يمثل الشعر لدى الشاعر والإعلامي القطري راضي الهاجري، حالة خاصة موسومة بالتنوع والثراء، فهو يكتب الشعر النبطي منه وكذا الفصيح.. كما تولى مسؤوليات التأهيل والتدريب، في دورات عديدة متخصصة في كتابة الشعر. وشارك في التحكيم في مسابقات شعرية كثيرة. ويحكي الهاجري في حواره مع «البيان»، عن قضايا الثقافة والشعر وهمومهما وشجونهما، مشدداً على أن حضور وسلطة الرقيب على الإبداع في مجتمعاتنا، ضروري ومهم جداً، يصون القيم ويمنع أي خلل أو تشويه وإساءة.
صحافي وشاعر. في أي المجالين كانت بداياتك. وكيف تصنف أو تجد نفسك حالياً، بينهما؟
لا بد أن تكون البداية مع الشعر، وهو ما انطبق علي. ولكن الشعر كائن ظل ينمو بداخلي منذ الصغر ولَم أسمح له بالظهور إلا بعد انتظار طويل تجاوز السبعة عشر عاماً، بينما كان دخولي إلى عالم الصحافة متوازياً مع ذلك، حيث توليت مسؤوليات الإذاعة المدرسية ومجلات الحائط في المدرسة، منذ أن كنت طالباً في المرحلة الابتدائية في مدرسة كانت تشتمل على مراحل الدراسة الثلاث: ابتدائية وإعدادية وثانوية. إذ كنت قارئاً نهماً وكاتباً مثابراً، بالإضافة إلى تنميتي بعض المواهب المساندة، كالرسم والخط والتصميم. ولذلك، ما إن دعيت للدخول في عالم الصحافة بشكلٍ شبه احترافي، وجدتني قادرا على الأداء بشكل معقول طوال سنوات. ولكن الصحافة والإعلام عندي وفي حياتي جارا على الشعر والشاعر في دواخلي، إذ هضما حقهما. إلا أنني انتصرت للشاعر الذي يسكنني بقراري التوقف عن العمل في الإعلام بذريعة السفر للدراسة في الخارج. لأعطي الشعر الذي يستقر في عقلي وروحي، فرصة التنفس من دون ضغوط.
سلاح ذو حدين
ما دور الصحافة الشعبية في خدمة ساحة الشعر الشعبي.. كيف خدمتها وما حقيقة تأثيرها ؟
الصحافة ذات الطابع والتوجه الشعبي العام، سلاح ذو حدين، فقد كانت من أهم الأسباب المشجعة على الاهتمام بالشعر والموروث والالتفات إليهما من قبل شرائح مختلفة ربما لا يكون بعضها ذا اطلاع على هذه الساحة ولا يتصل بها بشكل مباشر، وهكذا زادت من الاهتمام بمخرجات الشعر وساحاته، بعيداً عن محدودية الأقاليم الجغرافية. ولكنها على الطرف الآخر، استقطبت مستويات مختلفة ومتفاوتة من المواهب، من دون معايير أدبية واضحة المعالم، كما تنتشر فيها الرؤية الانطباعية. وأيضاً نجدها لم تقدّم كثيراً الجهود النقدية الحائزة الثقة والمصداقية والموضوعية بشكل متزن ومستمر، مما جعل دور الحركة النقدية والتي تعتبر المطوّر الأول والأهم والأشد تأثيرا لأي فن إبداعي، مرفوضاً أو غير مرحب به نتيجة عدم التهيئة. كما أنها أسرفت في تحويل الشعر من عامل مكمِّل ومجمّل للحياة، إلى أن يصبح الشغل الشاغل للكثيرين، وتسببت في إثارة بعض الموجات المتعاقبة من حالات التشبع الشعري لدى الجمهور، ما جعل عملية استثارة اهتمامه من جديد، بالغة الصعوبة.
كيف تصف حال ومستوى ساحة الشعر الشعبي في قطر، مقارنة ببقية دول الخليج العربي؟
حالها مشابهة، وإلى حد كبير، لما هو حادث في المجال ضمن دول الخليج العربي الأخرى. ولكنها بحاجة إلى زيادة برامجها النوعية، والتوجه الجديد لإنشاء مركز للشعر يتبع لوزارة الثقافة والرياضة، المزمع تأسيسه وإعلانه قريباً، سيؤثر بشكل خلاق. ذلك ليضاف إلى مجلس الشعر التابع لمؤسسة الحي الثقافي - كتارا هو ما يعد بالكثير.
كيف تجد شعر المرأة والحركة الشعرية النسائية في قطر ودول الخليج العربي عموما؟
لا شك في أن النتاج الشعري للمرأة في قطر ودول الخليج العربي أجمع، ثري ومتميز. ولكن ما يعوق تقديمه بما يستحقه من مستوى، هو التدخل الإعلامي غير المتزن في مسيرة هذا الشعر، إلا أنني أجد أن المبادرات النوعية من شاعرات كثيرات لتقديم أنفسهن أدبياً، باتت يكسر حواجز المعوقات. فهو توجه محمود يجب أن ترفده حركة نقدية صادقة.
تناغم
بين الفصيح والنبطي، أيهما تجده أقرب إليك وأسهل في التعبير عن أفكارك ؟
إنهما عينان في رأس واحد. هما لدي كل واحد متجانس. فبهما معاً، أنظر وأستكشف القضايا، وأعبر عن رؤاي وتفضيلاتي وما يجول في خاطري وفكري. ودائما أنا أحاول أن أقارب بينهما عن طريق تهذيب المفردة الشعبية وعدم التكلف غير المبرر في المفردة الفصيحة.
