ثمة تأكيد من جانب فنانين مخضرمين على أن الانطلاقة الباكرة لمحاولات التشكيل الحديث «كلوحات فنية تعتمد الألوان والفرشاة لرسم تجليات الحياة في الإمارات»، قد تأتت منذ منتصف الستينيات، لتمهد الطريق من أجل الانطلاقة الأكاديمية الواعية التي أعقبت قيام الدولة عام 1971م، ولذلك يحق لنا في «البيان» أن نحتفي بخمسة عقود من تمثّل الجمال وتشكيله على هذه الأرض المعطاء، وقد اعتنق هذا التعبير الإبداعي الآن كثير من الشباب الذين امتشقوا الفرشاة واستحقوا بها شهادات الفن من كبريات معاهده عربياً وغربياً.
والآن، بعد عقود من الحراك والتجريب الجميل، بدأت الخصائص المائزة تتبدى وحققت الشخصية والهوية المحلية سيرورتها وتطورها في هذا المجال، وها هي متاحف الفنون العالمية - كالمتحف البريطاني في لندن - تسعى إلى اقتناء أعمال فنية لمبدع إماراتي مثل عبد القادر الريس،.. لا بد أن تلك شهادة لا جدال فيها بأن تجربته قد نضجت بما فيه الكفاية والكفاءة، فليس كل رسام في هذه الدنيا يستطيع أن يجاور بأعماله منجزات كبار مبدعي الفن التشكيلي التاريخيين في مكان كهذا لا يماثله إلا متحف غوغنهايم في نيويورك والارميتاج في سان بطرسبيرغ واللوفر في باريس والفاتيكان والميتروبوليتان في أميركا وغيرها، ولذلك فالمنجز حلم تكتحل به عيون جميع فناني العالم.
أما إذا علمنا أن دار كريستيز العالمية الشهيرة تقوم بعرض عمل لعبد القادر الريس نفسه «لوحة البشرى» في مزاد علني فيحقق سعرها مليوناً وأربعمئة ألف درهم، وأن متحفاً ألمانياً يعرض عملاً للدكتور محمد يوسف، فلا بد أن تلك شهادة حاسمة بين يدي أكبر المؤسسات العالمية التي تقيم الأعمال المهمة ذات الغنى الفني.
إن حراك الفنون الجميلة في الإمارات تفاعلت معه أسماء عربية وأجنبية عاشت على هذه الأرض وأسهمت بخصوصياتها المستقدمة وتكيفت مع معطيات الحياة الثقافية المحلية، مؤثرة ومتأثرة بها، بما أفضى الى إثراء الفعل الإبداعي وتلاقحاته ونتاجاته المائزة.
إننا إذاً بصدد تجربة، تخرج من رحمها مثل هذه الإشراقات اللافتة للنظر، والتي يقل أن نجد لها نظيراً على مستوى الإقليم والعالم الثالث، لا بد أنها ساحة قد كتب لها النضج رغم قصر عمرها «نصف قرن»، فما هي سمات نضج التجربة التشكيلية الإماراتية وخصائصها، أم أن الريس وحسين شريف استثناء أو طفرة لا حكم لها؟، وكيف تأتّى لهذه الساحة كل ذلك التمايز والتفرد في هذه الفترة الوجيزة؟ ثم لقد لحظنا ميل تشكيليي الإمارات بعيداً عن النحت، وباستثناء محاولات الفنان المميز مطر بن لاحج التصميمية، فإنه لا يمكن أن نسمي تجربة كبرى في النحت توازي مغامرات الكويتي سامي محمد مثلاً، فما سبب ذلك، خاصة إذا علمنا أن تخصص عبد الرحيم سالم ونجاة مكي الأكاديمي كان في فرع النحت؟
مهما يكن فقد سعينا بتساؤلاتنا إلى جمعية التشكيليين الإماراتيين، واستنطقنا رئيس مجلس إداراتها، فضلاً عن رموز التشكيل وبينهم مؤسسون، فأجمعوا أنها المرة الأولى التي يفتح ملف يبحث في خصوصية وخصائص شخصية التجربة التشكيلية الإماراتية التي تميزها عن غيرها، ولكننا قبل إفادات المشاركين، اطلعنا على غايات جمعية التشكيليين الإماراتيين، عسى أن نجد من بينها هدف تأصيل التجربة الإماراتية التشكيلية وشحذ المحاولات الفردية إلى بلورة خصوصية وبصمة ملموسة تطبع التجربة المحلية وتميزها عن التجارب التشكيلية في كل مكان، بما في ذلك دول الخليج العربية ذات البيئات والخلفيات التاريخية المشابهة، فوقعت أعيننا على المادة الثالثة من الفصل الأول من ميثاق الجمعية والتي تتضمن الآتي:
تعمل الجمعية على تحقيق الأهداف التالية:
* رعاية الحركة التشكيلية في الإمارات والعمل على ازدهارها والاتجاه بالفن التشكيلي اتجاهاً يخدم المجتمع ويعمل على تنمية الوعي الفني.
