجتمع المحلّي، أخباراً ومعلومات زوّدوا بها الوكيل المحلّي عن بعض التحرّكات في المنطقة، وهي مسألة تتطلّب متابعة وتقصّياً وتحرّياً.

أدب وسياسة واقتصاد

وبمصاحبة بواكير النّهضة في الإمارات وعموم منطقة الخليج العربي، بدأت تبرز للعلن الصحافة المكتوبة، وإن كانت في بداية ظهورها بدائيّة، ولكنّها تعدّ نقطة انطلاق لِما جاء بعدها من صحف ومجلّات. وإن كانت صحيفة «النّخّي» في العين مجرّد كتابات وأخبار تعلّق في المقهى، إلا أنّها تدوين لأحداث اجتماعيّة اهتمّ بها الأهالي، ومع أنّها لم تعد كونها مخطوطة إلا أنّها بداية موفّقة.

مع أنّ صحيفة «عمان» سبقتْها في الشارقة من حيث العرض والأسلوب والكتّاب، فهي متنوّعة امتزج فيها الأدب والاجتماع والسياسة والاقتصاد، ودوّن فيها رجالات الثقافة والأدب فكرهم ورؤاهم، من أمثال: عبدالله بن صالح المطوّع، مبارك بن سيف النّاخي، حمد بن عبدالرحمن المدفع. وكانت تكتب باليد، ويوزّع منها خمس نسخ، وتوزّع على بعض المتعارفين. وهي عروبيّة الهوى وطنيّة التوجّه. وهناك صحيفة معلّقة أخرى تدعى «العمود»، فكاهيّة الروح، تكتب بخطّ اليد أيضاً.

وكلتاهما برزتا نحو العام 1927. ولم تخلُ صحيفة «صوت العصافير» اليدويّة التحرير، من روح وثّابة معارضة للسلطة البريطانية، إذ أصدرها بعض الشباب النّهضوي من الشارقة ودبي نحو عام 1933، وكانت تنتقد الأوضاع وتنحي باللائمة على السلطة المحتلّة.

ولم تبعد نشرة «الدّيار العمانيّة» عن الروح الوطنيّة السائدة في فترة الستينيات من القرن الفائت والتي أصدرها كلّ من: حميد بن ناصر العويس وعبدالله بن سالم العمران وعلي بن محمد الشرفا، وكانت تطبع على الآلة الكاتبة، وتصدر في 12 صفحة، وكانت تعالج وتشخّص واقعاً معاشاً، وتدعو إلى وحدة الجغرافيا، وتدوّن إشكالات اجتماعيّة في الواقع الحياتي، وتدعو إلى تعليم البنات، وتسجّل مواقف لرجال الوطن، وحث أبناء المجتمع على العمل والدّأب والصبر ضمن مختلف البيئات.

وفي عام 1965 صدرت مجلّة «أخبار دبي» الأسبوعيّة، فنقلت العمل الصحافي والكتابة المطبوعة إلى شوط جديد، وساهم في الكتابة فيها عدد من روّاد النّهضة، أمثال: الأديب عبدالغفّار حسين، العلامة عبدالجبّار الماجد، الدكتور أحمد أمين المدني، الدكتور عبدالخالق عبدالله.. وغيرهم. كما تتابعت الإصدارات، وتنوّعت الصحف والمجلّات. في ما بعد، وأدت جميعها أدواراً حيوية في المجال.

نقلة نوعية

مثّلت مجلة أخبار دبي، الصادرة في خمسينيات القرن الفائت، نقلة نوعية في ميدان الكتابة والتدوين في الإمارات، إذ ينظر إليها كونها ميداناً جليّاً لنقل الكلمة المدوّنة بخطّ اليد، إلى الكلمة المطبوعة.. ولعبت دوراً جوهرياً في هذا الحقل، موثقة لمراحل وقضايا متنوعة في المجتمع.

فتاوى ومقالات

يبرز من بين المدوّنات المهمة، ما خلّفه القضاة ذوو المكانة الرفيعة، من أهالي الإمارات، من فتاوى ومقالات، ومن هؤلاء: عبدالله بن علي بن سلمان، عبدالله بن محمد الشيبة الذي ضمّن بعض رسائله لأمثاله من العلماء مجموعة من الآراء الفقهيّة والحوارات الشّرعيّة مع الاستشهاد بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية الدّالّة على الرأي الشرعيّ الذي يتبنّاه. وهناك رسائل الشيخ محمد نور سيف في الفقه والتعليم.

قضايا أسرية

كانت عند القاضي، قديماً، كتب ودفاتر مدوّن فيها بعض الأحكام ينظر إليها إذا تعسّرت عليه بعض المسائل. وفي أحيانٍ أخرى، يكتب العالِم رسائل إلى غيره من علماء البلاد يسألهم رأيهم في مسائل شرعيّة عُرضت عليه، شارحاً لهم الحالة، مبيّناً لهم المسألة، ذاكراً لهم رأيه فيها، وهم يجيبونه كتابة أيضاً. وكانت قضايا الميراث والخلافات الأسريّة والمبايعات وأحكامها، من المدوّنات المهمّة التي يحرص القاضي على كتابتها، درءاً للخلاف وتنفيذاً للحكم.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات