في الغرفة الأنيقة من منزل عادل جنجر، استشاري إعلام واتصال جماهيري ومدرب معتمد في تنمية المهارات الشخصية، تحيط بك الكتب ورائحة الورق من كل مكان.
وتأخذك إلى عوالم ساحرة للوصول للثقافة والفكر والمعرفة، عوالم أكثر رحابة يجلس فيها عادل يقلب صفحات كتاب بين يديه، وأسرته تلتف حوله مستمعة بكل حب وشغف لما يقرأه الوالد من فقرات ويشرح تفاصيل الأحداث لهم بكل ود، بينما هم منجذبون إليه بكامل حواسهم وأحاسيسهم، في جو أسري دافئ.

«البيان» التقت عادل جنجر وأفراد عائلته في منزلهم، ومن مكتبته الأنيقة بدأ الحوار الذي عاد فيه جنجر، إلى ذكريات الطفولة، حيث لم تكن «مجلة ماجد» تفارق يديه، ويقبع في جيبه كتيب «ميكي جيب»، ويقرأ لنفسه إحدى قصص «المغامرون الخمسة» الموجودة عند رأس سريره قبل أن يخلد للنوم. يضيف جنجر.
وهو لا يشيح بنظره عن الكتاب الذي بين يديه: القراءة شريان الحياة ولا حياة للإنسان من دونها، فهي بالنسبة لي بمثابة الرئة التي أتنفس بها الثقافة، إذ تمدني بعصارة خبرات الكتاب وتجاربهم..وبعلوم ومفاهيم وأفكار أستنير بها.
باختصار هي نافذة على كنوز المعرفة، وعلى الأهل أن يكونوا قدوة صالحة لأولادهم، وأن يكونوا قارئين. وأنصح كل أسرة بتخصيص ركن أو غرفة من البيت كمساحة خاصة ومميزة للقراءة.
الأسرة المتميزة
يتربع ما يقارب 8500 كتاب ومجلد على أرفف مكتبة أسرة عادل جنجر، ويشير إلى أن صداقته للكتاب لا حدود لها، ونتاج ذلك كانت هذه المكتبة الأنيقة التي تغطي جدران الغرفة المخصصة لجلسات القراءة العائلية. ويقول: من الله علي بزوجة رائعة قارئة، شغوفة بالكتاب مثلي، أغنت هذه المكتبة بما لديها من كتب فريدة اقتنتها منذ صباها.
وهنا تتدخل في الحديث الأم منى إبراهيم، المتخصصة في علوم الأسرة، والتي تعمل تطوعياً لتدريس علم تجويد القرآن الكريم، وهي تبتسم وتنظر في عيون أطفالها وتخاطبهم: «هذا هو إرثنا لكم.. إرث معرفي لا ينضب».
وأشادت ربة الأسرة في حديثها بالمبادرات الثقافية التي تحتفي بالقراءة، وقالت: نحن في عام القراءة، تلك المبادرة زادت وعي الكثيرين بأهمية القراءة، كما ضاعفت جهود المؤسسات بالاهتمام بالكتاب، وبما أننا أسرة قارئة فالمكتبة في حياتنا قيمتها لا تقدر بثمن.
والتصاقنا جميعاً كوالدين وأبناء بمحتواها أهلنا لنيل أهم الألقاب في مسيرة حياتنا الثقافية، ليأتي على رأسها لقب «الأسرة القارئة المتميزة» من المجلس الأعلى لشؤون الأسرة في مهرجان الشارقة القرائي الثاني، بعد فوزنا بلقب «الأسرة القارئة» بالمهرجان القرائي الأول، فالمكتبة كان لها الدور الأبرز في تنمية المعارف المختلفة لدى أفراد الأسرة.
وبقيت مصدر الإلهام لصقل مهاراتنا الثقافية والمعرفية وحصولنا على لقب «الأسرة المتميزة» من جائزة الشارقة للتفوق والتميز التربوي.
ويهز الأب عادل جنجر رأسه مؤكداً كلام زوجته. ويردف قائلاً: تم اختياري عضواً في لجنة تحكيم الأسر القارئة على مستوى دولة الإمارات العربية المتحدة في مهرجان الشارقة القرائي الثالث، كحصيلة لما تميزت به الأسرة منجهود ومبادرات قرائية فريدة.
جدد حياتك

اختارت الأم، أن تتوجه، خلال الجلسة وبينما نتبادل أطراف الحديث، نحو أحد رفوف المكتبة والمعنون بـ(العلوم الحديثة).
فسحبت كتاباً بعنوان (جدد حياتك) للمؤلفة شيريل ريتشاردسون. ثم قالت: زينب «ابنتها»، تبهرني بمبادراتها القرائية التشجيعية لزميلاتها في الفصل، فهي تحرص خلال السنوات الأخيرة على تهيئة مكتبة مبسطة في فصلها لتستفيد منها زميلاتها الطالبات أثناء حصص الاحتياط وأوقات الفراغ. وقد دفعتني مبادراتها هذه للاطلاع على كتب تغير طريقة التفكير النمطي التقليدي، وتأتي بالأفكار الإبداعية، وتجدد أساليب التعاطي مع روتين الحياة اليومي.
وتضيف: ومن هنا كان ميلي نحو (جدد حياتك)، هذا الكتاب الجميل الذي أعطاني دافعاً قوياً للتغيير الجذري للعديد من الممارسات الروتينية من خلال رسم برنامج محفّز لتجديد الأفكار والسلوكيات نحو الإيجابي منها.. وهذا ما احتجته لبدء مرحلة جديدة في حياتي على صعد مختلفة، يداً بيد مع زوجي الذي يساندني في اتخاذ القرارات الحاسمة في أصعب الظروف.
