إنها الحرب لم تبق شيئاً ساكناً في مناطق النزاع العربية، حتى حولته إلى خراب، بعد أن دقت معاول الإرهاب رقاب البشر والحجر، في مسعى غريب نحو تجريد الشعوب والأرض من ذاكرتها وتراثها الإنساني، لقد عاثوا فساداً في تلك الأرض التي عاش عليها الآشوريون في غابر الزمان، وبنى نمرود فيها حضارة نصبت ثورها المجنح رمزاً لقوتها، ورفعت عليها زنوبيا تدمر أعمدتها، وتوجتها بقوس نصرها الكبير.

على هذه الأرض شيدت عشتار بوابتها، ونقش صلاح الدين نصره بحروف ذهبية. من قبله قيل لإخوة يوسف «ادخلوها آمنين»، فيما أقيم للأولياء قباب عانقت السماء، لتظل «مكتبة أحمد بابا» سنوات طوالاً حضناً دافئاً لآلاف المخطوطات الإسلامية الثمينة، التي أحرقتها نار الحقد. لا أحد يغسل يديه من آثار الجريمة، التي اغتصبت أرض سبسطية وحولتها إلى بيوت سكنها مستوطن، لا يعرف أحد تاريخه.

قبل الميلاد وبعده ظلت مأرب شمعة ثقافية تضيء عتمة ليل الجاهلية، رافقتها صبراتة لسنوات طوال حتى جاء من أطفأ شموعها، بغبار الحرب التي لم تبق شيئاً ولم تذر، فخلعت جذور الآمنين من أرضهم، تاركة إياهم يهيمون على وجوههم بين بر وبحر، فاتحة المجال أمام لصوص التاريخ، لأن يستفردوا بقطع أثرية ترك الزمان آثاره عليها، وسجلت لأهميتها على قائمة التراث العالمي.

ذاكراتنا الثقافية سيطر عليها إخوان الإرهاب، الذين أسكتوا أصواتها بمعاولهم، تلك الذاكرة التي استبدلت أهازيج النصر بأصوات البكاء على ماض حطمته معاول الظلام.

وفي الوقت الذي لا تزال فيه عجلة الحرب دائرة، وتغيب فيه الإحصاءات الواضحة والدراسات التي تبين حجم الدمار، لا تزال قضية المواقع الأثرية وما يحيق بها من خطر، تتربع على عرش نقاشات الخبراء، الذين استطلعت «البيان» آراءهم، حيال ما تتعرض له المواقع الأثرية العربية من اضطهاد في ظل النزاعات المسلحة التي تشهدها بعض دول المنطقة، فاتفقوا على أن ما تتعرض له المواقع الأثرية يعد تهديداً للذاكرة الإنسانية، مطالبة بضرورة العمل على نسج استراتيجية عربية موحدة لحماية هذه المواقع، وأن تحفظ القطع الأثرية في إحدى الدول العربية الآمنة، ريثما يعود الاستقرار لدول المنطقة.

ملحمة جلجامش

يستهل المداخلات الدكتور منصور بريك، أخصائي أول رئيس في قسم الآثار في بلدية دبي فيقول: «النزاعات المسلحة في المنطقة العربية، ربما دمرت الكثير من المواقع الأثرية في سوريا وليبيا والعراق وغيرها، وأفقدتها الكثير من القطع الأثرية المهمة، فمثلاً فقد العراق إبان الغزو الأميركي قطعة «ملحمة جلجامش»، والتي تعتبر أقدم من الإلياذة بألف عام، وكذلك لوحة نبوخذ نصر الثاني والتي يذكر فيها قضاءه على اليهود وأسرهم، وبالطبع هذه القطع لم ترجع حتى الآن، بينما في سوريا فإن معظم الآثار التي تتعرض للتدمير هي مسجلة على قائمة التراث العالمي، والذي يعني أنها محمية بموجب القانون الدولي، وعدم نفادها من التخريب يدل على أن القوانين الدولية ضعيفة أمام النزاعات المسلحة».

بريك أكد أنه يجب زيادة الوعي الأثري في المنطقة العربية، والعمل على إعداد الخطاب الديني بحيث يتم تبيان الفرق بين الأثر والوثن والصنم، قائلاً: إن «معظم التماثيل التي دمرت، تمت بدعوى أنها أوثان، رغم أن التماثيل قديماً كانت تقام للدعاية وليس للتعبد، وهناك فرق بين الأوثان والنصب والتماثيل».

