ليس خافياً على المراقب، اللصيق بحركة الثقافة العربية، في عقودها الأخيرة، رصد خسرانها لأحد أهم روافد المعرفة إطلاقاً منذ فجر البشرية.. الفلسفة، فقد انسحبت من المشهد تدريجياً منذ رحيل زكي نجيب محمود ومن تلاه من أسماء حاولت أن تسهم بما تستطيع لاستدراج المعطى الفلسفي نحو مركز التفاعل الثقافي لمجتمع الانتيليجنسيا، الواسع والأقل صفوة، من أجل تحقيق فهم أفضل لظواهر وجودنا وطوارئ حياتنا.

وقد استمر هذا الانحسار حتى غدت نتاجات الثقافة العربية في الآونة الأخيرة أكثر ميلاً صوب الغنائية الوجدانية وباتجاه النزعة المادية concrete وفقدت الانشغال بمخرجات العقل المجرد abstract ومزايا رصده للظواهر والتعمق في تفسيرها بحثاً عن "الحقيقة".

سوف لن نذهب إلى تخوم المجازفة بالقول إن بنية المنتج الثقافي الراهن، خاصة بين يدي الشباب الذين برزوا في الألفية الثالثة، تكاد تكون انطباعية، وخالية من الدسم الاستقصائي العميق الذي يمكن أن نلتمسه مثلاً ضمن ثقافتنا العربية إبان فتوتها عند أبي حيان التوحيدي «صاحب الإمتاع والمؤانسة» أو عبد الجبار النفري «صاحب المواقف والمخاطبات» أو ابن سينا «صاحب الإشارات» الإشراقية أو لاحقاً جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة... ولكن بالمقابل سوف لن نبالغ أبداً إذا قلنا إنه لا توجد اليوم عناية عامة بالفلسفة كاجتراح معرفي أساسي وركن ركين في نسيج أية حياة ثقافية تتسم بالعافية.

ليست الآيديولوجيا

وينبغي أن نقول فوراً إننا لا نعني تبني الآيديولوجيا وتوظيفها للنقد الاجتماعي واتخاذ المواقف على أثرها، وهذا هو ديدن الحراك الثقافي وركيزته منذ الستينات حتى نهاية الألفية الثانية، ولكننا نقصد إعمال الفكر المنطقي والتحليلي المجرد، الصادر عن وعي وتأسيس معرفي. فالفرق بين الفلسفة والآيدولوجيا كبير، وكذلك الفرق بين المفكر والفيلسوف.

تالياً في هذا الملف، نسعى إلى اختبار علاقة ساحة الإمارات الثقافية بأدوات الفلسفة، وبنزعة الانشغال بها، واستدراجها إلى طوايا المنتج الثقافي تحصيلاً لفرادته وأصالته التي تستبقيه عبر الزمان وتنداح به عبر المكان.

 ومن نافلة القول أن نلفت النظر نحو الفرق الصريح بين فحص المجتمع الثقافي، ولو نسبياً، بتجربة فلسفية عملية «وهذا هو الجديد هنا» وبين ضخ مادة فلسفية منجزة، فقط بغرض استهلاكها من جانب المتلقي كما تفعل الصحف والمجلات عادة.

لقد كتب لنا أستاذنا، فيلسوف الساحة علي أبو الريش، مقالاً ضافياً يحتفي خلاله بضرورة الفلسفة، ويقدح فيه إهمالها والاستخفاف بها، مع أنها مصدر كل المعارف وأمها قاطبةً، حيث تناسلت من نبع الفلسفة العلوم كافة بما في ذلك الطب والهندسة والفيزياء.

ومن جانب آخر، طرحنا سؤالاً فاحصاً للمكنون الفلسفي لدى بعض مبدعي الساحة، على سبيل المثال، حتى نقف على مكانة الفلسفة والقدرة على تحمل مسؤولياتها من جانب المشاركين.. سألناهم ببساطة: ما هي الحياة في نظركم؟ وهل علاقتها شرطية بالزمان وفيزيولوجيا الجسد بما في ذلك العقل؟، هل نصنع نحن حياتنا أم نتعاطاها فحسب؟ ومن هو الحي؟.. الخ، فكانت الحصيلة التالية..

