لم يكن عام 2016 عادياً في الإمارات، على الصعيد الثقافي، فقد كان عام القراءة الذي انفعلت به وتجاوبت مع أهدافه السامية المؤسسات كافة، أهلية وحكومية، وحتى الأسر والأفراد تجابوا على نحو ملموس مع مبادرة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وأنكبّوا عاكفين على مصادر المعارف ينهلون منها كما لم يفعلوا من قبل.

وكان 2016 عام إنفاذ مشروع تحدي القراءة العربي الذي أطلقه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، واستطاع أن يستقطب بنجاح لافت اهتمام وتفاعل ملايين الطلبة العرب من الخليج إلى المحيط، في سابقة سيسجلها التاريخ حتماً وتتناقلها الأجيال حتى لو توقـــفت عنـــد هذا الحد، فما بالك وقد عقد لها العــزم بقوة أكبر من أجل المزيد من أســـباب النجاح والمشاركة؟

ولقد كان 2016م عام إطلاق استراتيجية القراءة وسن قانون القراءة وجعل فضيلة الاطلاع سمة وتقليداً لهذا المجتمع الطموح بموجب قانون. علاوة على ما أحدثته دور النشر الاماراتية من ثورة في صناعة الكتاب العربي عبر تطوير انتاجاها كماً ونوعاً.

وفي العام ذاته دشنت دبي دار الأوبرا الأضخم في المنطقة، بأحدث الصور المعمارية والإمكانات الباهرة، واستهلت نشاطها بأشهر الأعمال والفرق العالمية ونجوم فن الغناء الأوبرالي. وفيه أطلق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد مشروع مؤسسة مكتبة محمد بن راشد آل مكتوم، بيتاً للحكمة وجنّة للمثقفين. وفي ختام العام فوجئت الساحة الثقافية بإطلاق متحف دبي الفني المفتوح الذي زان الشوارع بالجداريات البهيجة. كل هذا في عام واحد.

معارض التشكيل

أما معارض التشكيل سواء في أروقة جمعية التشكيليين وبرنامج فن أبوظبي بمنارة السعديات، وغالاريهات مجمع السركال بدبي، ومعارض آرت دبي ، بينالي الإمارات في العين وغيرها من المعارض ذات الطابع العالمي فقد كان لشأنها شأن حيث تحققت بفضلها قفزات عالية لمجتمع الإمارات على رصيد هذه الفنون الرفيعة.


هذا كله، فضلاً عن فعاليات جائزة زايد للكتاب وجائزة البوكر وجائزة البردة ومسابقة أمير الشعراء بشاطئ الراحة ومسابقة شاعر المليون، وكلها باتت مطمحاً لكل المبدعين العرب قاطبة، علاوة على مهرجانات المسرح والسينما والموسيقى والغناء التي انتظمت مختلف إمارات الدولة بما جعل دولة الإمارات العربية المتحدة قاطرة للثقافة العربية عن جدارة واستحقاق، ناهيك عما ضخته دور النشر الإماراتية من إصدارات محلية وعربية وترجمات بالعشرات.

صعوبة المواكبة

فكيف إذاً يستطيع المعنيون بالشأن الثقافي أن يتابعوا أنشطة كل هذه الفعاليات المتلاحقة على نحو يومي؟ وكيف لهم أن ينجزوا مشاريعهم الإبداعية الشخصية في الوقت ذاته، إذا حرصوا على المتابعة، بل وكيـــــف لهم ألا يأسفوا ويخسروا إذا فاتتهم أية فعالية ممـــــا ذكرنا، وكلها مهمة؟

الإمارات تعيش بحق أجواء الأندلس في قمة عزها ومجدها، عمراناً وثقافة وتسامحاً ورعاية للمواهب وللإنتاج الفكري، سواء أكان محلياً أم عربياً أم عالمياً، تماماً كما كانت الأندلس يوماً فردوس العرب ونعيمهم الحضاري الذي شهد عليه وتأثر به القاصي والداني.


وسيتأكد هذا أكثر خلال 2017 حيث نتفيأ ظلال مكتبة محمد بن راشد آل مكتوم، وسيفتتح متحف لوفر أبوظبي في منارة السعديات كوجهة ثقافية وأيقونة جمالية ترفع رصيد الإمارات المتنامي على صعيد المد الحضاري المشهود.