* العمل على حماية الفن التشكيلي في الدولة والمحافظة على رعاية حقوق الفنانين التشكيليين وتشجيع الناشئين من فناني الدولة.
* تمثيل الدولة من حيث الحركة الفنية تمثيلاً كاملاً بإقامة المعارض الفنية في الداخل والخارج وإقامة المؤتمرات الفنية.
* توثيق أواصر الصلة بين أعضاء هذه الجمعية والجمعيات الأخرى في الداخل والخارج.
وعليه فإن النظام الأساسي لا يتضمن هدف بلورة تجربة ذات طابع إماراتي يتميز عن طابع التشكيل في أي مكان آخر، فإلى أي حد يعد هذا المطلب ثانوياً، أو بلا جدوى؟
حملنا هواجسنا وأسئلتنا هذه، وتوجهنا بها إلى رموز الساحة التشكيلية نسألهم عن جلية الخصائص القواسم المشتركة فقالوا:
خصائص مشتركة
د. نجاة مكي، فنانة إماراتية ملأ اسمها ورسمها فضاء الفن الخليجي والعربي معاً وهي تتطلع نحو العالمية بأسلوبها التكنيكي المميز الذي يعتمد على الزخرفة وشجزن الأنثى تقول:
الفكر الذي ظهر في أعمال فناني الإمارات حمل بالدرجة الأولى بصمة البيئة والتراث، التي شكلت قاسماً مشتركاً يجمع معظم نتاجاتنا التشكيلية، رغم خصوصية كل تجربة على حدة، وقد تبلورت هذه الأفكار بصورة أكثر جلاءً خلال فترة الثمانينيات، بعد الدورة الأولي لبينالي الشارقة للفنون، حيث ساهم الحدث في تحريك وتكوين اتجاهات متناغمة، وثارت أساليب أكثر عمقاً وأغنى فكرةً.
تنظيم العناصر
وتشير الدكتورة نجاة إلى أنه إذا تابعنا أعمال الفنانين الرواد ومنهم عبد القادر الريس، فقد ظهر الأسلوب التأثيري بوضوح في مجموعة من أعماله، كما نجد أن الفنان في جميع أعماله يهتم بدقة تنظيم العناصر والوحدات الزخرفية، في تكامل وترابط مع بعضها البعض، كما كان للظل والنور أهمية خاصة في العمل الفني لديه، وقد حقق هذه القيمة من خلال إشراقة اللون ووضوحه، وكذلك في الأساس الإنشائي للعمل والترابط بين الأجزاء، فألوانه نجدها صريحة مشرقة تأتي من البيئة التي جسّدها في عدة صور، من جبال وأودية وسهول وأشجار وعناصر معمارية وغيرها، هذا بالإضافة إلى الألوان التي استخدمت من أجل التأكيد على قيمة سقوط الظل أو النور في أماكن متعددة من اللوحة، كما يظهر الاهتمام بالظل من خلال الأسس البنائية التي تحملها عناصر اللوحة، من خلال مجموعة من القيم التشكيلية، كالإيقاع والاتزان والتنوع في الوحدة والنسبة والتناسب، وفي أعمال الريس التي هي عبارة عن أبواب قديمة، نشاهد العمل الفني عبارة عن بوابة تملأ اللوحة، مما يعطي الانطباع بالعظمة والهيبة، أما من الناحية الجمالية، فهي الخاصية الهندسية الزخرفية فنتج عن ذلك تنوع ثري من العلاقات الجمالية، أما في أعماله التجريدية فظهر وضوح الضوء من خلال اللون الأصفر وامتداده كأنه صحراء شاسعة.