سؤال آخر

عن ماهية الحياة والفرق بينها وبين العيش تبتدر تجربتنا الفلسفية الميدانية الأديبة شيماء المرزوقي فتقول: الإجابة عن هذا السؤال تخلق سؤالاً آخر، هو هل نحن أحياء حقاً؟ يمكن لعلماء الأحياء أن يبادروا بأن الحياة عبارة عن سلسلة من الانقسامات الخلوية «نسبة إلى خلية» التي شكلت وجودنا، ويمكن لعلماء الفيزياء أن يخبروك أن الحياة بدأت من تحول الطاقة من شكل لآخر، وعلماء الفلك سيأخذوننا للانفجار العظيم وتكوّن المجرات ويخبروننا بأننا نتكون من غبار النجوم.. ورغم أن هذه النظريات العلمية حية بيننا، إلا أنها لا تجاوب عن سؤال ماهية الحياة.. ربما نعرف كيف خلقنا ومتى وكيف. وندرك كل التفاصيل الفيزيولوجية التي تبقينا أحياء، ولكن هذا لا يجاوب عن السؤال «ماهي الحياة»؟

اختلاف جذري

لكلمة الحياة مرادفات عند البعض، مثل العيش والبقاء، ولكنها تختلف اختلافاً جذرياً عنها، إن البقاء هو العامل الذي يجعلنا متواجدين متوجسين وهاربين من الموت ونسعى دوماً إلى أن نبقى بأمان، البقاء غريزة، يتشاركها البشر والحيوانات، غريزة تدفعهم ليستهلكوا كل فرص العيش على الأرض حتى لو فقدوا السبب لذلك، حتى لو فقدوا الشغف للحياة.. تجد بعض البشر يقتات - في وجوده - على غريزة البقاء، تجده موجوداً، متحدثاً وفاعلاً، ولكن هل هذا يعني أن هذه هي الحياة؟ لا أعتقد ذلك! الحياة ليست بأي شكل من الأشكال البقاء.. الحياة هي السبب الذي نجده في أنفسنا لنجعل من هذه الغريزة مصدراً للسعادة وليس البؤس.. كثير من الأمراض العقلية تنشأ عندما يصل الإنسان لحالة يفتقد فيها للسبب الذي يعيش لأجله، يفتقد للحياة، فينتهي به المطاف سائراً في هذه الأرض بدون أي وجود معنوي ودون حب وشغف.. إن الحياة هي التي تجعل لغريزة البقاء لدى الإنسان هدفاً وطعماً. وتجعل منه روحاً وعقلاً وعاطفة بدلاً من جسد مستهلك وفان.

وتمضي شيماء قائلة: هناك عمر فيزيولوجي وعمر سايكولوجي. العمر الفيزيولوجي تمثله التغيرات الطبيعية التي تحصل في أجسادنا، حركة الخلايا والدم والمعدة ونبضات القلب وتبدل طبقات الجلد، جميعها محسوبة ضمن العمر الفسيولوجي الذي يحكم عمل جسد الإنسان.. ولكن مسيرة هذا العمر لا تعكس الحياة.

العمر السايكولوجي

العمر السايكولوجي يسهل شرحه عند شيماء عن طريق هذا المثال، أحياناً نقول إننا عشنا يوماً طويلاً وأحياناً نقول إن اليوم مضى بسرعة شديدة، وعندما نعبر عن مدى قصر أو طول اليوم نجد البعض يتفق أو يختلف.. في الواقع اليوم مجرد 24 ساعة في كل مكان في العالم وعند أي شخص بدون أي استثناء ولكن العامل الذي يجعله طويلاً أو قصيراً هو استقبالنا النفسي لهذا اليوم وتعاطينا معه.. الأيام المليئة بالأحداث تعتبر طويلة والأيام الرتيبة الروتينية تعتبر قصيرة..

وتضرب شيماء مثلاً بابن سينا الذي سُئل مرة عن كيف يريد أن يعيش حياته فقال إنه يريدها قصيرة ومليئة، هذا يعني أنه يريد لعمره أن يكون قصيراً فسيولوجياً وطويلاً سايكولوجياً، لأنه يجد أن لا مغزى أن يعيش المرء حياة طويلة خالية من المغامرات والقصص والأحداث والخبرات والمواقف والطموحات، لا يوجد مغزى في أن ينبض القلب للفراغ والعدم ونجعل من وجودنا مسيّراً ومُقاداً. وأجد أنني أتبنى هذا الرأي.

صناعة الحياة

ثم تتساءل نصنع نحن حياتنا أم نتعاطاها فقط؟ وما سر جاذبيتها وهل هي تنمو وتشيخ معنا ؟ فتجيب: يقول الروائي العالمي أوسكار وايلد: من أندر الأشياء في العالم أن تعيش، فمعظم الناس يتواجدون فقط.

هذا يعني أن الحياة، قد تكون فينا وقد لا تكون.. العمر الذي يمضي والزمن الذي ينقضي لا يعني بالضرورة أننا نعيش الحياة.. في الواقع نحن من نصنعها في أنفسنا مستغلين كل قدراتنا الذهنية والنفسية، نصنع حياة لا تشيخ مهما كبرنا وتقدم بنا العمر، لذلك تجد كثيراً من كبار السن مفعمين بالحيوية والتفاؤل أكثر من المراهقين والشباب.. الحياة مفهوم نصنعه ونعيشه ونتفاعل معه.

ولكن هل الكائنات الحية وحدها هي التي تعطي الحياة وتتعاطاها أم أن الشمس والأحجار الكريمة وغير الكريمة شريكة في مؤسسة الحياة؟

تقول: رغم أن هذه الجمادات غير حية، فإننا نجدها ترتبط بشكل وثيق مع مفهوم الحياة. فالشمس تجعل الحياة على كوكب الأرض ممكنة، والأحجار كالرخام والمرمر جعلت من بلاط البيوت وأسقفه فناً جميلاً نابضاً ومؤثراً صنعه الإنسان الذي وجد في هذه الأحجار الصماء إلهاماً يدفعه للتفنن والعمل.. نفس الأمر ينطبق على الكاتب الذي يتفاعل وينجذب مع نصه، رغم أنه ليس سوى حبر على ورق. والمزارع الذي يسعى بكل قوته ومجهوده، لحرث الأرض وحصد المحاصيل وقطع النباتات الضارة.

رحلة الوعي

التشكيلي ناصر عبد الله، رئيس مجلس ادارة جمعية الإمارات للفنون التشكيلية، يبدأ رصد وتقصي فكرة الحياة بدءاً من نشوء ظاهرة الإنسان، فقد رافق خلق الإنسان خلق الزمن، بالإدراك البشري له، فيقول إن لكل مخلوق مفهوماً مختلفاً تجاه الزمن، وكذلك إدراك مختلف له، تقول بعض الدراسات إن الذبابة مثلاً عند محاولتنا إشاحة يدنا إليها ترى هذه الحركة أبطأ من مما نراها، بمعدل النصف، أي أن الزمن عند الذبابة أبطأ من الزمن لدى البشر، لذلك فهي قادرة على الهرب في أغلب الأحيان بدون جهد يذكر، «وبالتالي فعمرها القصير بالنسبة إلينا، هو مضاعف بالنسبة إليها»، هكذا فإن بداية الزمن لدى البشر هو بداية للحياة، فهي العمر الافتراضي للبشر.