جردة حساب

الجميع يرصد في هذه الأيام حــــصاد العــام الماضي، وقليل منا يلـــــتفت ليحصي ما كان يؤمله ويخــــطط له، إلا أنه لم يتحقق، ولماذا لم يتحــــقق، وهل يمكن أن نرحّل مشاريعنا المؤجــــلة أو المعطلة إلى السنة الجديدة، وإلى قائمة المشاريع الإضافية الخاصة بـ2017، بأمل جديد وعزيمة أخرى؟ الإجابة الإيجابية عن هذا التساؤل أكدها استطلاعنا.. كيف لا وفي ذلك تحدٍ لليأس والاستسلام، ورفضاً لأن تؤول مشاريعنا المتعثرة إلى خسائر وأحلام مجهضة وربما إلى ديون تخصم من أعمارنا.. بهذا المدخل المختلف تجاه استعراض حصاد 2016 استنطقنا عدداً من المبدعين فقالوا...

أمنيات

الأديبة الإماراتية باسمة يونس تعتبر أن أهم مشروع ثـــقافي تمنت إنجازه في 2016 «على الصعيد الإماراتي» هو إنشاء أكاديميات متخصصة للموهوبين في المجالات الأدبية والرياضية والفنية - وكذلك تحقيق توثيق كامل لكل منجزات الإمارات الثقافية في مكتبة وطنية، وتوفير إحصائيات ودراسات دقيقة تبين لنا ما وصلت إليه الإمارات في مشاريعها الثقــــــافية التنموية وما تحقق بعد 45 عاماً من الاتحاد في هذا المجال.

أما على الصعيد الشخصي فما تمنته باسمه هو «مشروع ثقافي درامي يتعلق بتشجيع القراءة».
وعن أهم كتاب خططت لتأليفه تقول: هو الكتاب الذي أعمل عليه حالياً، أما الكتاب الذي سعيت لنشره ولم أفعل فهو عبارة عن مسرحية من ثلاثة فصول ولم أنشرها بسبب نشر مجموعتي القصصية الجديدة «الموت السعيد».
والكتاب الذي خططت لقراءته ولم أفعل فهو كتاب «أشياء لن تسمع بها أبداً» لنعوم تشومسكي.


أهم حدث ثقافي تمنت باسمة يونس حضوره ولم تتمكن بسبب انشغالها، كما تقول، فهو العرض الغنائي المسرحي «البؤساء» في أوبرا دبي.
وتضيف: خطتي الثقافية لعام 2017 إن شاء الله إصدار كتاب «فبراير» الذي يتبع «كتاب يناير» والحاصل على جائزة أفضل كتاب في الإبداع الإماراتي في معرض الشارقة للكتاب 35 -2016، لكنني لن أفصح عن مضمونه الآن.

مجد الشهداء

الكاتب والأديب حارب الظاهري يعترف إزاء مصير مشاريعه وخططه خلال عام 2016م فيقول:

إن أهم مشروع كنت أتهيأ له وأعد لكتابته رواية تمجد شهداء الإمارات ومن ثم تتحول إلى مسلسل، ولكن لم تسعفني المعلومات الكافية حول شهداء الإمارات مع أن الرصيد الصحافي كان في البداية مناسباً ما جعلني أشرع في التأليف وأحضر للمسلسل مع فنانين إماراتيين ومخرج له خبرة في الإخراج، ولكن مع تطورات الأمور وجدت أنني لم أتمكن من لملمة أطراف المعلومات الدقيقة، ولا شك أن المحاولة قائمة لأنه عمل أؤمن به، وهذا دافع كافٍ للإصرار يحقق النجاح.


وبخصوص أهم كتاب خططت لقراءته أو نشره أو تأليفه ولم يسعفني الوقت لذلك؟ فهناك أكثر من عمل روائي خـــططت لقراءته، ولم يتسن ذلك للأسف، لكنها ضمن الأجندة بكل تأكيد. وبالنسبة للتأليف فلا يوجد تخطيط عدا رواية الشهداء المشار إليها.