عبيد سرور
ومن تلك الخصائص المشتركة تشير مكي إلى «التلخيصية الرمزية» في أعمال المبدع عبد الرحيم سالم وعبيد سرور والتي تتجلى في جمع التفصيلات وتأكيد خصائص الشيء المراد رسمه، وتظهر بين الطبيعية والزخرفية والرمزية، بمعنى أنها تلخيص فكري يرتبط بالبيئة وما بها من مدلولات ومضامين إيحائية وجمالية، في علاقات تشكيلية ذات أثر جمالي واهتمام خاص، كما نجد أن الفنان عبد الرحيم سالم يلجأ إلى الرمز، ففي أعماله دلالات رمزية مثل الهلال والدائرة والخطوط، أما في أعمال الفنان عبيد سرور جسد من خلال اللون والخط الموضوعات الشعبية بما لها من تنوع، نجد التعبير في العمل الفني من خلال حركة الجسم في العناصر، وإبراز المضمون، كما ظهر ارتباط الفنان بالبيئة وإيمانه العميق بالأساطير والعادات والتقاليد التي عاشت في وجدانه وتجسدت في مخيلته كأنه مشهد حقيقي وهو ينقله عن الطبيعة، كما نجده أحياناً يعمد إلى الخروج عن المألوف، فهو لا يهتم بدراسة الشكل بقدر اهتمامه بإبراز المضمون في العمل الفني ووضوحه وعلاقته بما في التكوين من عناصر وأسس، ونجده في أعماله يقوم بمزج خليط من خامات البيئة من ورق وخشب، وقواقع وبقايا الأقمشة وقطع الخرز والألوان المائية والزيتية والأحبار مما ساعد على إيجاد طاقات تعبيرية تضفي على أعماله خاصية مميزة ليروي حكايات ونماذج من التراث على سطح اللوحة في إيقاع جمالي متناغم.
مهيرة
وتضيف نجاة مكي أن الفنان عبد الرحيم سالم، ومن خلال إيقاعات الخطوط والألوان، نجده قد لجأ للتعبير عن انفعال محدد في العمل الفني، ولذلك اعتمد الفنان في معظم أعماله علي الخطوط السريعة أما في رسم الشخوص فقد ظهرت أحياناً بطريقة موجزة بسيطة، وفي بعض الأعمال الأخرى تتجلى شخوصه في هيئة خطوط قوية وجريئة بالإضافة إلى ذلك ظهرت في أعماله شخصية أسطورية باسم (مهيرة) وظهرت في أعماله بأساليب مختلفة، فهي أحياناً تظهر في شكل امرأة ذات جمال ورقة، وأحياناً نراها عبارة عن خطوط حلزونية موحية بتكوين أنثوي، مع استخدامه للألوان الطباشيرية والباستيل والأكرليك أو ألوان الطباعة ذات التأثير القوي والتي نراها في مجموعة من الأعمال التي نفذت باللونين الأبيض والأسود.
إيحاءات حركية
أما عن تجربتي، فقد أشار النقاد إلى أنني استخدمت اللون والخط في إيقاعات متكررة ومتباعدة للإيحاء بالحركة، وفي نفس الوقت حملت تجاربي دلالات ورموزاً من البيئة، خاصة في تجسيد سعف النخيل، كما ظهرت لي تجارب خرجت فيها من الإطار العام للوحة إلى أشكال هندسية متنوعة، كالدائرة والمربع والمثلث وغير ذلك من الأشكال، وجسدت البيئة في الكثير من الأعمال من خلال الخامات الموظفة، كما انشغلت بالخط الدائري والنظر إليه من خلال زاوية فلسفية باستخدام التأثيرات اللونية، كما في الموسيقى وموجات البحر.
وبالنسبة لأعمال الفنان الراحل حسن شريف، فهي تركز على المفاهيم الفكرية الفلسفية، حيث اتجه الى الأعمال الخارجة عن النمط المألوف لبقية الفنانين، وسار في هذا الاتجاه وأسس طريقاً لمجموعة من الفنانين سارت على هذا النهج الفني، وتعامل شريف مع الخامات بمنتهى الحرص، مخلفاً وراءه أعمالاً فنية تم اقتناؤها في متاحف عديدة، وجميع أو معظم أعماله من خامات متنوعة مثل الخيش والبلاستيك والأقمشة وقطع الألمنيوم والملاعق والسكاكين، بمعنى أنها خليط من أدوات الحياة اليومية في الإمارات.
