عندما تزدهر الفلسفة، تخرج الإنسانية من خلف الدخان الأسود، إلى نقاط الضوء، ولولا فكر كوبر نيكس، حول مركزية الشمس للكون، لظللنا نعيش أوهام الكتلة الأرضية المحورية، وصحيح أن الرجل أُحرق لأنه حطم تابوها جوهرياً ولكنه حقق نصره على الوهم وأصبحت نظريته هي الحقيقة.
هذا الكائن البشري المزدحم بالأفكار المسبقة يخشى اللحظة الراهنة فيلجأ إلى حزنه التاريخي يذهب إلى هناك محملاً بأوزار عقدة النقص التاريخية، فكم هو مريع وفظيع أن ينظر الإنسان إلى هذا الكون الفسيح ويجد نفسه ضئيلاً هزيلاً لا يساوي شرارة نيزك واحد محطم، فماذا يفعل هذا الإنسان غير أنه يختبئ وراء الدين ليخفي عيوبه التي لا يريد أن يراها. أما الفلسفة فهي عنصر المكاشفة والإفصاح عن ذلك المكنون ليصبح الإنسان كما هو لا كما يريد.
ومن هنا يبدأ الصراع ما بين عقل تعرى من الخديعة وعقل زيف الحقيقة كما اقتحم منازل الدين ليصبح الدين مثل قشرة السلحفاة تغطي ولا تحمي من أنياب الضواري. ولو لم يفكر رجال الدين بالذات المحورية وفكروا بالذات الكونية لوجدوا أن في الفلسفة منطقة معشوشبة بأزهار يانعة تعطر معطف العقل وتجعله يمضي بأشواق العشاق نحو الدين الحقيقي، الذي هو العقل الصافي كما قال أفلاطون.
ولولا الفلسفة لما استراحت أوروبا من حروب استمرت قروناً من الزمن، ولولا الفلسفة لما جاء عملاق فلسفي مثل روسو الذي أطلق (عقده الاجتماعي) ليلهم أوروبا السكينة والطمأنينة بعدما انتصر العقل على النقل. والآن ونحن نمر في أسوأ أزماتنا الاجتماعية والنفسية والسياسية، كم نحن بحاجة إلى الفلسفة كي تطلق عقال العقل وتزيح عن الطريق فوضى الفتاوى والدعاوى.
كم نحن بحاجة إلى عقل الفلسفة كي نطرد الدخان الأسود من ديار العرب التي أصبحت موطناً للدواب والهوام، ومرتعاً للأوهام. عندما تغيب الفلسفة تحضر الخرافة وعندما تهيمن الخرافة يصبح الكون موطئ قدم للأقنعة.
لماذا يضع الإرهابي القناع الأسود عندما يهم بنحر ضحيته؟ لأنه ما من حقيقة تلزم التصرف الإرهابي، ولذلك يضطر لوضع القناع لأنه تعبير واضح عن الزيف الذي يقوم به. ألم يقل الله لنبيه موسى (اخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى) في هذه الآية دعوة للتعري وتصفية النفس من الملوثات العقلية، ومن الرواسب المرضية؛ والإنسان الذي يريد أن يواجه الواقع إذا لم يكن صافياً فإنه سيذهب إلى الآخر ليس بوجهه وإنما بوجه القناع.
والإنسان عندما يكون خزان ماء لا بد وأن ينضح بالضحالة، أما إذا كان شلالاً فإنه سيصب في قاع الأرض ماء نقياً، هذه هي الفلسفة؛ إنها شلال وهي متحركة باتجاه العالم، متأملة مزملة بالحب، وعندما يقف الفيلسوف أمام الكون متأملاً، فإنه يمارس عشق التداخل مع هذا الكون مثلما يفعل العاشقان ساعة التماثل في الحب لينجبا كائناً آخر بصفات الوردة اليافعة.
فلا تتصور علاقة كره أو أنانية تنتج غير القبح وهذا ما نراه في التزاوج ما بين الإرهاب والدين فإنه يسفرعن الموت والدمار.
يقول الحكيم الهندي (أوشو)،يجعلك الحب حقيقياً ومن دونه ستبقى مجرد خيال وحلم لا يحتوي أي جوهر، إنه يمنحك الجوهر والنزاهة ويجعله متمركزاً ،لكنه نصف الحلة فقط وعليك أن تكمل النصف الأخر من خلال الوعي والتأمل .