أما عن الحدث الثقافي فالذي فاتني وندمت عليه فعاليات معارض الكتب، حيث لم تسمح الفرصة بالمشاركة أو الحضور.
ويضيف حارب الظاهري حول أهم ملامح خطته الثقافية لعام 2017 فيقول: هناك رواية سأعمل عليها وبالنسبة للشعر فقد انتهيت من مجموعة شعرية ستصدر في عام 2017 وعنوانها (الخطايا لا تنام).

ثقافة الصين

الشاعر علي الشعالي صاحب ومدير دار هدهد للنشر يقول عن مشروعه الذي لم ينجز في غضون عام 2016:

إنه مشروع إنتاج حقيبة مدرسية للآباء والأمهات، بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم، حيث تأجل الموضوع قليلاً، وإن شاء الله سوف نقوم بإنفاذه في 2017.
وأما هم كتاب خططت لنشره كتابان:
• كتاب عن العملات الإسلامية – للكاتب عبدالله المطيري، تم تأجيل نشر هذا الكتاب القيّم لعام 2017 وسنقوم بنشره إن شاء الله.


• وكتاب عن ثقافة الإمارات وتراثها وللأسف لم يسعفنا الوقت، ولم نجد مادة غنية تلبي متطلباتنا لنشر هكذا كتاب.
ولكن ما هو أهم حدث ثقافي فات الشعالي فلم يشهده خلال 2016 وندم عليه؟ يجيب:
المشاركة في معرض بكين بالصين، وسوف نقوم بزيارته العام المقبل بإذن الله.


أما أهم ملامح خطتي الثقافية لـ2017؟ فهي نشر سلسلة «عالم القصص» إذ نحن بصدد إصدار القسم الثاني من سلسلة «عالم القصص» بالتعاون مع «مؤسسة بداية للإعلام». فضلاً عن إصدار مجموعة كتب «جامعة أكسفورد»، في سياق إنجاز القسم الثاني من هذه المجموعة بالتعاون مع جامعة أكسفورد البريطانية. بجانب ذلك سنصدر مجموعة الكلاسيكيات العالمية الفرنسية للناشئة، بالتعاون مع «مشروع كلمة» التابع لهيئة أبوظبي للسياحة والثقافة.
وفي خطتنا أيضاً ترجمة العديد من الكتب العربية للغة الإنجليزية، لضمان وصول كتبنا لكل الجنسيات العربية والأجنبية.


والتعاون مع مشروع 1001 عنوان: في خطتنا إصدار العديد من الكتب بدعم من هذه المبادرة.
وكذلك أمامنا خطة تعاون مع مشروع عربي 21، بالتعاون مع مؤسسة الفكر العربي وذلك لتصنيف كتب دار الهدهد ضمن معايير د. هنادا طه.
ومع مشروع ليتركس: سنقوم باختيار الكتب المناسبة للدار وترجمتها من خلال هذا المشروع.


خطط دار هدهد تمتد خارج الحدود على حد تصريح الشعالي إذ يؤكد أن: هدفنا أن نقوم باختيار كتب صينية عدة لترجمتها للغة العربية، لنمنح الطفل فرصة ليطلع على الثقافة الصينية. كما يزمع الشعالي تحويل الكتب المقروءة إلى مسموعة بالتعاون مع شركة متخصصة، وباستخدام استوديوهات عالية الجودة لتسجيل القصص بأفضل صورة.

حلم امرأة

القاصة فوزية الشيخ كتبت نثراً حراً تجيبنا من خلاله عن أسئلتنا فتقول:

ها هو عام 2016 يرحل مودعاً، ويحمل معه صفحاتنا التي طويت بأوراقها الخضراء والصفراء. لا بد للإنسان أن ينظر ويتطلع إلى الأمام، ولا يعود للماضي، بل يراجع خطة أهدافه لا يائساً بل مستبشراً بأن يحقق ما لم يتحقق.


من أهم المشاريع الإبداعية التي تمنيت إنجازها ولكن الحظ لم يحالفني هو نشر روايتي الأولى التي بعنوان (حلم امرأة) وهذا ما أسعى إليه في 2017 نشر الرواية والشروع في كتابة الرواية الثانية.
أما من ناحية القراءة فقد أنجزت عدداً أفخر به كقارئة لكتب الروايات وبعض الكتب الثقافية ولكن للأسف ما زالت بعض كتب التخصص قابعة في الأرفف تنتظر النهل من بحارها، ومن هذه الكتب: كتاب فنون النص وعلومه لفرانسوا راستيي، وكتاب النقد الثقافي لعبدالله الغذامي.


