تنتشر سقايات الماء في دول العالم كله، والسبب هو تلك الحكايات التي تعود إلى ما اتفقت عليه البشرية، باعتبار أن الماء من أهم الأمور التي يجب توفيرها، بالإضافة إلى التشريف لمن يُيَسرُه، حين كان الماء أمرا نادرا تدسه الطبيعة في أمطارها أو في تدفق أرضها، ليُعتمد حينها على السقاة، وهم تجار الماء، من بائعيه ومالكي الآبار الذين استغلوا الإرواء بيعاً وبسعر مرتفع، وبالذات في وقت الاضطرابات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.. وحتى الدينية.

ثقافة الماء

ومن خلال بحثنا عن سُبل الماء في المنطقة، وباختلاف الجغرافيات العديدة والمتنوعة فيها تبين أن العالم العربي والإسلامي، يزخر بقصص السقايات العديدة، لتصبح السقاية حديث ثقافة الشارع، لينظر البعض على العابرين ويشرح لهم من ما لديه من بعض الدراية في جمال معماره السقايات وقصة بنائها وعطائها، الأمر الذي دعانا إلى البحث في أشكالها وأسمائها المختلفة على امتداد الأراضي، بين نبعها وانحباسها، فيضها أو انقطاعها.. وعن ذلك المعنى الوجودي للسقاية، والأسباب المختلفة التي دعت لبنائها.

سبيل السلطان أحمد في إسطنبول

 

بئر زمزم

إن عدنا إلى الوراء، وفي أصل السقاية التي دخلت التاريخ بعد أن كانت تقع على عاتق قريش في سقي الحجاج. وعقب أن مرت على مكة المكرمة، سنوات من الجفاف بسبب ندرة الأمطار، وكما تقول الرواية، رأى عبدالمطلب، جد الرسول الكريم محمد «ص»، رؤيا كان تفسيرها يدلل على مكان بئر زمزم، الذي يمتد إلى أربعة آلاف عام. فشرع أهل مكة حينها، في البحث قرب الكعبة، فكان إيجاده وحفره سعادة غامرة لهم، لما لهذا الماء من دلالات وأبعاد إنسانية ودينية واجتماعية عميقة، إذ تقوم عليه قريش للحج والمكانة.

بئر زمزم اليوم

 

الزمازمة

وفي زمن الدولة العباسية، عُهدت سقيا الماء إلى آل الزبير، وهم من سلالة عبدالله بن الزبير بن العوام وأسماء بنت الخليفة أبي بكر الصديق، والذين أطلق عليهم العثمانيون مسمى «بيت الريس». وهم معروفون حتى هذا اليوم بهذا الاسم، ومع كثرة الحجاج اشترك آخرون في شرف العمل بالسقي، أو كما كان يطلق عليهم في مكة «الزمازمة» ليصبح مفهوم السقاية تراثاً وهوية، وليغدو من يقوم بذلك من طيب الأعراق.

سقايات «أسبلة» الأجر

شجع حكام المسلمين، طوال عهود التاريخ، التجار على بناء السقايات كوقف أبدي، وكمورد مائي واضح أمام الأعين في الساحات والأزقة وأطراف المدينة، بوصف هذا الفعل عملاً يؤجر عليه صاحبه، مثله مثل الأعمال الخيرية الأخرى، من بناء مسجد أو كفالة اليتيم. ولتخرج مع الوقت، أجمل السقايات المزخرفة في المدن الإسلامية الكبرىاً.

ومن أجمل سقايات الماء الملهمة في معمارها، تلك التي نراها مشيدة في المدن التي تكتظ بالبشر، مثل اسطنبول والقاهرة ودمشق والمغرب. هذا بالإضافة إلى القرى التابعة لها. فأصبحت السقايات ترمز إلى ثقافة الإنسان ومكانه وذوقه ومدى توقيره للأمور، كما أصبحت زخرفتها المعمارية تاريخاً متأصلاً صنع الهوية الفنية.

الأسبلة الدمشقية العذبة

في دمشق، يوجد أكثر من 200 سبيل للشرب، ومنبع جميعها مياه عذبة، وقد كانت هذه الأسبلة تبلغ في عددها 800 سبيل في القرن التاسع عشر، وذلك لوفرة المياه الحلوة. ويختلف أسلوب العمارة والتخطيط والطراز الفني لكل منها، حسب الفترة التي بنيت فيها، إن كان في العصر الأيوبي أو المملوكي أو غيره من العصور.

سبيل الأقصى الأنيق

في القدس، وبالتحديد عند المسجد الأقصى، بني منذ أكثر من خمسة قرون، سبيل «قايتباي» الذي نقشت عليه آيات كريمة من سورة «الإنسان»، ذلك في واجهته الجنوبية. وهناك قبة نباتية ليس لها مثيل، مزخرفة بأحجار ملونة متداخلة، بجمال فاتن وارتفاع أنيق على أرض المسجد.

حكايات وقصص

من أهم أسبلة مصر، على سبيل المثال، سبلة «محمد علي باشا»، وقد بناها في الشارع الشهير: شارع «المعز»، بهدف التكفير عن ذنبه الذي اعتبره خطيئة وزلة كبيرة اقترفها في حق ابنه إسماعيل باشا، حين أرسله مع الجيش إلى الحبشة والجنوب، إذ قتل إثر حروبه وغزواته في المنطقة، فكان هذا السبيل بمثابة صدقة على روحه.

وقد أصر محمد علي باشا على أن يكون هذا السبيل، في شارع المُعز المزدحم بالناس، والصاخب تجارياً كي يستفيد منه أكبر قدر من الناس.

