الحديث مع الشاعرة شيخة الجابري ذو شجون، فهي تحمل هم الساحة الشعرية، وتفتقد ذلك الوهج الذي كان طاغياً في فترة من الفترات، وتتمنى على الجيل الجديد بأن يقرأ ويبحث ويطلع على تجارب الآخرين، ويترك القرار للجمهور ليصنفه شاعراً، ويزعجها، كما تؤكد في حوارها مع«البيان»، أن تتبنى دور نشر معروفة إصدارات تحمل الكثير من الأخطاء عند طباعتها عدا عن المضمون الهزيل.

نبدأ من الأصبوحة التي أحيتها الشاعرة (فتاة العرب) الشاعرة عوشه السويدي في جامعة الإمارات في تسعينيات القرن الفائت، حدثينا عنها...

كانت هذه الأصبوحة الشعرية أول ظهور علني لأمنا القامة الشاعرة عوشه بنت خليفة، ( فتاة الخليج)، والتي أطلق عليها فيما بعد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي – رعاه الله -، لقب (فتاة العرب).

هي بمثابة مدرسة تربينا على قصيدتها بكل ما تحمله من رسائل إنسانية ووجدانية محترمة وراقية ومهذبة في النص الشعري، الأصبوحة التي شاركت فيها بتقديم "فتاة العرب"، حظيت بحضور تجاوز عدده ال 2000 من الطالبات اللواتي افترشن أرضية المسرح، وأذكر أني سألتها عن سبب عدم اصدارها لديوانها الشعري حتى الآن، فقالت: ( أخشى على قصائدي يا شيخة، أخشى من الأخطاء المطبعية عند طباعته). كانت تقول هذا الكلام وهي عوشة بنت خليفة، وذلك حرصاً منها على المفردة الصحيحة عند الطباعة ليتعلم جيل اليوم قيمة الكلمة والمجازفة في النشر.

معايير

لمَ هذا التهافت لدى جيل اليوم على إصدار الكتب والدواوين؟

هي حالة ستنتهي وسيبقى الأفضل، الجمهور سيختار الجيد من الرديء وحتماً ستبرز البضاعة الجيدة، لكن التساؤل الذي يفرض نفسه عن معايير النشر وضوابطها، إذ نفاجأ ببعض الإصدارات التي تحمل الكثير من الأخطاء وتتبناها جهة مسؤولة وتصدر منها الآلاف من النسخ رغم ما تحتويه من هنّات لغوية، وأخطاء طباعية، فأين دور الرقابة هنا!!؟

مكمن الخلل

بالحديث عن الرقابة، أية جهة يجب أن تؤدي الدور الرقابي على الإصدارات؟

أنا على غير علم بالجهة ولا أعلم إن كانت هذه مهمة المجلس الوطني للإعلام، ولن أتجاوز المجلس، لكن يجب أن تكون هناك لجنة للنشر في الدولة، أو مجلس أعلى للثقافة، لتعنى هذه اللجنة باختيار النصوص وتنظيم الندوات والأمسيات الشعرية والمؤتمرات وتنشيط وتفعيل الحركة الثقافية في الدولة. نريد مجلساً أو لجنة تحرك الساكن، فالحراك الثقافي لدينا هنا في الإمارات ملهم وعظيم ونقدم تجارب للدول الأخرى بفضل رؤية قيادتنا الحكيمة، لذا علينا كأدباء ومثقفين وكتاب، أن نكون أهلاً لهذه الثقة التي أولتنا إياها القيادة، وأن لا نقدم المحتوى الهزيل، يجب أن يكون المنتج الأدبي قويا وذا قيمة ومصداقية.

هل وسائل التواصل الاجتماعي سحبت البساط من تحت النشر الورقي؟

لم تفعل ذلك. نحن الذين فعلناه.. ثم انسحبنا، وسائل التواصل الاجتماعي عبارة عن أداة أنت تغذيها. هي ساهمت في انتشار بعض الذين اتخذوها أداة للترويج لهم، وبالفعل تعتبر أداة ترويج على درجة من الأهمية، لكن للأسف، الكثير انساقوا خلفها، خاصة تويتر الذي لا تتعدى مساحة النشر فيه ال 140 حرفا، وهو الذي أثر على القصيدة بشكل مخيف.

اعتبارات ضرورية

الفعاليات الثقافية على كثرتها إلا أن حضورها باهت وقليل.. ما تعليقك؟

أولاً، على اللجان المنظمة لها أن تنتقي الوقت والمكان المناسبين، كالجامعات والكليات والمعاهد، إضافة إلى الاسم الذي يجذب الجمهور.. ما يحصل الآن عبارة عن تسابق للشهرة حتى صار كل من هب ودب يكتب الشعر، أنا لست ضد الكتابة، فليكتبوا مايشاؤون، في النهاية لن يمنحك لقب شاعر إلاّ الجمهور المثقف والواعي عندما يستشعر فعلاً ما تكتب.

ونحتاج من الجيل الجديد أن يقدم كل ما هو قيم، عليه أن يقرأ ليتثقف، فالثقافة محصن رئيس لكل من يمارس الكتابة وأساس تميز الشاعر وقصائده، نحتاج كذلك إلى عودة الأسماء الشاعرة المتميزة التي اختفت بعد أن حققت قصائدها انتشاراً عبر المنتديات التي كانت تحفز على المنافسة، لذا أتمنى عودة المنتديات التي تحترم التجارب الإنسانية إلى سابق عهدها، فالشعر يعاني من جفاء الشعراء .

أمسية

لنتحدث عن مشاركتك في مهرجان الجنادرية...

كنت في حديث مع الأخت العزيزة الشاعرة (مشاعر نجد) من المملكة العربية السعودية عن الأمسيات الشعرية، حيث كانت تستطلع رأيي في تنظيم أمسية نسائية على هامش المهرجان تشارك فيها شاعرات مختارات من المملكة، فاقترحت عليها، أن تكون الأمسية خليجية بدلاً من حصرها في شاعرات المملكة.. فرحّبت بالفكرة وتبنّتها ثم عرضتها على اللجنة المنظمة، وتمت الموافقة عليها، وخلال المهرجان كُرّمتُ كرائدة من رائدات الثقافة في الخليج العربي، من قِبل الأميرة عادلة بنت عبدالله بن عبدالعزيز.

تعاون مثمر

لماذا لا تقام لدينا مهرجانات مماثلة، أسوة بما يقام في السعودية، على سبيل المثال؟

أتمنى أن تطلق مبادرة تتكاتف معها جهود مختلف مؤسساتنا لتنظيم مهرجان ثقافي على مستوى الدولة يحمل اسم الإمارات. وفي الحقيقة نحن نعول على وزارة الثقافة وتنمية المعرفة لأن تقوم بهذا الدور، أو مركز حمدان بن محمد لإحياء التراث والذي قدم مبادرات مهمة خدمت الشعر الشعبي، وطبعاً، مؤسسات وجهات إمارة الشارقة التي تؤدي رسالة نوعية في المجال الثقافي، إلى جانب هيئة الفجيرة للثقافة والإعلام والتي تقوم بدور لافت في الصدد. لو تتضافر هذه الجهود لإقامة مهرجان الإمارات الثقافي حتماً سيكون هو العيد للشعر والرواية والقصة، وسيعود الوهج للثقافة بصفة عامة.

«وينكم..؟ وحشتونا»

تقول شيخة الجابري : لا أزال ببداية الطريق. لن أقول أنا شاعرة بل إنسانة أتنفس الكلمات و الجملة الجميلة. حصدت نجاحات مهمة ونلت تكريمات وجوائز نوعية، ولكنني أعتبر أنني أخطو خطواتي الأولى نحو القصيدة وجمهوري هو من يقيمني. أنا أحضر حالياً لمولودي الثاني: ديوان شعري تبنته، مشكورة، إحدى الجهات. وكنتُ أصدرت «يمكن»و أعتقد أنني الشاعرة الوحيدة بالدولة التي أصدرت ديواناً كاملاً لقصائد التفعيلة. وتختم : أشكر «البيان» على استضافتي عبر «حبر وعطر»، البصمة التي حركت الساكن ونتمنى من خلالها أن يستضاف الشعراء المبرزين الذين تواروا عن الأنظار، ونقول لهم (وينكم..؟ وحشتونا).