أما أهم حدث ثقافي كنت أتمنى حضوره ولم أفلح فهو معرض بينالي الإمارات الأول للفنون الذي أقيم في منطقة العين. وتمضي فوزية الشيخ قائلة: كنت أتمنى أن أعرف ماذا سيقدم هذا المعرض، وما هو الجديد الذي سيضيفه إلى الساحة الفنية.

وأيضاً كنت أتمنى حضور ورشة «طرق إيصال الكتاب المنشور والكتاب على مستوى عالمي» الذي قدمه ميكائيل نورمان.
من أهم ملامح خططي الثقافية لـ 2017 أن أشارك حضوراً في بعض الفعاليات التي تقام خارج الدولة، وأول خططي حضور معرض الكتاب في القاهرة والاطلاع على ما هو جديد من الناحية الثقافية والأدبية الذي سيقدمه المعرض.

سنة الإنجازات

الكاتب والناشر الإماراتي، حسن الزعابي، صاحب ومدير دار «مداد للنشر» في دبي يجيب عن سؤالنا حول أهم مشروع ثقافي، إبداعي، تمنى إنجازه في 2016 ولكن السنة انقضت قبل ذلك وماذا سيكون مصيره.. قال:

أطلقت اسم سنة الإنجازات على 2016 منذ البدء، لأركز جهودي وجهود فريق العمل الذي يعاونني لتحقيق الأهداف التي وضعناها، وتمكنت بالفعل من إنجاز أغلبها والباقي كثير، فلقد توسعنا في العمل بصورة كبيرة واستقطبنا أسماء لامعة من العالم، وفعاليات العام لا تتوقف، فأصبحنا دائماً أمام تحدٍ كبير حيال تنفيذ خطتنا مع ضرورة المشاركة في كل الأحداث ذات العلاقة بالكتاب.


ويؤكد الزعابي: أن المشاريع المتبقية متميزة ولن أركنها في رفوف النسيان، تواصلت مع الدوائر الحكومية لتبنيها، وأعتذر عن التصريح عنها حتّى أتأكد من إمكانية تحــــقيقها وفي ظل ظروف المنافسة الســــائدة في السوق.

وعن الكتاب الذي خطط لقراءته أو تأليفه أو نشره ولم يسعفه الوقت؟ قال حسن الزعابي:
القراءة جـــزء من وقتي وعملي، لا أفكر في نشر كــــــتاباتي حالياً حتى لا يتأثر عملي بذلك. أفضل أن أركّز على نتاجات الكتاب الآخرين، خــــصوصاً الشباب، والكتب المهمة التي لم أنشرها لضيق الوقت كثيرة منها كتاب للمستشار إبراهيم بوملحه والمـــفكر السعودي علي الهويريني.


أما ما هي أهم ملامح خطته الثقافية لعام 2017، فيلخصها الزعابي بقوله:
بنهاية 2016 أنهيت الخطة الثلاثية التي وضعتها للدار، الحمد لله، نجحنا في تنفيذها، وعليه فإن الاجتماعات حثيثة مع فريق العمل لإعداد الخطة المقبلة، سنركز على إعداد جيل من الكتّاب الإماراتيين الشباب وضرورة احتكاكهم مع كبّار الكتاب، سنزيد من مشاركاتنا المجتمعية مع المؤسسات الحكومية والخاصة ومؤسسات المجتمع المدني والأفراد.

عام مختلف

لأن   2016 كان عاماً مختلف ثقافياً، فقد شهد دورات لمعارض الكتب في الشارقة وأبوظبي والعين تميزت بالفرادة حيث لمسنا إقبالاً أكبر من أي عام مضى على هذه التظاهرات الضخمة، وكانت الفعاليات الثقافية المصاحبة لأعراس الكتاب أوسع وأكثر مشاركة سواء من الناشرين او المثقفين، فتحققت أرقام قياسية على أكثر من صعيد للمرة الأولى.