يعثر قارئ الحياة على المتعة وهو يتأمّل دبي المدينة الحضارية المتقدمة في تكوينها ومعمارها، ويرتفع سقف المتعة حين يستشعر دفء الأمان والسلام فيها وهو يسكن أي ناحية من نواحيها الخلابة، وفي الضفة الأخرى يجد العاشق ذاته الحالمة ترتحل به نحو أفق المتخيل وعالم من اللامتخيل حين يستنشق أوكسجين المعاني في ثنايا قصيدة شاعرٍ جعل من دبي دانة الدنيا.
هكذا عرفنا صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، فكراً وشعراً، يحكم قبضته على حكمة التغيير كما يسرج مهرة أفكــــاره بخيــوط ضوء القمر، ففي مدينة الحلم دبي تولد قصيدة تحتشد بتفاصيل الفن والبلاغة وتفرد الصورة الشعرية. فيا له من عامٍ للخير هذا الذي ندخله من شرفة القصيدة، بل من عبقرية الشاعر العاشق والحاكم الصاعد بمدينتــه وشعبه إلى فلك الابتكار والسعادة.
قصيدة من سفر الإبداع
اللغة هي الموروث والإبداع داخل ساحة هذا الموروث، والتجديد هو البحث عن صيغة تفترضها القصيدة. اللغة هي الأنا الجمعية والأسلوب الشعري هو الأنا الفردية، والعملية الإبداعية هي عملية تموضع الذات. لغة قصيدة «أحلى قمر» واقعية وهذا موقف مشبع بالتسوير الجمالي، ولا تعني الواقعية هنا الاستدراج الإبهامي لدى سموه، وإنما تشكيل لغوي يمزج بين اللغة البلاغية واللغة المثالية المنتقاة بعناية فائقة، وهذا ما جعل قراءتها منسابة قريبة من الذائقة الحالمة، وتنفذ إلى الأعماق فتؤدي فعلها ببلاغة وإحكام منذ أول مفردة عند المطلع:
دومْ في بالي خيالكْ منْ غلاكْ
صورتكْ منها تصاويرْ الصِّوَرْ
وينْ ما أنظرْ يقابلني حَلاكْ
في السِّما في الأرضْ يا أحلىَ قِمَرْ
غواية الومضات
عمد سموه إلى مفردات تتواتر المعنى على نحو مباشر، بل هي رمز بعيد، طاقة شعرية وصورة مصغرة تنطق بكل المعاني والدلالات التي جمعها العنوان «أحلى قمر». الكمال والجمال، صوب النور، الوصفية والصدق، العنفوان والتجريد المشبّع، غواية الومضات، العشق المتسرمد المسموح، ونور المغزى:
قلبي المحرومْ خايفْ منْ جِفاكْ
مرتبشْ ويدقْ ناقوسْ الخِطَرْ
إنتهْ صِدقْ إنسانْ أوْ إنتهْ مَلاكْ
لأنْ هذا الزيِّنْ ماهوُ في البشَرْ
قناديل الرمزية
الرمز عند سموه ليس غموضاً، ولا لغزاً مبهماً كما أنه ليس مباشرة وتقريرية. فهو كقنديل نستضيء به في توغلنا البعيد، إنه تجربة عميقة ومسحة جمالية تغطي كوناً شعرياً غاية في الروعة:
لوُ يجيكْ أعمَى وأصمخْ منْ حلاكْ
لهْ يردْ السَّمعْ ويردْ النِّظَرْ
ولوُ على ميِّتْ تنادي منْ نداكْ
ينتفضْ ويقومْ ويخلِّي القَبرْ
هذا الرمز عبارة عن معالم في الدرب، ولوازم إيقاعية، يتكئ عليها هذا الوزن المتحول إلى قطعة موسيقية تنبعث من باطن القضية لتبلغ المدى الأقصى:
منْ كثرْ ما اللهْ منْ الفتنهْ كِساكْ
تنشربْ يا صويحبي لوُ بالنِّظَرْ
ورمزية الحب لدى سموه توازي الحياة في موازين المتخيل والبديع. لذلك فالرمز هنا لحظة انتقالية من الواقع إلى صورته المجردة، وهي الإطار الفني الذي يتم فيه الخروج من الانفعال المباشر إلى محاولة عقلنته وهو تجسيم للانفعال في قالب جمالي.
بلاغة الصورة والإيحاء
الصورة لدى سموه قائمة على الجمال والبساطة، قد تعتمد على التشبيه والرمز واللفظ الموحي، والتوزيع الوتري والصدمات الإيقاعية، أما المناخ الموسيقي للقصيدة فهو يزيد قدرة اللغة على تحريك الخيال والإقناع النفسي:
في شِفاكْ آموتْ ويلي منْ شفاكْ
شافيهْ ولكنَّها الموتْ الحَمَرْ
والخدودْ اللِّي سناها منْ سناكْ
كَنِّها زبدٍ يحَوِّطْهْ الجَمرْ
لوحة شعرية
تثير القصيدة الشعور والإحساس لدى القارئ باللوحة الشعرية التي يطرحها سموه. لهذا جاءت العاطفة صاخبة ومدوية وذلك لتدفق شحناتها الملتهبة في قالب فني جميل. إن الإلهام عند سموه ليس ضرباً من ضروب الخيال، وإنما هو معاناة وتجربة مع الكتابة:
ذابحنِّي منْ حلاكْ ومنْ صباكْ
وتاركنِّي وما لفىَ منِّكْ خبرْ
في شِفاكْ آموتْ ويلي منْ شفاكْ
شافيهْ ولكنَّها الموتْ الحَمَرْ
لقد ارتقى بنا سموه من المستوى الإفهامي العادي إلى المستوى التأثيري. فهو أبدع في تحويل اللفظة من أداة إيضاحية في اللغة الشائعة، إلى أداة إيجابية في اللغة الشعرية، وبلغ ببراعة درجة التوازن الضروري بين الأصالة والمعاصرة بتوظيفه اللغة الواقعية البسيطة مع احتفاظه بعناصر الأصالة فيها، وحقق بذلك شيئين هما: الابتعاد عن الغموض الذي سقط فيه أغلب شعراء القصيدة الهجينة، والتعبير عن لوحة ملموسة.
الظاهرة اللغوية
لو تتبعنا الظواهر اللغوية في القصيدة لوجدنا أن الفعل هو العنصر السائد في كل المقاطع، ويقيم هذا الفعل علاقات الأشياء، فيحول الأشياء، ويتحول بها، ويقوم على الحركة، وحركة التحول الدائم الذي لا يتوقف ولا يعرف الاستقرار، مثال ذلك تمعن في الجمل بين قوسين:
(تابعنِّكْ) لوُ مصيري للهلاكْ
(روفْ) بي مالي علىَ بعدكْ صَبرْ
(تخطي) فْ حقِّي ولايهمِّكْ خطاكْ
وأنا لي (آجيكْ) (راجي) و(أعتذر)


