سواء انساقت وجهة نظرنا حول تأثير المنظّر الأدبي إدوارد سعيد على البيئة الأكاديمية نحو اعتبارها انتصاراً باهراً، أو مأساةً كارثية فإن قلّة يستطيعون التشكيك في عمق وشمولية رائعته الأدبية بعنوان «الاستشراق».

وقد اكتسح التغيير الجذري، في غضون جيل واحد فقط، الدراسات الشرق الأوسطية، فحلّت سلالة جديدة من أكاديميّي «ما بعد حقبة الاستعمار» المفاخرين بالمنظور التحريري المناهض للاستعمار مكان جيل المثقفين الموسومين من قبل سعيد ب«المستشرقين». وحين يستطلع المرء سنوات العقدين المنصرمين، يجد أن سلالة سعيد الأكاديمية قد اتسمت على نحو مدهش بعدم الدقة في تحليل وتوصيف الحراك الشرق أوسطي.

وتجلى ذلك في إساءة قراءة «عملية السلام» الإسرائيلية الفلسطينية في أوسلو، وأحداث «الربيع العربي» وتداعياته والتخبط القبلي والحروب الطائفية التي أدّت لظهور ملايين اللاجئين. ويعزى هذا الإخفاق للقيود المفروضة على النهج الفكري لحقبة ما بعد الاستعمار المتعلقة بالديناميكيات السياسية والاجتماعية للمنطقة.

ويعود افتتان المثقفين والصحافيين بآفاق السلام العربي الإسرائيلي، ووهم موجة دمقرطة الدول العربية إلى التحفظ الممنهج حيال دور ثقافة العار والشرف في المجتمعات العربية والإسلامية، وما لها من تأثيرات على مفهوم التديّن، والنظرة الانتقاصية للاستشراق.

ويلتصق تعبير العار والشرف بهذه الحضارات ويتفوق الاهتمامات ويغلب على مسار الحياة العامة، بمعنى أن لا يوجد ثمن مرتفع للحفاظ على الشرف حتى لو كان حياة المرء نفسه. ويحدث في مثل تلك الثقافات السياسية أن يتقبّل الرأي العام ويتوقع، أو حتى يطالب بسفك الدماء بدافع الشرف.

وتعاني ثقافات الشرف والعار من صعوبة بالغة في التعامل مع حرية التعبير والمعتقد والصحافة توازيها مشقة التعامل مع المجتمعات المتغنية بالحريات.

ويعتبر «الحكم العام» المحرك الأساسي لمبدأ الحفاظ على الشرف، ويقدم رؤيةً مهمة حول مكامن الخلل في العالم العربي اليوم.وتميل الثقافات القائمة على ثنائية الشرف والعار إلى الغرق في معادلة المجموع الصفري، حيث يسود الحسد، واعتبار بروز الآخرين تهديد للذات. وتطغى عقلية المجموع الصفري الصعبة على معظم تفاعلات سياسات ثقافات الشرف والعار، ولا تجد نظيراً لها في الغرب.

ولا بد لأي محاولة لفهم المشهد في العالم العربي أن تأخذ بالحسبان الدينامية الثقافية الدينية المغفلة، في مشهدية الجهل وقد جعل سعيد من تحليل مبدأ «الشرف والعار» خطيئة «استشراقية» شائنة.

قلب استشراق سعيد موجّهات الحكم السلبي التعجيزي، وصان العرب من النقد العام، خلافاً للغرب «الإمبريالي»، فظهر جيل الأكاديميين والاختصاصيين بالشرق الأوسط وصفوا العالمين العربي والمسلم ب«المجتمعات المدنية المزدهرة» التي تقرب «الديمقراطيات»، برغم تصنيفها الغرب الديمقراطي بحضارة عنصرية امبريالية تستدعي التدمير نظرياً وعملياً.

وسايرت الخطوة الصورة الذاتية للعرب والغرب، لكنها جاءت على حساب إغفال الحقائق الواقعية المظلمة. وكان من نتائج التعامي عن حقيقة الأمر الواقع المتمثلة بقوة الحركات الدينية المدفوعة بالشرف، والحسابات المتغيرة للعنف بدافع الشعور بالضعف أو القوة، والردود على وهن متوقع أو ضعف عزيمة العدو، أن ما ظنه قادة الغرب ربيع الديمقراطية، ورحبوا به بحرارة، كان بالفعل موسم ربيع الحروب القبلية المروعة. وفسر المثقفون في قراءة خاطئة «الربيع العربي» الأحداث في ضوء الثورات الأوروبية الديمقراطية.

