أطل كل صباح من نافذة لا تتعدى حدود كوني زوجة تحاول ألا تنسى حلمها، ألا تشيخ أنوثتها، ألا يسكنها شبح المكان الذي تهددها به وجوه سيدات هذا المكان.
السيدات هنا يكبرنني بعشرات السنين، مرّ عليهن الوقت بمرارة وشظف العيش، حلبن النوق والماعز وتعشين تحت سدرة في فناء منزل إحداهن مجتمعات على النميمة كباقي نساء العالم، وفطرن على قرص ولبن وتمر وفناجين قهوة اشتغلن على تجهيزها منذ الصباح الباكر، حكاياتهن لا تتعدى رؤوس الحلال الذي يمتلكنه في «العزب»، وقصص الخيانات وتعدد الزيجات، وهروب الخادمات اللاتي يصعب عليهن التكيف مع بيئة بكر، سهل وجبل وكثير من بهائم حائمة في الفلاة، وبضع شجيرات نافرات في بيداء كبيرة يسهل تمييزها، فنخلة وسدرة وسمرة وغافة، ورغم كل التحولات المحيطة في العالم الخارجي، وما وصل إليه العالم من تطور وتمدن وحضارة وتقنيات، تبقى السيدات هنا يمتطين الوقت على مهل يعشن بكل بساطة ويتناولن مفردات الحياة وكأن الوقت لا يمضي، وكأنهن ساكنات أظهر السلاحف متقوقعات..!.
اخترت بملء إرادتي وبكثير من الرغبة والحب أن أعيش منعزلة عن عالمي الصاخب، عن التحولات والتشكلات في الإنسان إثر التحضر والتمدن، إخترت أن أبتعد عن الزيف وعن التصبغ والتلون وعن النفاق، ظننت أن الحياة حيث أنا لا يشوبها ما يشوب المدينة، خيل إلي أن البساطة نستطيع أن نلونها بما نشتهي متى ما نشتهي، وأن فرشاة ألواني ستغير حياتي هنا حتى صدمني هذا الجبل.
يعيد عليّ الحكاية كل صباح، يذكرني ويتلو علي تراتيل بصوت العصافير الصغيرة العابثة في طلح الشجيرات، الإنسان إبن بيئته، الإنسان إبن المكان..
حقيقة ماثلة أمامي، يتشابهون كثيراً مع البيئة، فالجبل الصامت بقسوته والواقف في وجه الزمن ووجه الريح، وضد كل الموجات الآتية من البعيد، هم مثله تماماً عصاة أمام الشدائد ومتمرسون على مواجهة كل جديد، ورافضون للتغير بما أوتوا من قوة، يتظاهرون بالمرونة إلا أن الحقيقة هم ذات الشيء.
المدينة علمتني على الحكي، على سرد التفاصيل، فهنا تفاصيل ليس لها حد، ولكل شيء.. العلاقات، الناس، الشوارع، المحال والسيارات وأنواعها، البشر وأصنافهم، وتحولاتهم، ظننت أني قادرة على مسايرة الوقت وكسر حاجز الصمت الذي يداهمني أمام كل المواقف التي باغتتني على غير هوادة، ظننت أن الوقت كفيل بتغيير ولو القليل حولي، وفي عالمي الصغير، رغم كثرة المعارف، والدراسة الطويلة، وما قرأت من بحوث ودراسات وما خضت من تجارب مع الغير التصاقاً وقرباً، وما قرأت لم يكن كفيلاً بتغيير حتى أسلوب الفرح أو الضحك ومواسم الحكي وسرد التفاصيل..
وقفت مرات عدة أمام صمود الجبل أعطي نفسي فرصة للفهم وأحاول أن أتكيف مع الصمت ومع الكتم ومع بساطة التكوين، وقررت أخيراً أن أرسم لي مساراً مختلفاً يشبه الضجيج الداخلي والثورة التي لا تهدأ.
عدت إلى كياني وتكويني وتشكلي الصاخب رافضة كل الظنون والرغبة في التغيير، فبعض الظروف تجبرك على أن تعيشها، أن تتكيف وتتعايش وتصير جزءاً منها، وليس بالضرورة أن تغيرك فتصير تشبهها.
عدت إلى نافذتي وبكثير من الصمت وقفت أستمع لذاتي فغداً حين يمتلئ البيت بصغار يشبهون المكان، هل سيبقى أثر للرغبة في تغيير المكان أو التغيير من أجل ألا يصير الحديث مجرد تأمل في غيمة سابحة تتشكل في فضاء عتم أراها فراشات وكواكب ووجوهاً أحبها، ويراها من حولي غنماً وجمالاً وحميراً وبقراً وأحياناً حشرات؟ عجزت عن حفظ أسمائها من كثرتها فالبادية مولدة للحيوات.