وأشار د. بريك إلى أن التراث الأثري العربي يتم تدميره وفق مؤامرة ينفذها من يتخذون الإسلام درعاً، بدعوى الجاهلية. وقال: «آثار الخضر ونمرود في العراق وبعض آثار ليبيا، دمرت وفق دعوى أنها أوثان، رغم أنها تدل على القوم الغابرين». وطالب بضرورة قيام جامعة الدول العربية بإنشاء منظمة عربية على غرار "اليونيسكو"، تعمل على تسجيل الآثار العربية، وسن قوانين لحمايتها، وزيادة الوعي الأثري لدى المواطن العربي.

دور يونيسكو

د. بريك نوه إلى أن منظمة يونيسكو لم تقدم شيئاً لحماية المواقع الأثرية بالمناطق العربية، باستثناء بيانات الاستنكار، وقال: «يجب حصر كل القطع التي نهبت من المنطقة العربية، ووضعها على اللائحة الحمراء، لمنع تداولها»، رافضاً نقل القطع الأثرية إلى أوروبا أو أميركا لحفظها. وقال: من الأفضل أن تحفظ في إحدى الدول العربية الآمنة، لعدم وجود ضمانات لعودة هذه القطع مجدداً إلينا بعد عودة الاستقرار، ونقل أي قطعة إلى أوروبا هو إجراء خطأ، لأن آثار العراق دمرت تحت مسمع ومرأى الدول الغربية، ولم يحرك أحد ساكناً.

إعادة الاستقرار

لم يختلف رأي رشاد بوخش، رئيس جمعية التراث العمراني في الإمارات، كثيراً عن زميله الدكتور بريك، حيث أشار في حديثه إلى أن الدول العربية تحتضن آلاف المواقع الأثرية والتراثية. وقال: بعض هذه المواقع مسجل على قائمة يونيسكو للتراث العالمي، وبعضها غير مسجل، وللأسف فالكثير من هذه المواقع مهددة بالتدمير بفعل الحروب التي تجتاح دول المنطقة، وحتى بعض الدول الإسلامية الأخرى مثل أفغانستان، التي تعرضت فيها المواقع الأثرية للتدمير، وأدى ذلك إلى نهب وسرقة الكثير من القطع الأثرية القديمة والمهمة. وأضاف: منظمة يونيسكو ناقشت هذا الموضوع، وأصدرت قوائم بمواقع أثرية معرضة للخطر، وخاصة في سوريا والعراق، ولكن ذلك لا يكفي لحمايتها.

وأشار بوخش، إلى أن إيقاف الحرب وإعادة الاستقرار إلى هذه الدول، سيكون الخطوة الأولى نحو إيقاف عمليات التدمير التي تتعرض لها المواقع الأثرية العربية، مبيناً أنه يجب على منظمة يونيسكو أن تفعل دورها وتتدخل لإيقاف التدمير. وقال: «دور يونيسكو حالياً يكاد يكون قاصراً على المطالبة بعدم مس المواقع الأثرية، ولكن للأسف ما يحدث على أرض الواقع يختلف تماماً، فنجد أن «داعش» وبعض الجهات الأخرى، تقوم بتدمير وسرقة القطع الأثرية وتهريبها للخارج»، وتابع: على المنظمات الدولية التدخل للمحافظة على هذه المواقع، واسترجاع القطع المسروقة قدر الإمكان، عبر وضعها على اللائحة الحمراء.

طالب بوخش بضرورة وجود استراتيجية عربية لحماية المواقع الأثرية، وقال: بلا شك إن وجود منظمة يونيسكو جيد، ووجود منظمة شبيهة على مستوى المنطقة العربية، سيكون مفيداً، ولكن لا يوجد هناك أي رابط رسمي بين الدول العربية في ما يتعلق بالآثار، بخلاف بعض المؤتمرات التي تقام هنا وهناك، والتي يقتصر عملها على المطالبة فقط، لفقدانها القوة التي توقف عمليات النهب لهذه المواقع، لذا فنحن بحاجة إلى الاستقرار الأمني لضمان إيقاف عمليات التدمير.