نعم للنقد الذاتي

يرى ريتشارد لاندس أنه ما لم يُقدِم الأكاديميون والمختصون بالمعلومات على البحث في، وإعادة قضايا مثل ديناميكيات الشرف والعار والتفوقية الدينية إلى المسار الصحيح، فسيظل الغرب عاجزاً عن فهم المجتمعات العربية والإسلامية ويمضي في إدانة الناقد، بعيداً عن الغاية الشرعية للنقد، بما يعرض القيم الديمقراطية والمصالح القومية لشر المخاطر.

 

إن العجز عن الانخراط في النقد الذاتي لهو أعظم وهن يصيب ثقافات الشرف والعار، في حين أن القدرة على انتقاد الذات تشكل نقطة القوة الأكبر لأولئك الملتزمين بالمصداقية. لكن المدهش اليوم أن أصبح العجز قوةً، وفرط حماستنا للتعويض ضعفاً.

 

الأحداث الدمويّة التي انطلقت مع الثورة الفرنسيّة عام 1979 شكلت عقول «الجيل العظيم من المستشرقين» وبلورت مصالحهم التي اعتبرها سعيد الحدث التكوينيّ في ولادة الاستشراق المؤسّسيّ.

روبرت إيروين

مؤرخ وروائي بريطاني

 

«لقد ولدت وتلقيت تعليما انجليزياً كالإنجليز تماما، لكني لم أفقد صلتي بعائلتي وأحتفظ بود كبير للبنان وللعرب. أنا شخصيا لا أحب تعبير الاستشراق. وأعتبر نفسي مؤرخاً اجتماعياً وفكرياً يستخدم المقاييس الأوروبية الغربية في دراساته».

ألبرت حوراني

مؤرخ إنجليزي من أصل لبناني

 

حقيقة الإسلام نابعة من القرآن الذي ما ترك شيئاً في الدنيا إلا ولمسه وقدمه وقدم له وأعطى أيضاً مفاتيح المستقبل لأصحاب العقول.

 غيب
مستشرق بريطاني ولد في الاسكندرية

الدول العربية هي الاكثر تعرضا لخطر التفكك بفعل الشعور الاثني والشعور الطائفي المتناميين، وتسربت فكرة حق تقرير المصير لعدد من الاقليات الاثنية غير الراضية بوضعها.

برنارد لويس

أحد أهم علماء الشرق الأوسط الغربيين

 

ألفية

سمح مثقفو الغرب من خلال القلق المضمر حيال «الآخر» بسيطرة نهج العدائية والتنمر والشرف والعار على غالبية مساحة الشأن العام، في حين أن الإسلاموفوبيا، لا الإسلام، هي المشكلة.

ولا يزال الفلسطينيون ماضون بالحفاظ على ماء الوجه واستعادة الشرف العام عبر مقاومة إسرائيل، التي يشكل وجودها بذاته واستمراريتها عاراً عليهم. ويوحّد العديد من محاربي العدالة الاجتماعية المستنزفين بذنب بعد الاستعمار، الخائفين من تصنيف الإسلاموفوبيا، الجهود مع «لواء الشرف» في دفع إسرائيل إلى سلوك يتعدى مبادىء الإنسانية والأخلاق.

ويعتبر هذا في إطار الصورة الأشمل لتطور الحضارات مؤسفاً. فقد استغرقت الحضارة الغربية ألفية بحالها من المساعي الحثيثة والمضنية لتعلم كيفيّة السمو فوق شهوة السيطرة والارتقاء نحو إنشاء مجتمع يتقبل التنوع، ويحلّ النزاعات بالاعتدال لا العنف، مجتمع تشكل فيه المواجهات الرابحة على جميع الأصعدة المعيار المنشود.

وإن الإصرار، على غرار غالبية الليبراليين، على اعتبار هذا الإنجاز الاستثنائي الواقع الافتراضي للبشرية بمعزل عن مدى بُعد «الآخر» عن غايته العزيزة، وإعفاء أعداء الديمقراطية من المسؤولية المدنية للنقد الذاتي حتى حين يتضاعف عبؤها، ليس إلا تقويضاً لحريات الحضارة الغربية المتكدسة عبر القرون.

صفحة متخصصة في عرض التحليلات العالمية