كانت الساعة تشير إلى الخامسة والنصف ، وها هو يخرج من الحمام مسرعاً ليرتدي ملابسه، احتار أيلبس القميص الأزرق أم الأخضر، حتى نثر جميع القمصان في الحجرة. دخلت نيتا وكادت أن تجن، كل ما في الحجرة مبعثر، والألم يعتصر فؤادها ولولا حاجتها للمال لتركت العمل، فأخذت ترتب الحجرة والدموع تترقرق من عينيها.
في مقهى الحي يعمّ الضجيج والضحك جلسة الشباب، الأحاديث مختلطة ما بين جدّ وهزل، كان أحمد ينتظر رفاقه ولكنهم تأخروا. دخل عليه ياسر وهو مسرع يتنهد ليعلمه أن الرفاق تعرضوا لحادث مؤلم وجميعهم قد فارقوا الحياة . تألم وعاد مسرعاً للمنزل فغفل ونام، وبعد ساعة من نومه سمع صوتاً يناديه «أحمد أفق من نومك».
فتح عينيه، فأخذته الدهشة لوجود رجل لا يعرفه كبير السن يبدو عليه الوقار، سمح الوجه، مبتسماً يرتدي رداء عربياً ولكنه يوحي بالعصور القديمة فسأله أحمد والخوف يتملكه: من أنت ؟ فقال الرجل : أنا رجل من العصر الجاهلي، جئت لآخذك معي في رحلة جميلة، لترى كيف كنا نعيش يا بني.
أحمد : لا أريد أن أموت.
الرجل : يا بني لم أقل لك إنك ستموت وإنما ستذهب معي في رحلة.
ذهب أحمد والخوف يملؤه ، والتساؤلات تحيره في أمر هذا الرجل ؟ ولماذا جاء ليأخذني معه ؟ وظل حائراً حتى وصل إلى بيت قديم جداً، وقبل دخولنا للمنزل جاء ولد الرجل وهو يصرخ «أبي جارنا اليهودي وقع من فرسه وكُسرت قدمه» فخرج الرجل مسرعاً ... وعندما وصل إلى اليهودي وجده يصرخ خائفاً «ابتعد يا حاتم، أتريد قتلي» فطلب حاتم من اليهودي أن يهدأ كي لا تزيد آلامه ، فحمله إلى المنزل. فقلت في نفسي أيعقل أن يكون هذا الشخص حاتم الطائي ، شعرت أن خوفي قد تلاشى وتحول إلى فضول لمعرفة قصة حاتم .
طلب حاتم من ولده أن يذهب ويحضر الطعام وقام هو بعلاج قدم جاره بكل حب وود. خرجت خلف ابن حاتم وقلت له : «لماذا اليهودي يخشى والدك ». قال :إنه كان يؤذي والدي دائماً، فلذلك هو يخشى أبي ؛ فهو لم يعرف من هو أبو عدي، «وذهب .... ثم دخلت ووجدت حاتم يمسح على وجه اليهودي ويغسل يده ثم دخل ولده بالطعام وأخذ يطعمه.
فتعجبت لكرم أخلاقه . وقلت في نفسي «إذا كان هذا هو حاتم الطائي ، فكيف بالذين عاشوا عصر السماحة في الإسلام . وبعد مدة شفي اليهودي الذي ظل يبكي ويطلب الصفح . فقال له حاتم «أنا سعيد لأن الكره تبدل إلى حب» وخرج اليهودي مودعاً. التفت حاتم وقال حان دورك يا أحمد أن تعود إلى منزلك وأتمنى أنك فهمت لماذا جئت إلى عصرنا،فودعنا بعضنا والدموع تنهمر.
وفجأة صوت أمي يملأ المكان فكانت تدق باب الحجرة وهي تصرخ «أحمد ، افتح الباب» فقمت مسرعاً وفتحت الباب . واحتضنتني أمي وسألتني لماذا لم أفتح لها الباب ، فلم أجد جواباً. وطلبت من نيتا أن تأتي وسألتها لماذا جاءت لتعمل وأخبرتني أنها تعمل لمعالجة أمها المريضة.
فذهب أحمد إلى خزانة ملابسه وأخرج مبلغاً من المال وأعطاه إياها ، خرجت والدموع تنهمر من عينيها غير مصدقة، أيعقل أن يكون أحمد إنساناً إلى هذا الحد وهي لا تعلم؟ فتح خزانة ملابسه واحتار هذه المرة كيف يشكر الخادمة.
* كاتبة إماراتية