حماية ثقافية

الخبير في الآثار ناصر العبودي، بدا غير متفائل حيال ما يجري على الأرض، حيث قال: «المواقع الأثرية العربية طوال الوقت كانت مهددة بالتدمير، حتى في حالات السلم، بسبب ظروف التنمية والإهمال وعدم المراعاة عند إنشاء الطرق والمباني، وبالطبع وقوعها تحت وطأة الحرب زاد من خطر تدميرها، وأسهم في إزالة الكثير منها عن الوجود». وتابع: مشكلتنا الأساسية تكمن في أن معظم الدول العربية لا يوجد بها حماية ثقافية وقوانين واضحة للآثار، وإذا وجدت في مكان ما، فهي جاءت متأخرة جداً.

وأشار العبودي إلى أنه ورغم عدم اتضاح الصورة كاملة، إلا أن الخطر الذي يهدد المواقع الأثرية كبير، ضارباً في نمرود بالعراق مثلاً، وقال: «نمرود أزيلت عن الوجود، وهدم جزء كبير منها»، واصفاً ما تتعرض له المواقع الأثرية العربية بـ«المجزرة» وقال: «هذه المواقع تتعرض لمجزرة كاملة بدعوى أنها أصنام وثنية».

وقال: «تدمير أي أثر، معناه إزالة حضارة كاملة، وبالتالي نسف التراكم التاريخي الذي تمتلكه المنطقة العربية». وتابع: «في الواقع هذا التدمير فيه دلالة على وجود من لا يرغب في أن يكون للعرب حضارة إنسانية واضحة، علماً بأن هذه المنطقة هي فعلياً مهد الحضارة الإنسانية».

إهمال وتهريب

وبحسب رأي العبودي، فإن الحرب لم تكن المدمر الوحيد للمواقع التاريخية العربية، وإنما الإهمال لعب دوراً في ذلك. وقال: «للأسف فإن من يحفر في المواقع الأثرية ويعرضها للنهب سواء في العراق أو سوريا أو ليبيا أو اليمن وغيرها، هم أهل البلد نفسه، الذين يقومون بالمتاجرة بها وتهريبها إلى خارج الحدود، والغرب يشتريها بحكم وجود قوانين تتيح للمواطن هناك بتداول القطع الأثرية».

العبودي أوضح أن وجود استراتيجية عربية لحماية المواقع الأثرية يمثل مطلباً مهماً. وقال: «المشكلة ليست فقط في المطالبة بوجود استراتيجية عربية موحدة، وإنما علينا بداية تفعيل توصيات المنظمة العربية للثقافة والتربية والعلوم التابعة للجامعة العربية، التي دأبت على تقديم توصيات ورقية فقط، ولا يتم تنفيذها، بدليل أن القطع الأثرية لا تزال تخرج من المنطقة ولا تعود إليها، لعدم وجود من يحميها».

ضرب عشوائي

«بلا شك، فإن الحروب هي أخطر ما تتعرض له المواقع الأثرية، بسبب ما يحدثه الضرب العشوائي من تدمير لها»، بهذا التعبير، بدأت علياء الغفلي، مدير عام دائرة التراث والآثار في أم القيوين، حديثها. وقالت: لدينا الكثير من المواقع الأثرية التي دمرت بفعل الحروب، وكان هناك ولأكثر من مرة، توصيات بأن يكون لمثل هذه المناطق خرائط خاصة عالمية، توضح حدودها، بحيث تتحول إلى مناطق حظر خلال فترات الحروب، وذلك لكيلا تتعرض لأي تدمير، ولكن الإشكالية أن هذه المطالب ظلت مجرد توصيات فقط، ولم يتم تنفيذها أبداً، رغم أنها بتقديري تشكل حلاً، وخاصة في الفترة الحالية، حيث يتم تهريب القطع وسرقتها بسبب ظروف الحرب التي تجتاح المنطقة.

الغفلي أكدت ضرورة وجود استراتيجية عربية موحدة لحماية المواقع الأثرية الموجودة.

وقالت: من المفروض أن يكون هناك استراتيجية عربية، ولكن للأسف لا يوجد هناك أي تنفيذ لهذه المبادرات، وخاصة أننا طرحنا الكثير من الملفات أمام منظمة يونيسكو، لتسجيل مواقع عربية كثيرة على قائمة التراث العالمي، ولكن هذا يحتاج إلى إجراء طويل جداً.

