تعزز المبادرة الأخيرة المتمثلة في مشروع «الثاني من ديسمبر» الذي أطلقته «براند دبي» الذراع الإبداعي للمكتب الإعلامي لحكومة دبي بالتعاون مع بلدية دبي، توجهات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في دعم وتفعيل حركة الفنون البصرية في المنطقة، لتتجاوز دبي مجرد عاصمة للفنون في منطقة الشرق الأوسط، فتصبح متحفاً مفتوحاً للفنون البصرية يتواصل العامة معه ضمن إيقاع حياتهم اليومية.

16 جدارية

وتشكل هذه المبادرة التي تضم 16 جدارية فنية على طول شارع الثاني من ديسمبر، أولى مراحل مشروع «متحف دبي الفني» الذي سيتم تنفيذه خلال خمس سنوات. ليستلهم 15 فناناً عالمياً متخصصاً من ضمنهم ثلاثة فنانين إماراتيون شباب، رسومات جدارياتهم من محور المرحلة الأولى للمشروع المتمثلة بتاريخ وإرث وثقافة الإمارات.

دار الحي

ويتعرف الزائر خلال جولته بين الجداريات المرسومة على طول أبنية شارع «الثاني من ديسمبر» - الضيافة سابقاً، على مختلف تيارات وأساليب الفنون من الرسم الواقعي والتجريدي والزخرفي إلى ثلاثي الأبعاد والحروفيات. والأكثر تشويقاً هو جمالية الأعمال التي يتجلى فيها نتاج تفاعل مخيلة فنانين من حضارات مختلفة مع ثقافة دار الحي.

حروفيات المطر

ولا يملك الزائر إلا التوقف دهشة وإعجاباً في بداية جولته أمام جدارية ثلاثية الأبعاد على ارتفاع أدوار فندق «تشيلسي» التسعة. لتبدو حروفيات الفرنسي فنسانت عبادي حافظ كانهمار حبات المطر في عمق غابة كثيفة ولكنه يستبدل قطراتها بحروفيات الخط العربي التي تعيد إلى الذهن تارة ألياف الشجر الطويل وتارة أخرى مشاهد من فيلم «ماتريكس».

طفلا الدريشة

وترتسم بعفوية ابتسامة واسعة على وجهه لدى مطالعته للجدارية على زاويتي المبنى المقابل والتي تصور طفلة وطفلاً بالزي التراثي التقليدي وهما يحاولان اختلاس النظر من خلال «الدريشة» التي رسمها الفنان الفرنسي سيث بواقعية مدهشة، كأنها جزء من حكاية شعبية. أما «الدريشتان» من وحي العمارة التقليدية فتوحيان للوهلة الأولى بأنهما جزء من المبنى، وما زاد من جمالية العمل ليلاً الإنارة الخافتة المنسابة منهما لتضيف بعداً ثالثاً لعمق متخيل. ويرحل الزائر ببصره إلى عالم البحر مع الفنانة الروسية جوليا فولسوكوفا وبحارها العجوز الذي يجدف بقاربه باتجاهه، لتستمر رحلته وصولاً إلى جدارية صور خلالها الألماني كيس ماكلين يديّ صياد معروقتين وهما تحيكان شبكة الصيد.

تطريز وكوفي

وما إن يلتفت الزائر إلى الجهة المقابلة حتى يعود إلى زمن الحاضر مع جدارية فنية شكلت مشهداً زخرفياً لكامل واجهة المبنى التي تبدو من بعيد كالموزاييك، ليدرك متى اقترب منها أن «كان» الفرنسي رسم جداريته كما التطريز مستخدماً أسلوب التنقيط في تشكيلات تصميمه. وتتجلى بجانبها جدارية تجمع بين الرصانة ومهابة اللون الأزرق والتي استلهمها الفرنسي لاتلس من الخط الكوفي.

الأطفال السبعة

ويعود الزائر إلى عوالم الطفولة وجمالياتها مع الجدارية التي تجمع بين العديد من الدلالات، والتي يصور فيها الليتواني إرنست زكاريفيتش ديناميكية حركة سبعة أطفال إماراتيين يركضون بمرح خلال لعبهم، ليعكس جري الأطفال باتجاه واحد، وحدة الإمارات السبع وتطلعاتها المستقبلية.

ويتوقف الزائر مجدداً أمام جماليات جدارية تعكس خصوبة مخيلة الفنان وإبداعه، والمتمثلة في خريطة الإمارات التي رسمها البولندي الذي يطلق على نفسه لقب «1010»، بأسلوب غير تقليدي معتمداً ألواناً تراوحت تدرجاتها بين حيوية عمق زرقة البحر وخضرة الطبيعة وصفرة الرمات.

نخلة ممتشقة

وتستمر الرحلة وصولاً إلى نخلة ممتشقة على جدار بأكمله، حيث يتسلقها رجل بزيه التقليدي كي يقطف التمر. وتكمن جمالية عمل النرويجي مارتين واتسون، في انعكاسات رماديات الظل والنور على الجذع والعامل، ليرسم سعف أوراقها من حروفيات خضراء.

إماراتيون مبدعون

تستمر رحلة الجداريات وصولاً إلى مقر «متحف الاتحاد»، والتي جمعت أعمالاً لثلاثة فنانين إماراتيين شباب هم: أشواق عبدالله التي رسمت جداريتين بأسلوب واقعي، وجمعت في إحداهما بين الشيخ زايد والشيخ راشد، طيّب الله ثراهما. أما ميسون آل صالح فاستلهمت جداريتها على واجهة مبنى بأكمله من طوابع الإمارات لمعالم تاريخية وتراثية. كما برع حمدان بن بطي الشامسي في رسم جداريته التي استوحاها من الفولكلور الشعبي، وتجلت جماليات عمله في تكوينه الجامع بين ما يشبه «جواباً وقراراً»، فمن جهة فريق الإيقاع بدفوفه الذي يقابله راقصو «العيّالة»، كما ساعد أسلوب رسمه بما يشبه تأثيرات قلم الفحم في إعطاء عمله صبغة تاريخية.

تقنيات

بهدف التعرف على تقنيات هذا الفن التقت «البيان» مع القيّم المعني بهذا النوع من الفنون والذي يتواصل ويعمل مع أكثر من 300 فنان متخصص حول العالم. يقول روم ليفي الشريك في غاليري «ذا ماين» بمنطقة القوز: «يتطلب رسم جداريات الشوارع، تقنيات وأساليب تختلف عن الفنون الأخرى والتي يمكن تعلمها باكتساب الخبرة، فتأسيس لوحة جدارية يتطلب طبقات عدة من الألوان كي يتم إظهارها.