لا يفسر الفرد نفسه أحياناً ولا يعرف الدافع الذي يدفعه إلى ذلك العمل الذي لا مردود له من ورائه سوى مساعدة أمة أو شعب أو الإنسانية بأكملها، فيبدأ بالاجتهاد، من دون سند أو اعتماد من دولة أو مؤسسة أو عائلة.

بل يستند فقط على ما لديه من طاقة روحية عالية وجسدية مفعمة بالحياة والحب للآخر تدفعه للارتكاز على نظره، وكأنها قدرة غريبة تسكنه أو قوة غير مرئية تدفعه إلى العمل الجاد، مندفعاً نحو الإنجاز الذي كلما خرج به يستمر فيه حتى ينتج منجزاً آخر يفيد العالم، ولا يكتفي حتى يرحل من هذه الحياة.

ويعبر الإنسان عن امتنانه لهؤلاء الذين أناروا طريق البشر علماً أو أدباً أو صناعة.. فيتم وصفه بالنابغة، العبقري، الفريد، الموهوب.. والأسماء كثيرة عبر التاريخ، شرقاً وغرباً، هؤلاء المعتمدون على ذواتهم بالحب المطلق يشع قلوبهم من دون انتظار لمردود، هاجسهم الوحيد التغيير نحو الأفضل.

 

الدافع والمرسل

يحدث أن يكون فرد واحد سبباً بنهضة الدولة وازدهارها، إنسان بسيط يفكر ويجتهد وينتج إنتاجاً فردياً مستقلاً بحجم مؤسسة، ذلك بهدف إيصال رسالة ما، ليحرك الآخرين ويضعهم أمام منتوجه قصد التكملة، فيصبح دافعاً ومرسلاً للسعي لا يمكن تجنبه، وهذا ما جرى في القرون الوسطى مع المترجم الإيطالي جيرار دي كريمونا (1114 – 1187م)، الذي، حين تأمل حوله.

لم يجد في الفكر الأوروبي ما يحرك العقول النائمة أمام القرارات الملكية والكنسية الثابتة في قوانينها وأحكامها التي لم تسعف هذه القارة بفلسفتها الضعيفة الضئيلة بالنهوض، حتى انهم لم يفكروا في ترجمة فلسفة الإغريق الأقرب لأوروبا جغرافياً، ونتاجات رجالاتها أمثال المعلم الأول أرسطو ومن أتى بعده، ذلك لاختلاف اللغة اليونانية القديمة النائمة منذ قرون والعصية على الفهم والتي تحتاج إلى شارح..

فلم تتجه القارة الأوروبية نحو شرقي أوروبا بقدر اتجاهها نحو غربيها حيث الأندلس، وبالتحديد إلى توليدو الإسبانية، أي طليطلة التي شهدت ازدهاراً كبيراً في عهد الخلافة الإسلامية، متوجهة خاصة إلى مدرسة طليطلة للمترجمين.. وكان كريمونا أول الراحلين إلى تلك المدرسة النادرة والثرية بمكتبتها التي لا تقدر بثمن.

فعلى رفوفها تحمل أثمن الكتب العلمية والفكرية، بل أهم ما طرحه العالم آنذاك من أفكار ودراسات، ليقرر كريمونا المترجم أن يستشرق عن طريق الترجمة أهم كتب المكتبة ويترجمها إلى اللاتينية، لغة أوروبا آنذاك.

الملاذ المدرسي

ترجم جيرار دي كريمونا كتباً كثيرة من اللغة العربية قد فاقت السبعين عملاً، بالإضافة إلى الأعمال التي ترجمها من اللغات الأخرى. وجد الملاذ في المدرسة، حيث رأى فيها أنها أهم المراكز على الإطلاق التي لها الدور الوسيط في نقل النصوص الأكثر تأثيراً في العالم لإفادة أوروبا ونقل المعرفة من خلالها.

حيث المتنورون، متخذاً القرار بأن يعيش هناك بقية حياته، فهو قريب من بقية المدن الأندلسية التي عاصره فيها كل من ابن رشد وابن ميمون وغيرهما من العلماء الذين كانوا في حالة بحث وعلم مستنير.

وفي أجواء من الحرية التي لم تكن متوافرة في أية بقعة، وبالأخص في مدرسة طليطلة للمترجمين ومكتبتها حيث وجد فيها كل الكتب العلمية والفكرية باللغة العربية والعبرية واليونانية.. عزم على البقاء والترجمة وخاصة أن المدرسة كانت تملك مساحة جميلة من أفق التسامح، بأنها خصصت للمسيحيين الكاثوليك الأوروبيين، أمكنة ومقاعد للدراسة.

فمضى بالترجمة بقية حياته بمساعدة مواطني طليطلة، حتى اعتمد مع مرور الوقت عادات الفاتحين وثقافة المستعربين فيها لتعليم اللغات، ومضى ينقل الكتب الأهم والنصوص الأخرى في النظريات المهمة، مركزاً على العلم والطب والفلسفة.. والمعرفة العربية واليونانية واليهودية.

من العربية إلى اللاتينية

من أشهر الكتب التي اختارها كريمونا للترجمة هو كتاب المجسطي لبطليموس الذي كتبه باللغة اليونانية حين كان في الإسكندرية، التابعة حينها لليونان في القرن الثاني الميلادي، وكانت في مدرسة طليطلة النسخة العربية من ترجمة حنين بن اسحاق، لينقله كريمونا بدوره من العربية إلى اللاتينية.

كذلك نقل كتاب القانون في الطب لابن سينا وغيره من الكتب المؤثرة، وقد اتسمت ترجمته بالدقة والأمانة، فكانت جديرة بالثقة التي شادت جسوراً معرفية بين الطرفين، وقد حظيت أعماله المترجمة بالتقدير وخصصت باسمه جائزة.

ترجمة نهضوية

الاستشراق علمٌ سَلم أوروبا مفاتيح النهضة لتفارق العصور الوسطى رويداً رويداً، وترحّب بنهضة العقل التي أخذت تسري بين الناس، ورغم أن مسمى المستشرق والدارس لثقافة الشرق سلبي في نظر الناس الشرقيين بشكل عام، لكننا هنا نعني دور المستشرق المترجم الذي يعد من أهم الأدوار التي أفادت الغرب الأوروبي، وكان جيرارد دي كريمونا من أهم وأقدم المستشرقين المترجمين.

حيث كان له هذا الدور الوسيط في نقل النصوص المعرفية الكبرى الأكثر تأثيراً، فتحويل النص المكتوب بإمكانه صناعة حضارة جديدة وإنتاج علوم مكملة بصياغات خلاقة تُحدث تَبدلاً بالمكانة الثقافية، من جغرافية مظلمة إلى اقتصاد مُنتج وسياسة متسامحة.