الغفلي لم تؤيد عملية نقل أي قطعة أثرية لحفظها في أوروبا أو أميركا. وقالت: هناك الكثير من القطع التي خرجت من حدودنا ولم تعد لنا، وأعتقد أن زيارة واحدة لمتاحف أوروبا وأميركا يثبت ذلك، وأفضل أن تنقل إلى إحدى الدول العربية الآمنة، ولكن الأهم هو أن يتم حصر كل القطع الأثرية على مستوى الوطن العربي، في خطوة تمهيدية تمنع تداولها وبيعها في الأسواق. وشددت على ضرورة توثيق أي قطعة يتم اكتشافها، وقالت: «حتى في حالة الدراسة، يجب أن يتم نقل القطع ضمن عقود خاصة، لضمان عودتها إلى حضن الدولة الأم».

آثار سلبية

سعد بن محمد التويجري، المهتم بتاريخ وآثار وأدب شبه الجزيرة العربية، أشار في حديثه إلى أن النزاعات المسلحة التي تشهدها بعض الدول في المنطقة، أثرت سلباً في المواقع الأثرية. وقال: هذه النزاعات أثرت سياسياً في المنطقة وأتعبتها اقتصادياً، وتعمل على تدميرها ثقافياً.

وتابع: «تعرضت مواقع أثرية عدة للتدمير، بسبب النزاعات المسلحة، مثل مدينة تدمر حيث نسف معبد بعل شماين، وتحطيم جزء من معبد بل، ونسف قوس النصر بالكامل، وغيرها من عمليات التنقيب غير الرسمية، إلى جانب سيطرة الجماعات الإرهابية على مدينة الموصل في العراق، وتخريب متحفها، حيث قامت بتحطيم الثور المجنح والتمثال الآشوري الكبير الذي يعود تاريخه إلى القرن التاسع عشر قبل الميلاد». أولوية

وأكد التويجري أن السبيل لحماية المواقع الأثرية يبدأ بالقضاء على الجماعات الإرهابية، وإيقاف النزاعات المسلحة، مشيراً إلى أن وجود منظمة يونيسكو أو حراسة متواضعة لهذه المواقع، لا يكفي. وقال: «وضع القطع الأثرية على اللائحة الحمراء، يفيد للتنبيه على أهمية هذه القطع، وبالتالي حمايتها من التدمير، ولكن هذا الأمر لا يعد كافياً، وخاصة أن هذه القطع قد تقع في يد جماعات إرهابية، يمكنها أن تتصرف بها كما تشاء». ونوه بأن يونيسكو لن تنجح في حماية آثار المنطقة من دون التعاون مع الدول العربية، معتبراً أنهما «يكملان بعضهما بعضاً للخروج بنتائج مرضية للجميع»، مبدياً عدم موافقته على نقل القطع الأثرية إلى أوروبا أو أميركا.

موقف مضاد

خبير التـــراث العـــمراني رشاد بوخش يقف ضد فكرة أن يتم نقل أي قطـــعة أثرية إلى أوروبا أو أميركا لحفـــظها هــناك، وقال: أنا ضد أن يتم نقل القطع الأثرية لحفظها خارج المنطقة، وأفضل أن يتم ذلك في إحدى الدول العربية، علماً بأن عملية النقل حالياً صعبة، لوقوع معظم المواقع الأثرية تحت سيطرة «داعـــش» وغيرها من الحركات، كما أن لنا تجـــربة سابقة في نقل الآثار إلى أوروبا، والتي لم ترجع لنا حتى الآن، ومن يزور المتاحف الأوروبية والأميركية يكتشف أن معظم قطعنا الأثرية موجودة هناك.

وأكد بوخش وجود بعض المؤسسات العربية التي قامت بإخفاء بعض القطع الأثرية بغرض المحافظة عليها.