الأميرة بنبا قادن

في القاهرة سقايات/‏‏ أسبلة، عديدة، منها: سبيل الأميرة «أم عباس» في حي القلعة المشهور، حيث يزاوج بين الطراز المعماري العثماني ونظيره الأوروبي، وقد أصرت الأميرة، وهي والدة الخديوي عباس حلمي باشا، على ألا يسمى السبيل باسمها: الأميرة «بنبا قادن»، بل باسم أم عباس كي يترحم كل من يشرب منه على ابنها الذي جرى اغتياله.

«السِقا» في الإمارات

يختلف معنى السقاية، عن السقا في دولة الإمارات العربية المتحدة، فالسقا «بكسر السين»، وعاء مصنوع من جلد ماعز، معلق، لخض ما به من لبن، ولا يتوقف هذا الخض حتى تصبح الزبدة في معزل عن اللبن. أما السقاية في الإمارات وفيما مضى، فكانت عن طريق البئر التي كان يعلق فيها وعاء مربوط بحبل. وارتبطت البئر بالسفر والقوافل والطرق، لذا نجد الآبار في مسارات الصحراء والجبال للحماية والدلالة، بالإضافة إلى السقيا، لتسمى الآبار بمسميات أصحابها أو اسم المكان أو كصفة ودلالة على فعل الخير.

سبيل الماء الألماني

افتتح هذا السبيل ذو القبة الواحدة، في يوم مولد الإمبراطور الألماني ويليام الثاني عام 1907م، ليرمز إلى متانة العلاقات بين الإمبراطوريتين: العثمانية والألمانية، وليصبح السبيل ذاكرة سياسية عريقة وطيبة بين البلدين، ولتتجاوز السقاية معه، المفهوم الأول في الإحسان والإرواء، فتصل إلى مفاهيم كبرى، منها، أولاً: تعاون مهندسين من الدولتين لتصميمه.

ثانياً، وضع تصاميم تدل على الثقافتين من فنون ونمط نقشي مميز ومخطط بثمانية أعمدة فوقها دوائر عليها تواقيع السلطان العثماني والإمبراطور الألماني. ولتأخذ الصداقة بذا، أبعاداً خيرية معمارية فنية.

سبيل السلطان أحمد الثالث

بني هذا السبيل الرخامي الفاخر عام 1728م بشكل دائري مع عدة أضلاع وأربع قباب، ثلاث منها على شكل هرم، أما الرابعة فهي رأس السبيل. وكُتِبَت على جداره الخارجي، وبخط الثلث، قصائد الشعراء الأشهر في عهد الدولة العثمانية، أمثال: نديم ورحمي وشاكر.

سبيل رخامي فاخر جذب المهتمين بالتراث المعماري

 

وبرزت تلك الأسماء وهي مؤطرة في براويز مذهبة وملونة. كما تم تزيين البناء برسم أزهار القرنفل وكأنها في مزهريات. هذه الفنون شجعت المحسنين المسلمين على بناء السقايات والسبل. ومع مرور الوقت، أصبح هذا البناء لافتا وجاذبا لهواة التصوير والمهتمين بتراث المعمار الإسلامي.

 

سقايات ونافورات المغرب

تبدو أشبه بنافورة كانت منتشرة في الساحات العامة والأسواق، ومع مرور الزمن، أصبحت تبنى في وسط البيوت الكبيرة والأنيقة لأصحابها الميسورين، ليصبح مفهومه مختلفاً، حيث يطلق أهل المغرب على النافورة اسم «لخصة» التي تتوسط هذه البيوت، وتكون على هيئة حوض مصنوع من المعدن النفيس، الفضة أو الذهب، ذلك حسب إمكانيات الأسرة.

سقاية أنيقة في شفشاون شمال المغرب

 

بينما السقاية فأشبه بنافورة جدارية رخامية، مثبتة على الحائط في الشارع بألوان زعفرانية وبُنية وزرقاء وخضراء.. وبنقوش فوق فسيفساء أغلبها دائرية ومثمنة.

 

تجميع الماء في السقايات

صهريج الماء في عدن

 

فكر الإنسان منذ القدم بتجميع مياه الأمطار في السقايات، فكانت الطريقة الوحيدة بنقلها عن طريق القناطر المعلقة، أي تلك المشيدة والخاصة للماء لتُصبَّ في خزاناتها. وهذا ما يسمى بالتسبيل، أي عملية توزيع المياه، فالسبيل مشتق من سبيل أي المطر، أما السقاية فهي الإناء الذي يسقى فيه، لذا اختلفت السقاية، بين العميقة التي تُنقل بالصهريج «شاحنة لنقل الماء»، وبين السقاية المسطحة أي تلك التي هي أشبه بالحوض.

12

في القرن الثاني عشر الميلادي، بدأ السلاطين والملوك والأمراء، بناء الأسبلة والسقايا.....، بهدف التكفير عن ذنب أو للمزيد من الأجر. وكان يُسمح للأفراد من كل الأديان والملل، من المسيحيين واليهود والأجانب، الاستفادة من الأسبلة التي لا تنقطع المياه عنها أبداً.

20

تبعد الكعبة المشرفة، من بئر زمزم، حوالي 20 متراً، أي إنه يقع في داخل الحرم. وأخيراً تم بناء مشروع الملك عبدالله بن عبدالعزيز لسقيا زمزم، الذي يوفر 200 ألف عبوة بلاستيكية يومياً، بسعة 10 ليترات ، فأصبح الحصول على عبوات ماء زمزم أكثر سهولة.

reem.alkamali@albyan.ae

صفحة أسبوعية كل اثنين متخصصة بعلوم التاريخ والتراث في الإمارات ومحيطها الإقليمي