نحن كبشر، وبشكلنا المستقل، لدينا أعمار محددة في هذه الحياة لنعيشها، تبدأ بالميلاد وتنتهي بالوفاة، ولدينا مهمة محددة هي عمارة الأرض لتستمر عليه حياتنا بأفضل أسلوب وبأفضل طريقة، وكلٌّ محاسب على ما منح من عمر، وما قدم لتحقيق عمارة الأرض. هنا تكمن أغلب تحديات البشرية... يقول الشاعر الفيلسوف:

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله

وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم

يقف الإنسان أمام تحدٍ لاتخاذ قرار صعب، فإما أن يعيش على هامش الحياة، توجهه أينما شاءت ومتى شاءت، وهو القرار السهل، فأتباع هذا القرار هم أناس عاديون، يرون الحياة بسيطة، ويجب أن يعيشوها بكل ما فيها من متع، وأهدافهم الشخصية تظهر على شكل مقارنات مع الآخرين، وفي مجالات أغلبها مادية واستهلاكية.

ويشير ناصر إلى نظرية إبراهام ماسلو «هرم الاحتياجات البشرية» فيقول عن هذه النظرية إنها تعد من أكثر النظريات قرباً إلى الواقع من خلال تطبيقها المستمر، ويبدو أن الفئة السابقة الذكر تصل للمستوى الرابع من الهرم خماسي الطبقات، وهو مستوى الحاجة للتقدير.

العيش بوعي

يذهب ناصر عبد الله إلى أن هناك قراراً صعباً يواجهه الإنسان في سبيل تحقيق حياته، والقلة هم المستعدون للتضحية باتخاذه ويتمثل في العيش بوعي، يقول: هذا القرار هو رحلة صنع مسيرة حياة للإنسان، فعملية الوعي تبدأ بمجموعة أسئلة، لكن أهمها ماهو متعلق بالنفس، وما هي قادرة عليه والتي تبنى عليها الأهداف الشخصية والتي يجب أن تربط بوعي مع الأهداف الكونية وما نختاره بوعي من أهداف المؤسسات كالدولة والدين والفلسفة والسياسة وغيرها، هذا الوعي باختيار التشارك في الأهداف هو الرافد الحقيقي لتطور البشرية والشعوب، فالعمل الفردي لن يجدي في عالم يضم هذا العدد المهول من البشر والدول لن تحقق أهدافها ما دامت أهدافها مستقلة عن أهداف شعوبها.

البحث عن الذات

أعتقد أن الحياة رحلة تبدأ بالبحث عن الذات لإدراك ماهيتها، وغالب نتائج هذه الرحلة هو توظيف لقدرات الفرد بعد التعرف عليها في المكان المناسب لتحقيق أكبر قدر من المنفعة للذات وللبشرية هذه الرحلة تستهلك الكثير من الطاقة والجهد والوقت إلا أنها ترسم حياة الإنسان فكل تجربة وكل نجاح وكل فشل في هذه الرحلة هي نقطة في مسيرته وبوصل مجموع النقاط تكتمل الرسمة.

هذه الرحلة هي محاولة لخلق الوعي وخلق الوعي يحتاج إلى مجموعة من المكونات أهمها إيجاد المعرفة فالقراءة والبحث والممارسة والتأمل والتفكر في التجارب وفي دروس الحياة والتحديات التي تواجه الإنسان هي التي تمكنه من إيجاد الوعي اللازم لممارسة الحياة بالشكل الصحيح والتي ستجعل منه الشخص المؤثر والمتأثر بالحياة ولن يسقط في فخ المنظومات التي تشكل التفكير الجمعي على الرغم من استفادته مما تفرزه هذه المنظومات، ولكن بوعي يبعده من الانجرار خلفها.

وبتطبيق نظرية ماسلو آنفة الذكر، على الفئة الواعية، نجد أن هذه الفئة تصل إلى المستوى الخامس «قمة الهرم» وهو مستوى إدراك الذات والتقدير الذاتي للنفس واحترام قدراتها.