ما مدى أهمية أن يكون الشاعر قد أصدر ديواناً واحداً على الأقل. وهل أصدرت أنت أي ديوان؟
مؤكد أنها مهمة للشاعر. فدورها توثيقي في المقام الأول وهو أمر مهم. والدواوين الشعرية مهمة أيضاً بالنسبة للمجتمع. وأما عني، فأنا لدي ديوانان تحت الإعداد، وأشتغل عليهما منذ قرابة الأربعة أعوام ولكنهما سيريان النور قريباً، إن شاء الله.
ما أهمية مبادرة وزارة الثقافة والرياضة في قطر، القاضية بمنح تراخيص للناشرين في الدولة. وماذا عن دورك كناشر في خدمة الموروث الشعري الشعبي في بلدك والخليج العربي، على وجه الخصوص؟
إنها مبادرة نوعية وبناءة. استرعى هذا الأمر انتباه الوزارة من جراء متابعتها للواقع الملموس على مستوى المؤلفات الصادرة ونوعياتها، ولجوء العديد من الكتاب القطريين إلى دور نشر خارج قطر بحثاً عن فرصة قد تتوافر للبعض ويحرم منها الكثيرون، وكذلك للحاجة الملحة لدى الكتاب القطريين إلى وجود دور نشر تقوم بتطوير مستوى ما يقدم باسم المؤلف القطري، لتقديمه بما يستحق من مكانة وقيمة. وهكذا قدمت مبادرة بمنح تصاريح لدور نشر قطرية جديدة لمجموعة من المثقفين القطريين الذين يحملون هاجس الرقي بالمنتج القطري، بعيداً عن النظر إلى هذه الدور على أنها مجرد وسيلة للتكسب والإثراء. وشخصياً، وبحصولي على تلك الثقة المتمثلة بنيلي موافقة الترخيص لإنشاء دار نشر، أعتزم أن أستثمر هذا الأمر بصيغة حيوية تخدم مجتمعنا بكافة فئاته وشرائحه. فلن أحصر نفسي في الخط الشــــعري والموروث فقط، إذ إنني مع الثقافة المتكاملة للمجتمع، والتي يجب ألا تقتصر على تقديم منتج يدفع الفرد إلى أن يقرأ في مجال واحد فقط.
محاذير
هل حرصك على أن تقدم ما يليق بأسرتك ومحيطك الاجتماعي بفعل الرقيب الذاتي في داخلك، أم بحكم الاعتبارات المجتمعية. وكيف توفق بينه وبين الحرية التي يتحلى بها المبدع في مختلف المجالات؟
عندما كنت أعمل في الصحافة وأقدم إنتاج الآخرين، لم يكن عندي إلا ثلاثة أمور ممنوعة: الإساءة إلى الأديان، الإساءة والانتقاص من الآخرين من مختلف الفئات، والإساءة إلى أعراف المجتمع والذوق والحياء العام. وما دون ذلك فهو مسموح. هذا ما أدافع عنه وأتمسك به الآن كشاعر وناشر وصحافي ومثقف. إنه أمر جوهري في حياتنا.
ما أهمية أن يكون هناك رقيب. ألن يؤثر هذا الرقيب على الإبداع الشعري؟
الرقيب الذاتي مطلوب، والإحساس بالمسؤولية تجاه الآخرين لن يحرمنا من الإبداع والجمال، ولكنه سيخلصنا من الكثير من شوائب الساحات الأدبية.
أكثر صدقاً
إلى أي الأغراض الشعرية أنت ميال أكثر؟
أَجِد نفسي أكثر في حوار الذات وحديث العزلة.. لأنني أَجِد نفسي فيها ومعها، بلا حسابات وبعيداً عن المجاملات وأكثر صدقاً مع نفسي.
الباب
ذا الباب..عيّا ينفتح يا مريزيق..
مهما طرقت الباب عنّك وعنّي..
بابٍ نصوه خفاف.. عربٍ مطاليق..
كلٍّ على ليلاه.. قايم يغنّي..
احدٍ لفا مشتاق عشق الغرانيق..
واحدٍ ورا الأرزاق زاد التمنّي..
واحدٍ لفى فرّاع بين المخانيق..
واحدٍ لفى منّاع لامّ التحنّي..
واحدٍ لفى نقّال بعض التعاليق..
واحدٍ رعى المعروف يا خال منّي..
ماجيت أنا نقّال شفّ العشاشيق..
وما جيت أنا كسّاب من سام فنّي..
وما جيت أنا بيّاح سر المعاليق..
وما جيت أنا فضّاح من يئتمنّي..
وما جيت أنا شقّاق ستر المخاليق..
وما جيت أنا دقّاق عظمي وسنّي..
لو بي جنون الشعر طارن مطافيق..
قيّدتهن بقيود حبل التأنّي..
لو ينقضي عمري مغيّب ولا افيق..
أبرك ولا انّي غارقٍ بالتدنّي..
وان جيت أنا للباب مثل الطواريق..
فرقي كبير وزاد بالخير ظنّي..
لانّي عرفت انّي كبيرٍ وتدقيق..
قولي بمدح اعداي يا شيخ كنّي..
فارس قضى منّاع قومه من الضيق..
واعداه من يمناه قامت توّني..
لينه هوى هلكان من يبسة الريق..
واجهِز عليه برمح.. مقبل.. امطنّي..
لانّه صليب الراي صكّ المغاليق..
دون الشرف والحق جا مستجنّي..
هيبة مماته ما قضت دون تعليق..
يمدح على مجناه وبلا تجنّي..
وانا مثل ما قيل راعي شواهيق..
في موكرٍ معروف ماني بادنّي..
ولوني طرقت الباب عند المخاليق..
منّي.. ترى مريزيق.. زاد التمنّي!!..
شعر: راضي الهاجري