* أديبة إماراتية
أطل كل صباح من نافذة لا تتعدى حدود كوني زوجة تحاول ألا تنسى حلمها، ألا تشيخ أنوثتها، ألا يسكنها شبح المكان الذي تهددها به وجوه سيدات هذا المكان.
السيدات هنا يكبرنني بعشرات السنين، مرّ عليهن الوقت بمرارة وشظف العيش، حلبن النوق والماعز وتعشين تحت سدرة في فناء منزل إحداهن مجتمعات على النميمة كباقي نساء العالم، وفطرن على قرص ولبن وتمر وفناجين قهوة اشتغلن على تجهيزها منذ الصباح الباكر، حكاياتهن لا تتعدى رؤوس الحلال الذي يمتلكنه في «العزب»، وقصص الخيانات وتعدد الزيجات، وهروب الخادمات اللاتي يصعب عليهن التكيف مع بيئة بكر، سهل وجبل وكثير من بهائم حائمة في الفلاة، وبضع شجيرات نافرات في بيداء كبيرة يسهل تمييزها، فنخلة وسدرة وسمرة وغافة، ورغم كل التحولات المحيطة في العالم الخارجي، وما وصل إليه العالم من تطور وتمدن وحضارة وتقنيات، تبقى السيدات هنا يمتطين الوقت على مهل يعشن بكل بساطة ويتناولن مفردات الحياة وكأن الوقت لا يمضي، وكأنهن ساكنات أظهر السلاحف متقوقعات..!.
اخترت بملء إرادتي وبكثير من الرغبة والحب أن أعيش منعزلة عن عالمي الصاخب، عن التحولات والتشكلات في الإنسان إثر التحضر والتمدن، إخترت أن أبتعد عن الزيف وعن التصبغ والتلون وعن النفاق، ظننت أن الحياة حيث أنا لا يشوبها ما يشوب المدينة، خيل إلي أن البساطة نستطيع أن نلونها بما نشتهي متى ما نشتهي، وأن فرشاة ألواني ستغير حياتي هنا حتى صدمني هذا الجبل.
يعيد عليّ الحكاية كل صباح، يذكرني ويتلو علي تراتيل بصوت العصافير الصغيرة العابثة في طلح الشجيرات، الإنسان إبن بيئته، الإنسان إبن المكان..
حقيقة ماثلة أمامي، يتشابهون كثيراً مع البيئة، فالجبل الصامت بقسوته والواقف في وجه الزمن ووجه الريح، وضد كل الموجات الآتية من البعيد، هم مثله تماماً عصاة أمام الشدائد ومتمرسون على مواجهة كل جديد، ورافضون للتغير بما أوتوا من قوة، يتظاهرون بالمرونة إلا أن الحقيقة هم ذات الشيء.
المدينة علمتني على الحكي، على سرد التفاصيل، فهنا تفاصيل ليس لها حد، ولكل شيء.. العلاقات، الناس، الشوارع، المحال والسيارات وأنواعها، البشر وأصنافهم، وتحولاتهم، ظننت أني قادرة على مسايرة الوقت وكسر حاجز الصمت الذي يداهمني أمام كل المواقف التي باغتتني على غير هوادة، ظننت أن الوقت كفيل بتغيير ولو القليل حولي، وفي عالمي الصغير، رغم كثرة المعارف، والدراسة الطويلة، وما قرأت من بحوث ودراسات وما خضت من تجارب مع الغير التصاقاً وقرباً، وما قرأت لم يكن كفيلاً بتغيير حتى أسلوب الفرح أو الضحك ومواسم الحكي وسرد التفاصيل..
وقفت مرات عدة أمام صمود الجبل أعطي نفسي فرصة للفهم وأحاول أن أتكيف مع الصمت ومع الكتم ومع بساطة التكوين، وقررت أخيراً أن أرسم لي مساراً مختلفاً يشبه الضجيج الداخلي والثورة التي لا تهدأ.
عدت إلى كياني وتكويني وتشكلي الصاخب رافضة كل الظنون والرغبة في التغيير، فبعض الظروف تجبرك على أن تعيشها، أن تتكيف وتتعايش وتصير جزءاً منها، وليس بالضرورة أن تغيرك فتصير تشبهها.
عدت إلى نافذتي وبكثير من الصمت وقفت أستمع لذاتي فغداً حين يمتلئ البيت بصغار يشبهون المكان، هل سيبقى أثر للرغبة في تغيير المكان أو التغيير من أجل ألا يصير الحديث مجرد تأمل في غيمة سابحة تتشكل في فضاء عتم أراها فراشات وكواكب ووجوهاً أحبها، ويراها من حولي غنماً وجمالاً وحميراً وبقراً وأحياناً حشرات؟ عجزت عن حفظ أسمائها من كثرتها فالبادية مولدة للحيوات.
* أديبة إماراتية