عناء السكة

مؤلفة الموسيقى والكاتبة إيمان الهاشمي، تتخذ مدخلاً مختلفاً للتفلسف إذ تلحظ أن: البعض يعيش ميتاً، والبعض الآخر من الناس قد يموت حياً، كأن يموت مدى الحياة، أو يعيش مدى الموت، وكما نعلم جميعاً فإن «سكة الحياة» ليست من الحديد، وإن كانت «سكة الحديد» جزءاً من الحياة.

لذلك تقترح ايما ألا نضيّع حياتنا على ما مضى، لكن لنتعلّم جيداً ممّا انقضى، فمن الجميل أن نرى الحياة جميلة وذات معنى، والأجمل أن نجمّل حياة الآخرين معنا، لأن الحياة لا تستحق عناء الموت، والموت لا يستحق عناء الحياة.

وتتمنى إيمان أن نبتسم لحياتنا، وليس للصورة، حتى وإن لم تبتسم لنا الحياة، كي نفرح بحياتنا وليس بالصورة وإن ابتسمت لنا الصورة.

الحياة هي موسيقى الوجود والفلسفة صداها، الوجود نفسه تعبير فلسفي، لأن لكل شيء فلسفته التي يتأسس عليها وجوده، تلك الفلسفة هي بشكل ما حياة هذا الشيء.

فرصة مع الزمن

بالنسبة للأديبة عائشة العاجل فإن الحياة هي منحة الله للإنسان، وامتحانه فيها بالعيش، وقدرته على الاستمرار والبقاء بالطريقة التي ينتهجها وفق الإمكانات المتاحة والخيارات الممنوحة، والفرق بينها وبين العيش أو البقاء، هو أن الحياة نقيض الموت، ولا خيار لنا فيهما، أما العيش والبقاء فهو ما نمتلكه من حكمة لتصريف الحياة والعيش فيها وفق ما نرتضيه لأنفسنا ووفق المتاح. ولو افترضنا أن الحياة فسحة فإن العيش هو المسارات والطرق التي نختارها في تلك الفسحة الممنوحة لنا دون اختيار.

وعن العلاقة بين الحياة والزمن تقول عائشة: هي علاقة طردية ترابطية، بمعنى أنه بما أن هناك حياة فإن دوران الزمن والتاريخ والعمر في تواتر مستمر ومطرد معها إلى أن تتوقف في لحظة الموت الذي يتوقف عنده عداد العمر والزمن ويبقى التاريخ أثراً.

صناعة الذات

نحن نتعاطى الحياة بحكم أننا نعيش بها أحياء ونتعايش بها مع الأشياء والبشر ونتمكن من صناعة ذواتنا التي تتشكل مع المحيط ومع ما تمنحنا به الحياة من فرصة تتماهى مع الزمن فتشكلنا كل حين بشراً نتماشى ونُحاكي ما يحيط بِنَا نسكنه ويسكننا.

سر جاذبية الحياة في نظر عائشة العاجل يكمن في ذلك الغموض الذي لا يفسر في بدئها ونهايتها، وغالباً ما تنجذب للفضول الذي يقودنا لنكتشف مكنوناتها وأسرارها، فنتعاطى معها برغبة وخوف، نتعلق بها حد الرغبة في الخلود، وكأنه لا نهاية لها، وننسى أن «كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام»، هي فعلاً فكرة رائعة أن تمنح فرصة اختبار واحدة لا تدري متى تنتهي مدتها وتعي جيداً أن الذي يختبرك بها لطيف خبير، ومطلع على سرك وجهرك وأنت تُمارس دورك وتؤدي واجبك وتمضي في استكشاف عالمك كطيف جميل ويبقى حلمك وواقعك عالمك الخاص الذي لا يمكن لأحد أن يشابهك فيه، فلكل إنسان بصمة خاصة وحياة متفردة، هو وحده من يشكلها....

كل الكائنات والحجر والبحر والأمواه والكواكب والنجم لها حيواتها حيث تعيش وتموت ولله وحده البقاء، وحياة الكائنات عوالم خاصة وفي القرآن الكريم قصص للنجم والنمل وغيرها حتى الحجر والجدار.