خطوط وظلال
الفنانة منى الخاجة تعتبر من رواد الحركة التشكيلية، وقد أهتمت بعناصر البيئة في أعمالها الفنية وركزت على العناصر الزخرفية في العمارة التقليدية، كما اهتمت بموضوعات إنسانية جسدتها في أعمالها الفنية، وقد جسدت ملامح البيئة بما بها من عناصر متنوعة، حيث استخدمت اللون والخط لموضوعاتها معبرة عن إيقاع الحياة في نسيج لوني متناغم، ولها تجارب عديدة ومتنوعة منها اشتغالها على مشروع لغة الضاد، حيث يأتي الحرف العربي في تشكيل إيقاعي متفرد.
الفنان محمد القصاب له عدة تجارب في منظومة متزنة بإيقاعات لونية رشيقة، وقد استخدم الخطوط والألوان في العمل الفني في إيقاع متواصل مع درجات ظلية لخطوط رأسية وأخرى أفقية مع اختلاف في درجة اللون ونتج عن تقاطع الخطوط بعض المساحات التي تبدو للمتلقي كظلال في مساحات متنوعة ومتداخلة اتخذت اتجاهات مختلفة ونتج عن ذلك إيقاع خطي ولوني منسجم، كما ظهر الإيحاء بالابعاد فساعد كل ذلك على إيجاد الاتزان المطلوب، وعلى هذه النحو سارت التجربة التشكيلية الإماراتية مسيرتها وشكلت صفاتها المميزة.
تعزيز الهوية
ناصر عبدالله رئيس مجلس إدارة جمعية الإمارات للفنون التشكيلية، يتفق نسبياً مع ما ذهب إليه حسين شريف، حين يقول: قد لا نكون في الزمن الذي يسمح للفن بأن ينحصر في مدرسة تنتمي لمنطقة معينة من العالم أو دولة بعينها في زمن العولمة المستشري في كافة جزيئيات حياتنا، لكننا بلا شك كفنانين ومثقفين معنيون بالمحافظة على هوية بل قد نكون المعنيين في خلق هويتنا الجديدة التي تتوافق مع التنوع الثقافي الموجود في الدولة ودمج ذلك بالموروث الثقافي والتراثي الممتد لمئات السنين.
ويضيف: قد نتحدث هنا عن الاستثمار في التراث المحلي، وهنا لا أعني توثيقه، فعلى أهمية توثيق التراث وحفظه فإننا بحاجة لنشره واستخدامه في الحياة اليومية، أي أن نطوعه ليكون قابلاً للاستخدام في زمن التنوع الثقافي في الدولة، هذا ما سيجعله مرناً وقابلاً لأن يتبناه المثقف والفنان وخاصة من فئة الشباب.
وأظن أن عملية الاستثمار في التراث وفي الشباب تحديداً هو استثمار بعيد المدى ولن تكون آثاره حاضرة في المدى القصير ولكنه بلا شك الخيار الأمثل لإنشاء مدرسة فنية وثقافية إماراتية في وقت ما.
أثر التنوع
ويستطرد ناصر: إن التنوع الثقافي في الدولة ووجود سوق عالمي يعد الأهم في المنطقة، جعل من الفن القادم للدولة مبهراً ولافتاً للأنظار وموجهاً كافة الأطياف الفنية للانخراط والانغماس في التوجهات العالمية رغبة في المشاركة ضمن هذا السوق العالمي والحصول على الفرص للوجود في المحافل العالمية.
إلا أننا بحاجة للتوقف والتأمل في المنجز العالمي المزدحم والذي لم يعد كما كان في السابق، زمن الفنان النجم الواحد، فأعداد الفنانين والمشتغلين بالفن حول العالم مهولة، لذلك فالوجود في ساحة فنية عالمية والبروز فيها يحتاج منا للتميز في المفاهيم والمصطلحات واللغة والرموز، وأعتقد أن تراث المنطقة غني بذلك.
كل ما على الفنانين والمثقفين فعله هو الغوص في تاريخ المنطقة الحديث والقديم، وسبر أغوار التراث للوقوف على ما يميز المنطقة عن بقية أجزاء العالم، واستخدامه في إنتاج فني يحمل الإبهار الموجود في الساحة الفنية العالمية.
شهادة معاصر
الفنان الفلسطيني أحمد حيلوز، يعد من المبدعين العرب الذين تفاعلوا وأسهموا في الحركة الفنية التشكيلية الإماراتية، حيث واكب تطورها على مدى عقود، مؤثراً ومتأثراً، ولذلك فإنه يحسن مراقبة مؤدياتها ومنجزاتها ليقدم شهادته بهذا الصدد، مؤكداً من خلالها أنها حركة استطاعت النهوض خلال وقت قياسي ومفاجئ يقع بين منتصف السبعينيات والوقت الحالي.
