تجول في معارض الكتب، أو تسير بين أرفف المكتبات، لتتسمر في مكانك فجأة أمام عناوين مستفزة، تتربع على أغلفة الكتب، تتملكك الرغبة في معرفة السر وراء اختيار هذه العناوين، تفتح الكتاب، تلقي نظرة على محتواه، فتفاجأ بأن العناوين تم إقحامها عُنوةً دون أي مبرر، فلا حاجة ماسة تستدعي ترك كل اللغة العربية بجمالياتها، والتركيز على عبارات ومضامين تستخف بالعقول، أو مفردات وأوصاف تسخر من قدرات الإنسان أو الأطفال، لتصفهم بالأغبياء أو تشبههم ببعض أنواع الحيوانات استخفافاً بذكائهم.
هذه هي الحقيقة، التي ولَّدت في دواخلنا أسئلة كثيرة، حملناها وتوجهنا بها إلى الكُتَّاب والناشرين، لنعرف ما الهدف وراء اختيار مثل هذه العناوين، ومن المسؤول عنها، هل هو الكاتب أم دار النشر؟
«البيان» من خلال تواصلها مع الكُتاب، استشعرت نبرة غضب من تلك العناوين المستفزة، وإجماع على أن الهدف تسويقي ربحي بحت.
إساءة
اعترفت الدكتورة مريم الشناصي مؤسس دار الياسمين للنشر والتوزيع، أنها رفضت طباعة عناوين كثيرة، لافتة إلى أن العنوان جزء من الكتاب، ومشيرة إلى أن الذكاء يكمن في اختيار عنوان يعكس مضمون الكتاب بشكل جاذب وراقٍ.
وأكدت أن دار النشر تتحمل مسؤولية كبيرة في خروج عناوين كثيرة إلى النور رغم رداءتها، وقالت: العناوين المستفزة التي خرجت عن إطار اللياقة، أو ما عهدناه من رقي في اختيار العناوين، تسيء للكاتب والقارئ ودار النشر، ويقع جزء كبير من المسؤولية أيضاً على الجهات الإعلامية التي تروج لمثل هذه الكتب.
وذكرت الشناصي أن الهدف من استخدام العناوين المستفزة هو لفت الانتباه والحصول على ترويج أكبر، وقالت: اختيار العناوين المسيئة يعكس حالة متردية للوضع العربي، ويؤكد على وجود مشكلة في الثقافة وفي مستوى الوعي، كما أن بعض العبارات الدارجة المستفزة التي يستخدمها الكُتاب كعناوين، تكون متداولة بين فئة محددة من المجتمع، ولا أعتقد أن الأب الراقي المتعلم يستخدمها في بيته ومجتمعه، بل نجدها عند فئات محددة، قد نجد لها العذر.
وأشارت الشناصي إلى عدم تقبل المجتمع المحلي لمثل تلك العناوين، لافتة إلى ظهور كتب قوبلت برفض المجتمع لها، وهذا دليل وعي. وأنهت الشناصي حديثها بالقول: لغتنا العربية كما عهدناها، غنية بمفرداتها ومصطلحاتها، وليست عاجزة عن استخدام عبارات راقية جاذبة ذات دلالات معنوية متميزة.
ربح وتسويق
ذكر الكاتب محسن سليمان أن الهدف من وراء اختيار العناوين المستفزة ربحي بالدرجة الأولى، وقال: للأسف، كلما كان العنوان لافتاً وغريباً، نجح في الترويج لنفسه بين الجمهور، وهذه مشكلة كبيرة، فالعناوين المسيئة تنتشر بين الجمهور الذي يتناولها بسخرية، وإطلاق التعليقات حولها، دون وعي بأن ذلك يساهم في الترويج للكتاب وزيادة توزيعه بشكل خفي.
ولفت محسن إلى أن العمل الأدبي مسؤولية الكاتب والناشر، وقال: على الكاتب أن يرتقي بنفسه وبقلمه، ليكون هدفه تقديم كتاب يرضي طموحه، وإذا لم يوفق في اختيار العنوان، فعلى دار النشر أن تسانده وتقف إلى جانبه ليتفق الطرفان على عنوان جاذب وراقٍ، فالمسؤولية مشتركة، ولكن الدور الأكبر يقع على عاتق دور النشر التي يجب أن تراعي الذوق العام في اختيار العناوين.
وأشار محسن إلى أن أكثر الكــــــتب التي تحمل مثل هذه العناوين هــــي كتب تنمية الذات، متعجباً من الفارق بين العنوان ومحتوى الكتاب الـــذي يركز على الارتقاء بالنفس في المقــــام الأول، وقال: بعض كتب تنمية الذات تستهــزئ بالعقول، وعناوينها توهم قارئها بأنه قادر على صنع المعجزات خلال ساعات، وهذا استخفاف بالقارئ.
استهجان
أشار محمد بن دخين المطروشي، مدير دار «التخيل» للإعلام والنشر، إلى أنه في عالم الكتب ظهرت ممارسات محل استهجان تتاجر بالعلم والمعرفة، ولكن في عالمنا المفتوح أصبح القارئ المثقف والمهتمون يدركون تماماً المغزى منه.
ولفت إلى أنه من المؤلم اقتحام الكثيرين لصناعة التأليف والكتابة والنشر، وقال: يحدث كثيراً أن نقف أنا وزوجتي أمام عناوين كتب مستفزة أثناء زيارتنا لمعارض الكتب أو بعض المكتباتً.



