تشكل الفنون بتنويعاتها، من أدب وتشكيل ومسرح وتصوير، مضامين ومستويات مكون الطاقة الإيجابية في حياة علي عبدالله الشريف.

فهي في عرف مثله، ممن يسكنهم عشق الصورة الفوتوغرافية والإيمان بقيمتها الجمالية والتوثيقية، بوابة، بل منبع لرسوخ ثقافة حب المكان وأهله والتفاني في التطوع لخدمة الوطن، وكذا جعل التفاؤل والانتماء الصادق للمجتمع شعاراً وبوصلة تقود مساراتنا أينما حللنا، لنشكل بذا لوحة مستقبلنا وفق صيغة تزاوج بين تبني الحداثة وحفظ تراثنا.

قضايا كثيرة تشغل بال علي الشريف: إبداعية وثقافية عصرية. إلا أن حنينه إلى الماضي وخوفه من ضياع مكونات أصالة المجتمع الإماراتي والقيم والعادات التي تربى عليها وخبرها، وهو الذي نشأ في كنف فريج البراحة، مسألة جوهرية تجدها تتصدر اهتماماته وأحاديثه، وتستحوذ على تفكيره وتحرك بحثه ومساعيه: يحزنني تحول تراثنا وعاداتنا وما ربينا عليه من لحمة وتقارب وتواصل، صيغاً تنظيرية ومساقات أرشفة وطابعاً احتفالياً يجافي التطبيق الواقعي.

كم تطربني ذكريات الطفولة! وكم أحن للمة الجيران وتزاورنا في الفريج وجلساتنا وأحاديثنا! يهالني حقاً هذا الشرخ في تقاربنا الاجتماعي الذي أنتجته مسالك التطور في حياتنا.

لا أظن أن التقدم ومماشاة التحديث يعنيان ويشترطان هذه الحال. لكننا نحن السبب؛ شبابنا خاصة؛ إذ تسرقنا مغريات الحاضر وتأسرنا سلطة المال والنهم إليه، حتى تصيرنا منقطعي العلاقة بالجذور والمكان.

جميعنا مسؤول عما آلت إليه أمورنا تلك. ولا بد أن نبادر بإعادة الاعتبار لمكانة مجالسنا ولماتنا ولقاءاتنا في سياق علاقاتنا الحياتية الاجتماعية، وبشكل عفوي وبسيط لا تكبله القيود والتكلف.

جذر وأصالة

تمتزج بطاقة تعريف الشريف بنفسه، كمبدع وفنان، بتبيانه عناصر تكوين شخصيته وأسباب شغفه بالثقافة والتصوير وكذا تعلقه بالفنون عامة:

ربيت في كنف عائلة محبة للعمل ومخلصة لمجتمعها ومتعلقة بالفكر والثقافة. فأبي، المرحوم عبدالله محمد الشريف، وطبقاً لما أثبته تقصي وأبحاثي في الشأن، هو صاحب أول مكتبة في الإمارات «مكتبة الشرق». وبطريقة ما، ربما أنني ورثت وتشربت هذا الاهتمام بالكتاب والكلمة والصورة.

أما والدتي، المرحومة فأثرها ودورها في شخصي وحياتي كبيران ونوعيان؛ إذ طالما ألهمتني، وهي «المسحاية» التي أدمنت وتولهت بتزيين العرائس وفق الأنماط التقليدية، حب الجمال والتعلق بالفن. كما أن ميولي نحو التصوير الفوتوغرافي ولّدت شراراتها أسرتي: أبي وأمي وخالي؛ إذ كانوا مهتمين بهذا المجال إلى حد بعيد.

شغفني التصوير واستحوذ على فكري فأردت الكاميرا قلمي وكتابي، عيني الراصدة لحكايا وأمور متنوعة، لكن يبقى محورها وشاغلها التراث. وطبعاً لا أتأخر على الدوام عن صقل خبراتي والاستزادة بالمعارف والعلوم في المجال، خاصة وقد نلت أخيرا شهادة البكالوريوس في التصميم الفني من جامعة الإمارات.

شاهد ووثيقة

معارض عديدة نظمها الفنان/ الملازم أول في «الهجرة والإقامة في دبي»، ولا يزال يخطط للكثير غيرها. فالصورة دأبه ومتنفسه، هوايته ومادة إبداعه الأولى. فهو لم يمل أو ييأس من عدم تحقيقه ما يروم في الحقل؛ فالطريق طويلة باعتقاده، ويجب أن يستفيد فيها من كل ما يعايش ويمر به مهما كان هامشياً:

الصورة في ظني، هي الشاهد والوثيقة الأصدق، فلا توريات زخرفية تعبيرية تحرف الحدث أو المشهد، بل تفاصيل واضحة ترصد وتجمع بين الحركة والزمن والمكان، إلى جانب معنى ودلالة شيء ما وقع أو فكرة تصاغ وتتكون مع ذاك المشهد.

نعم أنا منشغل بها وبعوالمها، لم أتعب أو استسلم حين اعترضتني صعوبات في بدايات عطائي ضمنها، ولن أفعل في المستقبل بالتأكيد، وكل ما مررت به من تجارب زاد خبرتي وعلمني.

أذكر أني في معرضي الأول، عام 2008، وجهت دعوات إلى 500 شخص وحضر واحد فقط. لكنه أفادني إلى درجة لا تتصورها، ربما لو أتى الـ499 شخصاً وغاب هو لما استفدت شيئاً.

وطبعاً لدي الكثير من المشروعات التي أخطط لها وأشتغل عليها في الخصوص. ومن بينها تفكيري في إنشاء متحف متكامل وضخم للصورة الفوتوغرافية، إذ إنني أكبر جمَّاعة لـ«نيغاتيف»، ولدي ما عدده قرابة الألف منها، وهي تخص كافة الدول العربية.

نجح علي الشريف في إيجاد آفاق تناغم ووئام بين الفن وطبيعة علمه الوظيفي الرسمي. فغلّب في تعاطيه لغة الفن -وهو الملازم أول الذي يرأس قسم الطاقة الإيجابية في الإدارة العامة للهجرة والإقامة وشؤون الأجانب في دبي- على سياقات الصرامة الوظيفية. ويقول في الخصوص:

لا تضاد بين أي مجال عمل والفنون. يبقى السر في ماهيات تفكير الأشخاص وطبيعة الثقافة الحاكمة لتعاطي واشتغال الجميع في أي من الدوائر، ولا تتصور كم يمكن أن يُسهم وينتج مجهودنا في زرع حب الفن والمعرفة والقراءة، وهو ما جربته وعرفته من تجربتي في نشر ثقافة حب العمل والتفاني في خدمة الناس.