ويرد حيلوز هذه النهضة القياسية: لعدة أسباب أولها دراسة أبناء الإمارات في دول عربية وأجنبية مما ساهم في نقل التجربة التشكيلية. وثانياً ظهور جمعية الإمارات للفنون التشكيلية، فضلاً عن تفاعلها مع تجارب العرب المقيمين وكثرة معارضها الداخلية والخارجية.
ثم إن بينالي الشارقة للفنون – مهرجان الفنون الإسلامية ومؤسسة الشارقة للفنون وندوة الثقافة والعلوم والمجمع الثقافي في أبوظبي، كلها أسهمت في نشر الوعي التشكيلي والثقافة البصرية المكتسبة من إقامة المعارض والمشاركات الخارجية للفنانين، ما أدى إلى ظهور الجماعات التشكيلية والمدارس الحديثة في الساحة التشكيلية، وتوفر عنصر التنافس الإيجابي بين الفنانين والعمل والبحث في كل ما هو جديد، ونذكر على سبيل المثال جماعة الفن المفاهيمي للفنان الراحل حسن شريف، كما عمل الفنانون الآخرون وخاصة المؤسسين منهم على تطوير أساليبهم، والبحث عن الهوية الخاصة لكل فنان واستطاعوا بذلك الوصول الى مستويات أعلى وحصدوا ثمار جهدهم في ظل توسع الحركة التشكيلية وظهور الغاليرهات المحافظة على الهوية الإماراتية أو على الأقل العربية.
جماعة حسن شريف
الفنان محمد الاستاد، وهو من المؤسسين الرواد، يقطع بأن التشكيليين في الإمارات استطاعوا بداية أن يحققوا حضورهم محلياً وإقليمياً وعالمياً، انطلاقاً من جمعية الإمارات للفنون التشكيلية في الشارقة، وقد استطاع الكثير منهم البروز بشكل شخصي، وتنوعت التجارب والأساليب والمستويات ولكن التجربة الوحيدة التي يمكن أن تكون بارزة بما حققته من التفاف مجموعة من الفنانين انتهجوا نهجاً واحداً وفكراً مستنسخاً موحداً، فهي تجربة الفنان الراحل حسن شريف مع طلبته الفنانين مشكلين تياراً تم التسويق له بشكل لافت، حيث اتحد الفكر فيها والأسلوب، من الناحية الروحية والمفهوم وروح الجماعة، مما قاد مجموعة الفنان حسن شريف للبروز في ساحة التشكيل والمفاهيمية والمعاصرة والدادائية التي انتهجتها هذه الجماعة بما أثار اشمئزاز الكثيرين وتحفظاتهم، ولم تكن تشكل الشخصية الفكرية الإماراتية خاصة، وإنما كانت خليطاً من اقتباسات وتجارب محلية وعالمية، تم تطويرها ربما من ناحية المواد المستخدمة وأسلوب العرض والطرح.
أما التجارب والأساليب التي شكلت وبلورت الشخصية والفكر للتجربة الإماراتية فقد اتضحت في نظر الاستاد عبر تجربة وأسلوب الفنان القدير عبد القادر الريس، حيث تميز محلياً وإقليمياً وعالمياً ببصمته التراثية، من خلال أعماله الواقعية والمعاصرة وأسلوبه المميز فيها، حيث إن العالم لا حاجة له بتوقيع الفنان عبدالقادر على لوحاته، فاللوحة تحكي عنه.
ويضيف محمد الاستاد قائلاً عن فرادة الريس قائلاً: تشهد له متاحف العالم بذلك، فهو يعتبر من أفضل 5 فنانين في العالم في مجال الألوان المائية.
وتجربتي الشخصية والأسلوب المبتكر في «فن دانات الشواطئ» الذي بدأت حكايتي معه منذ أكثر من 12 سنة يعتبر من التجارب الإماراتية الفريدة في مجال الفن التشكيلي المعاصر والتي أضافت للفن العالمي أسلوباً ونهجاً جديداً يحمل شخصية وروحاً عربية إماراتية ولدت على شواطئ الإمارات وعرضت في المتحف الملكي في بروكسل وبريطانيا وأميركا وقصر الإمارات ودبي وجزيرة الماريا وفي فن أبوظبي في جزيرة السعديات.