تمبكتو .. جوهرة الصحراء الإفريقية وحافـــــــــــــــــــــــــــــــــــظة التراث النادر

لمدينة تمبكتو، شمالي مالي، حضور خاص في أذهان عشاق التراث، وهي وجهة الباحثين والمنقبين في المخطوطات، تعد المدينة حافظة الأمانات والتراث النادر، فهي "جوهرة الصحراء المتربعة على الرمال" والبوابة بين شمال أفريقيا وغربها، سجلتها منظمة يونيسكو على قائمة التراث العالمي منذ 1988، واختيرت عاصمة للثقافة الإسلامية في 2005، وادرج جانبها 3 مواقع أثرية في مالي، على لائحة التراث العالمي لليونسكو، وهي: «ضريح آسكيا في غاو»، و«مدينة جانا القديمة قرب مدينة موتبي»، و«منحدرات دوغون».

حرق وتدمير

ظلت المدينة هادئة، فخورة بما تحفظه في قلبها من آثار ومراكز علمية ومكتبات ومساجد، ومخطوطات قديمة جداً، حتى ابريل 2012، حيث سقطت المدينة في يد جماعات إرهابية اجتهدت في تشويهها، عبر الاعتداء على الأضرحة التي تشهد بعضها على الحقبة الذهبية للمدينة في القرن السادس عشر، وحرق المخطوطات وتدميرها بالكامل.

اثر تلك الهجمة، تعالت صرخات المثقفين من كلّ أرجاء العالم، عبر هيئات ثقافية وعلمية معنية بالمحافظة على التراث وهيئات رسمية، لحماية آثار تمبكتو من همجية الحروب والنزعات الطائفية والعرقية.

ورغم جهود العلماء والباحثين وأمناء المكتبات والمثقفين المؤمنين بقيمة المخطوطات التاريخية والعلوم لشتّى الأديان السماوية بحماية بعضها، مشكّلين سداً منيعاً في وجههم بأجسادهم أمام مكتبة ومعهد «أحمد بابا»، الذي يحتوي على أكثر من 20 ألف مخطوط، إلا أن يد حركة «أنصار الدين» وأتباعها، استطاعت الوصول إليها، وتهديم وحرق الكثير من هذا التراث العلمي والأدبي، حيث لا يزال مصير أكثر من 300 ألف مخطوط في المكتبات الأخرى مجهولاً.

مخطوطات تمبكتو بما تحويه من كنوز تاريخية، أثارت اهتمام مكتبة الكونغرس الأميركي وجامعة هارفرد، فنسخت منها الكثير، كما تأسست مراكز للبحث فيها وحفظها، وتعالت أصوات لصونها من التلف والاندثار، وأهمية هذه المخطوطات تنبع من كونها تختزن قرونا من تاريخ غربي أفريقيا، ومن علاقة هذه المنطقة بالعالم العربي والإسلامي، لا سيما وأن تمبكتو أنجبت علماء وآوت آخرين ألفوا وكتبوا في كل شيء، من الفقه والعلوم الشرعية إلى الفلسفة والعلوم والفيزياء والكيمياء إلى الطب وعلم الفلك والأدب واللغة والتاريخ، وغيرها، كونها شكلت لزمن طويل ملتقى للعلماء والطلبة، خاصة في أوج عهدها الزاهر في القرن السادس عشر الميلادي.

وبحسب الاحصائيات ففي مكتبات تمبكتو يقبع نحو 700 ألف من المخطوطات المهددة بالاندثار، وفي عام 1970 شكلت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونسكو) هيئة للحفاظ على مخطوطات هذه المدينة، التي أدخلتها المنظمة في قائمة التراث الإنساني.

حفريات

سوق حلب الأثري يكتوي بنيران الحرب

تعد مدينة حلب السورية، واحدة من المدن التاريخية في العالم، إلا أن قدمها لم يجنبها الاكتواء بنيران الحرب، التي التهمت في عام 2012، أجزاء كبيرة من سوق حلب الأثري، بدكاكينه القديمة ذات الأبواب الخشبية، التي يعود بعضها إلى مئات السنوات، كما لحقت أضرار بقلعة حلب، فيما لا تزال تتوارد معلومات عن وجود حفريات تجري سراً في عدد من المواقع الأثرية الواقعة في المدينة.

ودعت منظمة اليونسكو منذ بدء المعارك في سوريا، كافة أطراف النزاع، إلى ضرورة الحفاظ على تراث سوريا الثقافي والتاريخي، ونبهت المجتمع الدولي إلى مخاطر تهريب القطع والاتجار بها.

