جدلية طال النقاش فيها ولم تحسم بعد، فالكتاب الورقي لا يزال حاضراً رغم تنبؤات الكثيرين له بالوفاة، والمدارس العربية كتاتيب رغم اقتحام التكنولوجيا لكل جوانب الحياة، وفي كل نقاش لا بد أن يكون هناك من يثير الجدل بآرائه، وبطلنا هذه المرة الدكتور طلال أبو غزالة رئيس المنظمة العربية لشبكات البحث العلمي والتعليم، الذي كان صريحاً إلى الحد الذي رافق فيه الكتاب الورقي إلى مثواه الأخير، دون أن يرتدي في عزائه ثوب الحداد.
«البيان» التقت طلال أبو غزالة، ليؤكد بأن القراءة بمفهومها التقليدي لا علاقة لها بالمستقبل، وقال: المستقبل هو القراءة بالأصابع، ونتحدث هنا عن القراءة الإلكترونية، وأتعجب من أننا لا نزال حتى اليوم نتحدث عن الكتاب الورقي الذي أُعلنت وفاته، فالتوجه المستقبلي هو القراءة الرقمية، والأمم المتحدة تُجري كل سنة إحصاءً يشمل دول العام حول المواطن الرقمي.
ما يعني أن زمن القراءة التقليدية من الكتاب الورقي انتهى، ولن نجد خلال السنوات العشر المقبلة طالباً يقرأ من الكتاب، وأعلم أنني سأجد من يعارضني، ولا يقلقني ذلك، وأنا لست منحازاً للتكنولوجيا، ولكني أرى المستقبل والحقيقة بعيون واعية متفحصة.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، فقد أكد أبو غزالة أن المدارس العربية كتاتيب، وقال: الفارق الوحيد فيها أن الطلاب أصبحوا يجلسون على الكراسي بدلاً من الأرض، ولكن عقولنا للأسف لم تتغير رغم كل التغييرات الحاصلة في التعليم.
وأشار إلى أن المهارات التي يكتسبها الطالب من التعامل مع «التابليت» تفوق المهارات التي يكتسبها من التعليم التقليدي بأضعاف مضاعفة، وعبّر عن رغبته في أن يتجنب مؤتمر قمة المعرفة في الدورة المقبلة الحديث عن الكتاب الورقي والقراءة التقليدية، وينتقل لمواكبة المستقبل من خلال تناول القراءة الرقمية.
وسائل جذب
وضعنا آراء طلال أبو غزالة على طاولة أهل الاختصاص من وزراء تعليم ومختصين، ليختلف بعضهم في جوانب ويتفقوا على أخرى، إذ أكد الدكتور يسري الجمل، وزير التربية والتعليم المصري سابقاً، أن الكتاب الورقي لا يزال حاضراً ويحتفظ بخصوصيته وجاذبيته، لافتاً إلى أن وجوده وحضوره في البيوت والمكتبات المدرسية وفي كل مكان، يعطي انطباعاً جيداً، ويزيد الرغبة في القراءة، ولكن ذلك لا يغني عن الكتاب الرقمي، ليبقى الكتابان الورقي والإلكتروني حاضرين جنباً إلى جنب.
وعن مدارس اليوم التي يراها البعض كتاتيب، قال: مدارسنا تنطلق بسرعة وهذه طبيعة العصر، وأبناؤنا قبل التحاقهم بالمدرسة يتعاملون مع الآيباد والتابليت ويتقنون ذلك، وبرأيي أنه لا بد أن تستجيب المدارس لذلك، أما الحديث عن الكتاتيب فأعتقد بأنه متعلق بتعليم اللغة العربية بنفس الوسائل التقليدية، لذا فمن الممكن استخدام الوسائل الحديثة التي ترفق الصوت بالصورة والغرافيك ووسائل الجذب المتنوعة، ما يغير تلك النظرة، ويشجع الطلاب على تعلم اللغة الأم.
مسايرة
ذكر الدكتور نور الدين سالمي، رئيس ديوان وزير التعليم العالي والبحث العلمي بتونس، أن زمن الكتاب الورقي لم ينتهِ، ولكن في المقابل يجب مسايرة التكنولوجيا، وقال: الكتاب الورقي والمكتبات الورقية ضرورية لقيمتها الثقافية وحتى لبعدها الرمزي، فالمكتبة تبجيل للكتاب، إلا أنها غير كافية، ومسايرة التكنولوجيا باتت ضرورة حتمية، بعد أن أصبحت وسائلها ملجأ الطفل للتسلية والتعلم بما فيها من وسائل جذب.
وعن المدارس التي لا تزال كتاتيب حتى يومنا هذا، قال: يجب علينا التخلص من مفهوم المدارس الكتاتيب، التي لا تتوفر فيها أدنى مقومات التعلم، وبرأيي أن هذا مرتبط باقتصادات البلدان العربية، وإمكانات الوزارات، وهذا ما يجعل من المنافسة بين المدارس الحكومية والخاصة ضرورة، فرغم سلبيات التعليم الخاص، إلا أننا لا نستطيع أن ننكر إيجابياته وقدرته على الارتقاء بالمستوى العام للتعليم.
قضية مغلوطة
ومن خلال خبرتها واستطلاعها لمؤشر القراءة، لفتت الدكتورة نجوى غريس، أستاذة جامعية بالمعهد العالي للتربية والتكوين المستمر بجامعة تونس، إلى وجود إشكالية تتمثل في المنافسة بين الكتابين الورقي والإلكتروني، وقالت: في الواقع هي قضية مغلوطة.
إذ يجب التركيز على مدى قراءة الشخص لمضامين ممتعة ومفيدة، وعلينا تجاوز جدلية القراءة من الكتاب الورقي أو الرقمي، فليس هناك مشكلة في القراءة بأي منهما، وفي بداية ظهور التكنولوجيا تخوف الكثيرون على الكتاب الورقي وأطلقوا صيحات فزع، إلا أن الكتاب الورقي لا يزال حاضراً، والرقمي أعطى مساحة أكبر للقراءة.