فرادة محمد يوسف
تقول الدكتورة نجاة مكي: الفنان الدكتور محمد يوسف استخدم خامات من البيئة، وشكل بها أعمالاً فنية تتضمن مفاهيم ودلالات فكرية، ففي استخدامه لـ«كرب» النخيل نرى شخوصاً كأنها تتراقص بإيقاعات تشبه حركة النعاشات في الرقصات الشعبية، فظهر عنصر الإيقاع من خلال حركة الخط وما به من ديناميكية، وفي عمل آخر عرض في متحف المانيا استخدم رمال البحر على أرضية الغرفة، وشكل من بعض الخامات عناصر تشبه المراكب الشراعية، فظهرت الصورة الكاملة عبارة عن رؤية بانورامية لحركة بها الكثير من الإيحاء الحسي والجمالي، واستفاد من تشكيل هذه الخامات الطبيعية في الإيحاء بالحركة المتناغمة كإيقاعات منتظمة.
حسين شريف: لا خصوصية.. والاستعانة بالخامات المحلية حيلة من لا حيلة له
الفنان حسين شريف يرى أنه لا جدوى من البحث عن ملامح «مدرسة فنية إماراتية» في التشكيل، لأنه ومنذ قرن تقريباً ومسألة تأسيس مدرسة جديدة في الفن لم تعد واردة، لا بنسبة للفنان كفرد، ولا لمجموعة الفنانين كمجتمعات، فليس الواقع على نحو ما كان حاصلاً مع الواقعية الاشتراكية في اللوحة كفن رسمي للدولة السوفييتية، لكن ما يحدث أحياناً في بعض المجتمعات الرائدة وفى بعض جامعاتها ومؤسساتها العلمية وعبر الحوارات والورش الفكرية والكتابات الفلسفية ذات الشأن ان ظهرت بعض الحلول أو المصطلحات الجديدة التي تعطى استمرارية وكفاءة ما لأسلوب تشكيلي معين، كاللوحة الجديدة أو الواقعية الجديدة، أو الرومانسية الجديدة.. الفيديو آرت أو فن الأداء أو الفن التوثيقي.. حتى هذه توقفت منذ خمسين سنة تقريباً.. فالآن ليس من الشرط أن ينتمي الفنان أو يكون يكون صاحب مدرسة جديدة في الفن.
وما بقي في نظر حسين شريف هو أن لكل فنان تميزه عن الآخر وكذلك المجتمعات.. وهذا ما يمكن العمل عليه وقراءته، ويبقى مدى قدرة الفنان - كفرد أو كمجتمعات - على التبادل المعرفي مع الأخر..والأهم في نظره عدم الانغلاق، وتطوير قدراتنا الذاتية لمواكبة آخر ما يطرح في الفن من مصادره عبر الترجمة والقراءة المستمرة..
وأما ما يميز الإمارات عن بقية دول المنطقة في نظر شريف هو اتجاه البعض نحو فنون ما بعد الحداثة بشكل عام..فثمة إنجاز يبدو أكثر جدية وتقدماً من الدول المجاورة بسبب قلة الأكاديميين وضعفهم في الفن التشكيلي التقليدي، والعمل الجاد للفنانين ذوي الاتجاه ما بعد الحداثي.. وتحديداً المرحوم حسن شريف.
فالترجمات التي قام بها حسن شريف كانت جديدة وتعتبر إضافة قياساً مع ما كان متاحاً سابقاً.
ويذهب حسين إلى أن الدول والمجتمعات اليوم تتداخل ولا يمكن فصلها فنياً أو إعطاء صفة مدرسة على ساحة تشكيلية ما.. فقط يمكن قياس مدى تطور أو قياس درجة وفعالية الحراك التشكيلي في ساحة ما ومقارنتها بسواها.
ويقطع حسين شريف بالقول: لا يمكنني أن أعرف كيف أفرق اللوحة السعودية مثلاً أو القطرية عن الإماراتية أو العمانية، بل لا يمكن تمييز اللوحة المنتجة من جانب فنان خليجي عن اللوحة السورية أو المصرية وهكذا.. هذه التوصيفات هي إعلامية بالدرجة الأولى ولأسباب قد تكون سياسية.
ربما نضطر إلى ذلك لو أردنا قراءة معطيات الحركة التشكيلية في ذلك البلد.. لكن هذا لا يعنى أنها تملك مميزات خاصة بها، فكلها من منبع واحد، وهي اللوحة الغربية، وتتحرك بناء على التوجهات والتطورات الفكرية والفلسفية والجمالية بتلك الدول الغربية..الاستعانة بالخامات المحلية لا تنقذ الموضوع.. فهي حيلة من لا حيلة له.