وفي الاتجاه ذاته، أبدت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (أليسكو)، التابعة لجامعة الدول العربية، أيضاً قلقها إزاء الأضرار التي لحقت بالمواقع الأثرية في سوريا، جراء العمليات العسكرية المستمرة منذ سنوات.

انتهاك

الاحتلال الاسرائيلي يهدد آثار سبسطية

تعد مدينة سبسطية، واحدة من أكبر المعالم الأثرية والسياحية في فلسطين، ولم تشفع لها أهميتها التاريخية تجنب ممارسات الاحتلال الإسرائيلي، الساعية إلى طمس معالم المدينة الواقعة شمالي الضفة الغربية، حيث لم يكتفِ بمصادرة أكثر من 400 دونم لصالح مستوطنة شافي شومرون، وإنما فرض سيطرته على نحو 50% من أراضي البلدة، وتصنفها تحت ما يسمى بالحدائق العامة الإسرائيلية، كما لم ترحم عمليات الترميم الإسرائيلية، آثار المدينة التي باتت مهددة بالكامل، بتعرض هويتها الأصلية للتزوير، والانتهاك اليومي الذي يمارسه لصوص الآثار على المدينة، الواقعة على تلة يصل ارتفاعها إلى 440 متراً، وجدت قبل 3000 عام، حيث ترجع حكاية هذه المدينة إلى عام 876 قبل الميلاد، عندما قام الملك «عمري» ببنائها وحصنها، وجعلها عاصمة له.

نهب

آثار سوريا تتحول إلى تجارة رائجة

عملية تدمير ممنهجة للمواقع الأثرية يقوم بها تنظيم "داعش" في سوريا، فهو لم يكتف بإعلان الحرب على الإنسان السوري وحسب، وإنما على تراثه الغني أيضاً، وكانت صحيفة «التايمز» البريطانية، قد نقلت في تقرير لها عن منظمة الدفاع على المعالم الأثرية، أنها أحصت 450 حالة تدمير مواقع أثرية في سوريا، منذ بداية يوليو 2014، ولعل عدد حالات التدمير ارتفع كثيراً منذ ذلك الوقت، حيث بدأت عمليات تدمير المواقع الدينية منذ سبتمبر في مدينة حلب وريف دمشق، وإلى جانب ذلك تحولت آثار سوريا إلى تجارة رائجة عبر الحدود، إذ تشير الأرقام إلى أن قيمة الآثار المنهوبة، وصلت إلى 2 مليار دولار، كما بينت أيضاً أن التنظيم استحوذ على قطع أثرية يعود تاريخها إلى 8000 عام، الأمر الذي يهدد التراث الانساني والحضاري.

Ⅶقاموس

100

خلص مؤتمر "الحفاظ على التراث الثقافي المهدد بالخطر"، الذي استضافته أبوظبي في ديسمبر الماضي، وشارك فيه أكثر من 40 دولة بالإضافة إلى جهات حكومية وخاصة تمثل الدول التي تعرضت كنوزها التراثية للتلف أو الفقدان جراء النزاع المسلح، والجهات المهتمة بقضايا حماية التراث الثقافي، إلى إنشاء صندوق دولي لحماية التراث الثقافي في مناطق الصراع، تبلغ قيمته 100 مليون دولار، بهدف دعم عمليات تمويل التراث الثقافي وترميمه، كما أوصى المؤتمر بضرورة إنشاء شبكة دولية للملاذات الآمنة لحماية الممتلكات الثقافية المهددة بالخطر والمحافظة عليها، وذلك ضمن مبادرة عالمية، تطرحها الإمارات وفرنسا تحت رعاية منظمة اليونيسكو، لحماية التراث الثقافي المهدد بالخطر.

كما شهد المؤتمر إطلاق "إعلان أبوظبي" والذي شدد على أهمية التراث، بكل ما يتميز به من تنوع، باعتباره مصدراً للثروة الجماعية التي تشجع على الحوار، فهو وسيلة لمد جسور التواصل بين الحضارات، وتعزيز روح التسامح والاحترام بين شعوبها، ويشكل تدميره تهديداً السلام، من خلال عمليات الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية التي تبرز في كثير من الأحيان في أوقات الأزمات.