رحلة صراع

الفنانة التشكيلية د. نجاة مكي تنظر إلى الحياة بوصفها صراعاً مع متناقضات كثيرة، يمر بها الإنسان خلال رحلة البقاء، ولكن الفرق بينها وبين مجرد العيش أو البقاء فهو واضح وكبير، تقول: حين أعيش بلا أمل أو طموح أو تطوير للذات، فإن حياتي تصبح غير مجدية، ولكن وجودي في حياة مليئة بالطموح والإنجاز والتغلب على الصعاب وصولاً للنجاح تختلف كلياً، لأن بها نتيجة كفاح من أجل البقاء ومواكبة لما يحدث حولي من تغير.

نحن نصنع حياتنا حسب ما نبذله من جهد وكفاح، وهذا لا يتنافى مع العمر، لأن هناك طاقة إيجابية، والعمل الإيجابي يتزايد ويتجدد على مدى مراحل العمر.

عناصر الطبيعة كلها من أشجار ومياه وجبال وأنهار وصخور وغيرها تشارك الإنسان وتمده بالطاقة والحياة وحتى الأحجار الكريمة بها خاصية فريدة لفتح مسارات الطاقة ولذلك فهي شريكة في مؤسسة الحياة.

وكفنانة تشكيلية تضيف الدكتورة نجاة مكي: أستطيع أن أقول إن مسألة فهم ماهية الحياة والعلاقة بها تعد ذات مكانة خاصة في الفن التشكيلي، باعتبار أن هذا الفهم هو وسيلة تعمل على استثارة الفنان لكشف المضامين التشكيلية التي يحويها، حيث يؤكد المفكر الإيطالي ( بنديتوكروتشي) أن أي موضوع يمكن أن يصبح فناً، لأن الفنان بعد أن يتأثر به، يجعله كذلك، أي أنه لا بد للفنان من شيء يحرك حياته في العالم الخارجي، وأن يملأ ذلك الشيء روحه، ويجعله يحس برغبة في التعبير عنه. والمقصود بالموضوع هنا الفكرة أو المادة التي يتناولها الفنان محوراً لعمله الفني، في أي عصر، وفي أي مكان، مع الأخذ في الاعتبار التغيرات والظروف المحيطة، وهذا سيعني التفاعل مع مكونات الحياة وشركائها ضمن مؤسسة الحياة المستمرة.

نكتبها ونمحوها

الشاعرة ربا شعبان تقول: نحاول أن نكون سطوراً فقط في ذلك المؤلف الكبير المسمى الحياة، سطوراً نكتبها وتكتبنا، نمحوها وتمحونا...لكن أحداً لا يعرف الرواية كاملة، فالرواية الكاملة في ذمة القدر، الرواية كاملة هي ما يكتبه الله لنا وعلينا، إنما الحياة تلك المنحة المحنة، علينا أن نتقبلها كما هي وأن نرتديها كل صباح، نتزين أمام مرايا العمر فنتعطر بالحب نسرح أفكارنا ونضع يداً في جيبها، ونشكرها على كل شيء، رغم أننا نعرف أن جيوبها مثقوبة عادة وفي النهاية لن تحتفظ لنا بالكثير، الحياة أن نتحلى بالامتنان لكل شيء، أن نكون أثرياء دوماً بخساراتنا الباهظة و بأرباحنا الفادحة، بخطواتنا وعثراتنا معاً، ونرضى ونصبر ونشكر،الحياة أن نصادق ذواتنا ونتصالح معها، وأن نكون لحناً متناغما مع سمفونية الأشياء من حولنا.

كل شيء من حولنا له حياة الزهر والشجر والحجر والطير والشمس والأفلاك والفضاء، وإلا فبم تفسر هذه الدقة اللامتناهية في فيزيائية وكيميائية الكون؟!. الحياة أن نكون هنا وننصت لحكاية ما قبل النوم جيداً قبل أن ينطفئ ذلك المصباح المتوقد في صدورنا ونسلم أنفسنا للغفو الأبدي.