لم تغفل محاضرة ندوة الثقافة والعلوم، يوم الأربعاء 26 أكتوبر 1989م، أياً من جوانب حرب أكتوبر والنصر الذي حققه العرب على إسرائيل فيها. إذ أضاء الضابط المصري المشير محمد عبدالغني الجمسي، على قضايا ميدانية وتكتيكية فنية متنوعة، عكست تميز قدرات الجيشين المصري والسوري، والتخطيط الدقيق والمحكم لمراحل المعركة.
واستعرض الجمسي موضوع محاضرته تحت عنوان خواطر من حرب أكتوبر 1973م، مشيرا إلى تفاصيل الحروب بين العرب وإسرائيل بدءاً من حرب فلسطين 1948، ثم العدوان الثلاثي على مصر 1956، ثم حرب يونيو 1967 وما خلفته من جرح عربي.
إذ انتهت باستيلاء إسرائيل على سيناء والضفة الغربية وغزة والجولان. ثم بين المحاضر كيف فرضت إسرائيل سياسة الأمر الواقع في الأرض المحتلة بالقوة العسكرية منذ نهاية 1967.
ولما كانت القوات المسلحة المصرية ومعها القوات المسلحة السورية، العدو الرئيسي لإسرائيل، فإنها ركزت جهودها على إقامة التحصينات وتنظيم خطوطها الدفاعية، مع الدولتين، وأنشأت على الجبهة المصرية الطرق ومطارين ووضعت مانعاً مائياً فريداً في مواصفاته في مواجهة القوات المصرية.
قرار نهائي وحاسم
واستطرد المحاضر: إثر حلول العام 1972، وضح جليا أن عامل الوقت أصبح في غير صالح مصر وسوريا وكافة الدول العربية، نظراً لحالة اللاسلم واللاحرب، التي تصب في صالح إسرائيل والقوى المساندة لها، وفي الوقت نفسه، فهي حالة تمثل استنزافاً تدريجياً لطاقات مصر ودول المواجهة.
ولذا اتخذت مصر وسوريا خطوات للإسراع في الحرب، حيث بدا أن الوسائل السلمية فشلت ولا بديل عن الحرب، وحدث في الوقت نفسه تفاهم عسكري بين مصر ودول المواجهة كافة.. وتعاون وتنسيق بطريقة هادئة.
دراسات مستفيضة
وتابع المشير الجمسي: أنجزت هيئة عمليات القوات المسلحة دراسة عميقة، في ظل تلك المعطيات، أحاطت بكل العوامل المؤثرة لتحديد وقت الهجوم خلال عام 1973م، بحيث دُرست أحسن وأنسب الظروف لتحقيق النجاح.
وقسنا أنسب وقت لاقتحام القناة على الجبهة المصرية، ذلك بالنسبة للمد والجزر وسرعة التيار واتجاهه، كذلك طول الليل وعدد ساعات القمر وساعات الإظلام، إضافة إلى حالة الأرصاد الجوية المناسبة للعمليات الجوية (الطيران)، وحالة البحرين الأبيض المتوسط والأحمر.. وكذا أنسبها للعمليات البحرية.
وأضاف: لم تفتنا دراسة ومعرفة مواعيد جميع العطلات الرسمية في إسرائيل، والموقف الداخلي في الكيان والوقت المناسب للهجوم في الجولان، واستقررنا على خيار شهر أكتوبر لأن الشهور التي تعقبه يحدث فيها الجليد.
الدم العربي أغلى
وبعد حديثه عن النصر المؤزر الذي حققه العرب في المعركة، أجمل الجمسي الدروس المستفادة من حرب أكتوبر: أولا، تحطيم نظرية الأمن الإسرائيلي.
ثانيا، حرب أكتوبر شكلت انطلاقة تضامن عربي فريد حيث تعاونت كافة الدول العربية سياسياً وعسكرياً ولوجستياً واستخدم البترول كسلاح مؤثر في المعركة تأييداً للعمل العسكري، وذلك بفضل حكمة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وكلمته التي لا تنسى «النفط العربي ليس أغلى من الدم العربي».
أما الدرس الثالث، فلخصه المحاضر بأن حرب أكتوبر أثبتت قدرة الإنسان العربي على الإنجاز. ورابعا، وضعت الحرب حداً فاصلاً بين عهدين في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي.