
تتبدى أهمية القراءة في حياة الإعلامية الإماراتية حليمة الملا انطلاقاً من كونها مفتاحاً للمعرفة، وباعتبارها أهم وسيلة للحصول على المعلومة، وأساس المعارف في المجالات كافة، إذ تجدها أساساً وسبباً لتقدم الأمم ونشأة الحضارات ورقيها، وخير شاهد، كما تبين، هو تفوق أوروبا ودول الغرب وحتى البوذيين في اليابان، بينما تراجع المسلمون، وهم من جاء في كتابهم: القرآن الكريم، تأكيد قيمة القراءة وضرورة الالتزام بها.
تضيف حليمة الملا: «لا يستطيع أن يهجر الكتاب والقراءة من عشقهما وهام بهما، كما قال الخليفة العباسي المأمون بن هارون الرشيد، فإن القراءة نزهة في عقول الرجال، وتجربة ممتعة لا يكاد يهجرها من سحرته الكتب وهام بالمؤلفات وعشقها، فهي سميره وحديثه ورفيقه ومحور حديثه وموضوع اهتمامه».
ولد حب القراءة لدى حليمة الملا، منذ أن بدأت تتعلم حروف الأبجدية عند التحاقها بالكتاتيب وشروعها في التعلم على يد المطوع، حيث لم تكتفِ بتعلم القرآن الكريم، بل أتاح لها حب والدها للقراءة الاطلاع على مختلف العلوم ونهل المعرفة من الكتب التي كان يشتريها، رحمه الله، أو يستعيرها من مكتبة وزارة الإعلام آنذاك، إذ عُرف عن والدها حبه للقراءة. وتبين أنه كان حريصاً على القراءة لها قبل أن تتعلم القراءة، وهو ما ساعد على أن تتسع مداركها المعرفية في سن مبكرة، وكانت خلال أيام دراستها تخصص وقتاً للقراءة وحتى خلال مرحلة الامتحانات، لكن كانت تقلل الوقت المحدد للقراءة خلالها. وتؤكد حليمة أنها تفضل الكتاب الحر على المنهج الدراسي، إلا أن هذا لم يؤثر في تحصيلها الدراسي، فبقيت تحصل دائماً على مراكز متقدمة حتى تخرجها. وأمدها هذا الاطلاع الثقافي المتراكم، بفضل القراءات الكثيرة، بالقدرة على مناقشة والدها في مختلف القضايا التي كانت تتطرق إليها، لا سيما بعد التحاقها بالعمل في الصحافة.
لم تحذُ حليمة حذو والدها فيما يتعلق بالقراءة، ولم تسر على النهج نفسه، فهي لا تنكر أنه ليس كل أبنائها لديهم حب القراءة، برغم حرصها في طفولتهم على اصطحابهم إلى الفعاليات والأنشطة التي تركز على قيمة القراءة، للاستفادة من الورش التي تقدمها بعض المراكز، وذلك خلال مرحلة عملها في الإعلام، فعوضاً عن ترك أبنائها في المنزل كانت تحرص على اصطحابهم معها، سواء إلى الفعاليات أو إلى عملها، وتشجعهم على القراءة للاستفادة برغم ذلك، إلا أن وسائل التواصل الاجتماعي والتطور التكنولوجي سحبت البساط من الكتاب الورقي، ولكنها لم تقض عليه، فخسر الكتاب الورقي الكثير من القراء، لكن يبقى للكتاب نكهة خاصة يعشقها الكثيرون من الذين يفضلون القراءة من الكتاب.
تقضي الملا قيلولتها في القراءة التي تفضلها على النوم، وتفضل أن تمضي السهرة وهي تقرأ كتاباً، عوضاً عن مشاهدة التلفاز. وتوضح أن مشاركتها في برامج مسابقات تلفزيونية كانت الاستثمار الحقيقي لمخزون المعرفة لديها الذي استخدمته بشكل غير مقصود، حيث شاركت مع الإعلامي اللبناني جورج قرداحي في برنامجه «التحدي» الذي يختبر المعلومات العامة، وتلك تجربة تعتبرها حليمة مهمة وثرية، حيث حصلت على المركز الثاني من بين عشرين شخصاً من مختلف الدول العربية، وصوّر البرنامج في مصر، وتشير هنا إلى أن اطلاعها وقراءتها للكتب أهّلاها للفوز والحصول على مركز متقدم في تلك المنافسة، وفي برنامج «غلطة الشاطر» الذي شاركت فيه مع خمسة أفراد من عائلتها وحصلوا على المركز الأول.
200
تحوي المكتبة المنزلية لدى حليمة ما يتجاوز 200 عنوان، وحرصت على ترتيب المؤلفات فيها وتنظيمها بشكل يسهل عملية البحث والاستفادة لها ولأبنائها، فهناك مكتبة تضعها إلى جانب غرفتها، حيث تودع فيها مجموعة من الكتب التي يجب أن تنتهي منها خلال هذه السنة، بحيث تكون في متناول اليد وإلى جانب غرفتها. أما أبناؤها الشباب، فهناك مكتبة تجمع العناوين الجاذبة التي اختارتها بعناية بما يناسب أعمارهم وميولهم الشبابية، إضافة إلى مكتبة أخرى ثالثة تزين غرفة المعيشة، وتقول، في هذا الصدد، إن الناس يحرصون على تزيين منازلهم بالتحف، بينما أنا أزينها بالكتب.

«لا أميل للرواية»
المجالات التي تقرأ فيها حليمة الملا عديدة ومتنوعة، فهي لا تركز على جانب دون غيره، بل تقرأ في العلوم والتاريخ وحتى الفيزياء، إلا أنها لا تميل للرواية كثيراً، إذ لا تقدم لها معلومة، بل تعتبرها وجبة خفيفة تقدم المتعة في حبكة درامية.
وتقول إن الكتاب في السابق كانت له هيبة، أما الروايات في هذه الأيام فإن كتّابها لديهم بعض الأدبيات وعندهم ثقة كبيرة بالنفوس، لكن ينقصهم التطوير ويفتقرون إلى اللغة السليمة. وتضيف: «من الجيد أن يكون لدينا كتاب وروائيون، لكن هناك الكثير من الأخطاء التي نجدها في إصدارات نسبة غالبة من كتّاب هذه الأيام، فالبعض بإمكانه أن ينتهي من كتابه أو روايته في غضون يومين ثم يسلمها لدار النشر للطباعة، أما في الماضي فالكاتب كان يجتهد ويكد من أجل إصداره ليكون، بقدر استطاعته، خالياً من الأخطاء وذا قيمة وبلغة سليمة.
كما أن كتب هذه الأيام تشهد غلواً في أسعارها، نظراً إلى ارتفاع أسعار الورق، وتلفتك العناوين الجذابة، لكن عند البدء في القراءة تجد المضمون خاوياً، والكلمات منمقة إلا أن الأسلوب ركيك، والغلاف يتميز بإخراج جميل، فالكل يرغب في أن يكون كاتباً، لذا لا أميل للرواية، أحب أن أقرأ ما يضيف إلى مخزوني المعرفي».
حرص
وعن ارتباط طبيعة العمل بالقراءة، تؤكد الإعلامية الإماراتية أنها، بصفتها إعلامية، كانت تحرص على القراءة، وتقول: «لأن العامل في هذا المجال لا بد أن يكون مثقفاً وواعياً بما يحدث حوله، فطبيعة عمله تفرض عليه أن يكتب ويحاور في مجالات متعددة، كالاقتصاد والسياسة والعلوم والتراث أيضاً، وليحاور أو يكتب يجب أن يكون لديه مخزون معلومات ومفردات مناسبة لكل تخصص وفي كل جانب، والكتاب والقراءة يحققان هذا الأمر ويمدّانه بالمعرفة، ولا بد من تجديد أدواته ليكون محاوراً جيداً وملماً بما يقوم به من عمل، وبحكم عملي الآن وتخصصي في الجانب التراثي، مطلوب أن يكون عندي ذلك الثراء في المصطلحات التراثية ومعرفة معانيها، وهو ما أحققه عبر القراءة المكثفة. إن الإعلامي كالطبيب، لا بد ألا يكتفي بما درس، فالعالم كل يوم يتغير، وتستجد الكثير من الأمور، لذا عليه أن يكون ملماً بكل تلك القضايا والمستجدات».
وتشدد حليمة على أن مجالسة المثقفين في اللقاءات والتجمعات تحتم علينا أن نكون ملمّين بمجريات الأحداث ومطلعين بعمق. وتواصل حديثها: «نتفق، زوجي وأنا، في حبنا للقراءة. هو يقرأ في السياسة والاقتصاد، ومجاله وفضاءات قراءاته أوسع بحكم دراسته في الخارج وتمكنه الكبير من القراءة باللغة الإنجليزية، وهناك العديد من الكتب الانجليزية القيمة جداً، ودشكنت أتمنى لو أنني متمكنة من هذه اللغة لأقرأها، إلا أن زوجي يقوم بشرح الكتب لي متى ما سنحت الفرصة له، ويناقشني فيها».
أما عن تأثير القراءة بين أفراد أسرتها، فتقول: «في كل لقاء وتجمع أسري نجد ما نتحدث عنه ونتناقش فيه، فلاءاتنا ليست جامدة أو مملة ولا روتينية، وأبنائي الآن في سن الاستقلالية، سواء بذاتهم أو بحياتهم، والقراءة في الصغر أسست لهم قاعدة ثقافية، وتجمعنا الأسبوعي يتيح لنا تناول الموضوعات من زويا عدة وبأبعاد ثقافية مختلفة، وهو ما له الأثر الجيد حتى بالنسبة إلى أحفادي مستقبلاً».

دورات
تعتبر حليمة الملا القرآن الكريم أهم الكتب التي أثرت في حياتها، وتبين أنها تحرص على قراءته يومياً، إضافة إلى كتب التفاسير، كما تلفت إلى أنها انتهت أخيراً من قراءة كتاب «جواهر بنت محمد القاسمي.. رحلة الأمل والإنسانية» للكاتبة صالحة غابش. وقدمت الملا دورات وورش عمل تتعلق بالقراءة السريعة، وهو نمط جديد للقراءة، يتماشى مع «رتم» الحياة السريع الذي يمكّن الفرد من قراءة أكبر عدد من الكلمات في وقت قصير، بقراءة مجردة بالعين، وبالاعتماد على التركيز وصفاء الذهن.