55

أدرجت منظمة الامم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) في يوليو الماضي 55 موقعاً على قائمة المواقع المهددة، والتي يتخوف الخبراء من أن تأثير الحروب أو الكوارث الطبيعية عليها، حيث جاء ذلك خلال اجتماع لجنة التراث العالمي في دورته الـ 40 التي عقدت في يوليو الماضي بتركيا، وتقع المواقع الجديدة في عدة بلدان مثل مالي واوزبكستان، وايضاً ليبيا التي اختير منها 5 مواقع.

وضمت قائمة المواقع مئذنة جام، ووداي باميان في أفغانستان، وكذلك مدينة آشور، واثار مملكة الحضر، واثار مدينة سامراء التاريخية في العراق، ومدينة القدس القديمة وأسوارها، إلى جانب قبر أسكيا وتمبكتو وجني في مالي، والمحميات الطبيعية في آير وتينيري التابعة للنيجر، أما المواقع الليبية فقد شملت مدينة شحات الأثريّة، ومدينة لبدة الكبرى الأثريّة، ومدينة صبراتة الأثريّة، وجبال أكاكوس الصخريّة ومدينة غدامس القديمة.

وبحسب تعريف منظمة "اليونسكو"، فإن الموقع المصنف على انه «في خطر مؤكد» يكون عرضة لتهديد وشيك محدد، أما الموقع «المهدد» فهو الذي قد يكون عرضة لما يضر بقيمته، ويتيح إدراج موقع ما على هذه القائمة للجنة المختصة المباشرة على الفور القيام بما يلزم من مراقبة ومساعدة في إطار صندوق التراث العالمي، كما أنها تعمل على إبقاء المجتمع العالمي على إطلاع دائم بحالة الموقع، تحسباً للطوارئ.

Ⅶقاموس

150

سجلت أكبر سرقة في تاريخ المتاحف، في أعقاب الغزو الأميركي للعراق عام 2003، حيث نهبت 150 ألف قطعة أثرية من متحف بغداد، وكانت تلك بداية خسارة العراق آثاراً تعود إلى آلاف السنين، ووفقاً لكتاب "حرامية بغداد" (Thieves of Baghdad) من تأليف الضابط الأميركي ماثيو بوغدانو رئيس المحقّقينِ في عملية سرقات متحف بغداد، فقد استطاع العراق أن يستعيد أكثر من 5400 قطعة، منها 700 قطعة وجدت في الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا، وأكدت الدراسات اللاحقة، أن العراق فقد خلال هذه العملية قطعاً لا تقدر بثمن، منها الإناء النذري والذي يحكي قصة دينية في إطار من الأحداث حيث الشخصية الرئيسة والمتمثلة بالإلهة إنانا (عشتار)، لها علاقة بأعياد الوركاء القديمة. ووجه الفتاة السومرية من الوركاء.

وعاجيات القرن الثامن قبل الميلاد ومنها قطعة عاجية نفيسة مطعمة بالأحجار الكريمة. وفي مطلع 2015 أفاق العالم على عمليات اقتحام أفراد تنظيم "داعش" لمكتبة الموصل العراقية، التي تضم نحو 8000 كتاب ومخطوطة نادرة، حيث استولى التنظيم خلال العملية على أكثر من 25000 كتاب، نقلت إلى جهة مجهولة.

7000

تعتبر فلسطين من أغنى دول العالم في تنوع مصادرها التراثية والثقافية، وتشير الدراسات والاحصائيات الصادرة عن وزارة السياحة والآثار الفلسطينية إلى أن فلسطين تمتلك أكثر من 7000 موقع ومعلم اثري في مختلف محافظاتها الشمالية والجنوبية، بعضها على قائمة التراث العالمي ما يمثل دليلاً على المساهمة عبر العصور المختلفة في بناء الحضارات وتواصلها وتفاعلها مع الثقافات الاخرى وهو جزء من التراث الإنساني.

غير أن المعضلة الأساسية التي تواجهها هذه المواقع هو تعرضها لأعمال التدمير والنهب الممنهج على يد الاحتلال الإسرائيلي، حيث بينت الوزارة أن أكثر من 60% من مواقع التراث الثقافي الفلسطيني تقع تحت السيطرة المباشرة للاحتلال، الأمر الذي يهددها بالكامل، بسبب عمليات التنقيب غير المشروعة وتهريب القطع الأثرية إلى الخارج.