الحياة من منظور آخر، تلك التي تراها في حضرة الكاتبة والروائية والإعلامية السعودية الدكتورة بدرية البشر، التي تتقن التحليق فوق الأسوار العالية بخفة، وتغوص - في الوقت ذاته - في عمق النفس البشرية، لتلامس ضعفها وانكساراتها، وترافقها في رحلة نحو الغفران، فكل بني آدم خطاء.

في إصدارها الجديد «زائرات الخميس» عبَّرت عن رغبتها في أن تتحرر النساء من عادة تدمير ذواتهن لمجرد أنهن خلقن إناثاً، وكعادتها، كانت واضحةً مُشِعةً كالشمس، فهي مع الجرأة في الكتابة، ومع الشجاعة في الموقف، لا سيما في الثقافة التي تراها أكثر الأوعية ديمقراطية.

«البيان» تواصلت مع بدرية البشر، الكاتبة المشاغبة، التي ترى بأن لعبة الكتابة دون شغب مملة، لتؤكد بأنه ليس مطلوباً من الحكومة أن تدعم المبدع بقدر ما عليها أن لا تقف في وجه إبداعه، لافتة إلى أن قبضتها الرقابية ارتخت وتخلخلت، ومؤكدة أن المرأة السعودية اليوم عبرت عن نفسها بجرأة، وفرضت حضورها العلمي بكل ثقة واقتدار.

تدمير الذات

عن «زائرات الخميس» تحدثت فقالت: هو رسالة لكل أنثى وُلدت في بيئة تحمل بذور تدمير الذات بسبب كونها أنثى حتى قبل أن ترتكب خطأ، فما بالك حين تخطئ، هنا، تضطر لتكرار الخطأ تلو الآخر، في عملية تدمير ذاتي، لمجرد أنها أنثى لا تتوفر لها فرصة الغفران.

وأشارت البِشر إلى أن بعض المجتمعات تسمح للذكور دون الإناث أن يتطهروا من ذنوبهم، مُعلِّقةً آمالاً كبيرة على روايتها هذه لتكون أداة وعي ترى أنه بدأ يتحقق اليوم وبشدة، وقالت: يبدو أننا بحاجة لاستعراض صورة حالكة بعض الشيء، لنفهم كيف يمكن أن تدمر الأنثى ذاتها. وعن الرسالة التي سعت لتوصيلها من خلال روايتها، قالت: الغفران قيمة رائعة، فالله غفور رحيم، ولدى الإنسان فرص واسعة للمعرفة والتعلم، ولكن هذا لا يحدث دون ارتكاب أخطاء.

جرأة

تلك الجرأة التي نلمحها في كتابات بدرية البشر، لا بد أن تثير الفضول، حول قدرتها على تجاوز القيود ككاتبة، وقالت: أنا مؤمنة بالجرأة في الكتابة، وبالشجاعة في الموقف، وكوني سعودية، لا يعني أن أُحرَم من قول رأيي بقوة، فالسعودي كأي مثقف عالمي، ووعاء الثقافة أكثر الأوعية ديمقراطية، وبالنسبة لي، لا أعتبر الأمر جرأة، بقدر ما أراه حدة بصر أو سعة أفق، وقدرة على التقاط مشهد قادر على ملامسة الإنسان أينما كان.

أدق وصف قد يليق ببدرية البشر، هو الكاتبة المشاغبة، وعن ذلك قالت: أحب هذا الشغب، فلعبة الكتابة من دون شغب مملة.

تحت المجهر

ولأن الكاتبة السعودية موضوعةً تحت المجهر، فهذا قد يضمن لها الشهرة بنسبة 50% بمجرد كتابتها لأول عمل. سألنا بدرية عن مدى صحة ذلك بالنسبة لها، فقالت: هذا الكلام كان مقبولاً حتى 11 سبتمبر عام 2001، وكان متعارفاً عليه في الوسط الصحافي والثقافي، أما اليوم وبعد «السوشيال ميديا»، فالسعوديات يعبرن عن أنفسهن بجرأة رائعة، ويفرضن حضورهن العلمي في أرقى الجامعات العالمية، وفي أهم المؤتمرات، ونحن اليوم أمام جيل لا نكاد نعرفه، ولا نستطيع أن نفرق فيه بين السعودية والإماراتية والمصرية والإنجليزية والأميركية والفرنسية، وأنا فخورة بهذا المشهد الذي أرى فيه بنات جيل جديد، تمتلك كل منهن زمام أمرها علمياً وفكرياً وفنياً.

منع الإبداع

وعن مدى تقبل مجتمعاتنا العربية للإبداع، قالت: ليس مطلوباً من المجتمع والحكومة دعم المبدع، بل مطلوب منهما ألا يقفا في وجه إبداعه، ألا يعتقل وتسجن بسبب رأيه، طالما أن هدف إبداعه بناء وليس تخريبيا أو لا يخدم مصلحة الوطن، وقد كانت القبضة الرقابية موجودة قبل 11 سبتمبر وثورة الانترنت، وكانت تخيف الكثيرين، إلا أنها اليوم ارتخت وتخلخلت، ولم تعد أية حكومة قادرة على أن تمنع مبدعيها من الكتابة.

 وأضافت: ليس مطلوباً من الحكومات أن تدعم الإبداع، لأنها دائماً ما تحدد دعمها بشروط، ولذا، من الأفضل ألا تدعم المؤسسات الحكومية المبدع، بل المؤسسات المعنية بالفن، وبالنسبة لي، فأنتظر من دور النشر أن يكون لديها مشروع ثقافي، ومن المنظمات الثقافية كاليونيسكو واليونيسيف، ومنظمات الإبداع المتعددة في العالم، أن تقدم البرامج الثقافية، أما الحكومات فدورها ليس الاعتناء بالثقافة، ومن الأفضل أن تكون محايدة.

المرأة قضيتي

ذكرت بدرية البشر أن المرأة دائماً ما تشغل تفكيرها، ليس تحيزاً أو تعاطفاً أو شفقة، وقالت: كوني أنثى، أشعر أن لدي قدرة على الوعي بالنسيج النفسي والاجتماعي الذي خرجت منه الأنثى، وأرى أن المشكلة تتمثل في أن المرأة عاشت سنوات طويلة وهي تشعر بالقمع والقهر، ما جعل مشاعرها متطرفة تجاه الرجل، وحين تعبر عن شكواها، تسرف في ذلك، ما جعل الرجل يعتقد بأنها تلومه، وهذا ما يجب إعادة تصحيحه، فالمرأة بحاجة لمن ينصت لها.