تعالوا نقرأ
حب أفراد العائلة للقراءة وحرصهم على شراء الكتب، كان نابعاً من حب والديهم لها، وقد شاركنا في الحوار أبناء عادل: فاطمة «18 سنة» وزينب «11 سنة» وعلي «8 سنوات». إذ عبروا عن شغف كبير بالقراءة وإحساسهم بمتعة مليئة بالمعرفة والتشويق والخيال في الجلسات القرائية مع العائلة. وعن ذلك قالت فاطمة عادل، الطالبة بجامعة الإمارات / تخصص قيادة ومجتمع واتصال جماهيري:
يعكف والداي منذ نعومة أظفاري، على تغذية هذه المكتبة بكل ما هو جديد لدرجة أنها تعتبر كفرد من العائلة تستلزم العناية والاهتمام والرعاية، والغذاء. وتتابع الابنة الكبرى:
القراءة عشقي وما يروي ظمأ فكري، فهي التي فتحت لي آفاقاً معرفية رحبة للفوز بجائزة الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم للأداء التعليمي المتميز (دورتان) وجائزة الشارقة للتفوق والتميز التربوي (دورتان)، وهي التي من خلالها توجت بالمراكز الأولى في المنافسات القرائية على مستوى الدولة، من بينها: «تعالوا نقرأ» و«دبي تقرأ» ومسابقة «قطار المعرفة».
سر نجاحي
أشاد عادل جنجر بمبادرة «2016.. عام القراءة»، وأكد أنه على دولة الإمارات ألا تتوقف عن تقديم المبادرات المميزة التي تستهدف الإنسان باعتباره محور الحياة وأساس التنمية، لافتاً إلى أن مبادرة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، تمثل إضافة نوعية للارتقاء بالوطن.
ومؤكداً أن أسرته بادرت لتبني مشروع متميز لتحويل المكتبة لديها، إلى مكتبة ذكية، عن طريق تحويل محتويات الكتب الورقية المدرجة فيها إلى كتب تفاعلية، بالصوت والصورة والفيديو، ويجري الاطلاع عليها باستخدام الأجهزة الذكية.
أما زينب، الطالبة في الصف السابع في مدرسة أم سقيم النموذجية، فقالت وهي تحمل بين يديها مطبوعات قصصية: بإمكانكم الاطلاع على ما ألفته من قصص قصيرة. قرأت العديد من الكتب مما زاد من مخزون كلماتي وطور أسلوبي في الكتابة بشكل لافت. فأصبحت كاتبة. ثم تبتسم وهي تسلمنا ثلاث قصص: (سامحني يا رب) و(رهف والنظام) و(سر نجاحي).
وتستطرد: كنت أحب القراءة أقل من بقية أفراد أسرتي، لكنني عندما لمست آثارها على شخصيتي ومعارفي، أصبحت أتحدى الجميع بأني «دودة الكتب»، وقد فزت بالمركز الأول في جائزة صديق المكتبة التابعة لجمعية توعية ورعاية الأحداث، كما فزت بمراكز متقدمة في مسابقة وزارة التربية والتعليم (نقرأ ـ نبدع) وقطار المعرفة.
تحدي القراءة العربي
ويطل مبتسماً من بين كتفي والديه، علي، الابن الأصغر في الأسرة والطالب بالصف الرابع بمدرسة القيم النموذجية، وهو يتقلد ميدالية ذهبية ويحمل بين يديه الصغيرتين درع الفوز في تحدي القراءة العربي قائلاً:
«أود أن أشكر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، لأنه أعاد الروح لعادة القراءة بين أطفال العالم العربي، ويضيف: أحب القراءة ولدي بطاقتي الخاصة بعضويتي في المكتبات العامة كما لدى باقي الأسرة، وأرتاد دائماً المكتبة العامة لأستعير منها القصص والكتب العلمية.
كتاب الشهر
وعن عادات الأسرة القرائية تقول الأم مني: نتفق جميعاً على أن اليوم الذي لا نقرأ فيه.. لا يستحق أن يعد يوماً في حياتنا، ولكل منا له وقته للقراءة، ولكل منا ميوله لاختيار كتاب معين يحب قضاء وقت ممتع في قراءته، لكن ما لا نغفل عنه أبداً أن نجتمع أسبوعياً للتحاور في ملخصات ما قرأناه نحن الخمسة لنكون بذلك قد أتممنا قراءة خمسة كتب في المدة الزمنية ذاتها.
ولذا كانت فكرة (كتاب الشهر) إحدى أبرز الطقوس التي يلتزم بها أفراد الأسرة دون استثناء لتسليط الضوء على كتاب محدد وتخصيص مكان بارز له بالمكتبة طوال ثلاثين يوماً.
الأرشفة الإلكترونية
يؤكد عادل جنجر أن الأسرة تسعى إلى تزويد مكتبتها المنزلية بأحدث الإصدارات من مختلف دور النشر العربية والعالمية، عبر زياراتها الدائمة لمعارض الكتاب في مختلف إمارات الدولة.
ويضيف: لا نتوانى عن السعي لتبني أحدث الأفكار الابتكارية لتطوير مكتبتنا المنزلية لما هو أفضل. فعلى سبيل المثال، قبل سنوات استحدثنا مصادر معرفية أخرى للاستزادة الثقافية، مثل: المكتبة الصوتية والمكتبة المرئية..ثم المكتبة الإلكترونية. كما عمل جميع أفراد الأسرة على تنفيذ نظام الأرشفة الإلكترونية لمكتبتنا المنزلية.
