لم تقتصر أروقة معرض الشارقة الدولي للكتاب على كتب تغذي العقل، وتزيد من المعرفة، وإنما اتسعت قليلاً لتستوعب أجنحة لا يشغلها سوى خطاط، اعتاد الرسم بالحروف العربية، وتزين جدران جناحه بآيات قرآنية نثرت عبيرها على زوار المعرض وقطع الجلد الأصلي التي كتبت عليها.

 ولم يجد الخطاط الإيراني فاهيد جزايري غير خط الكوفي المبكر، ليمنحه بركة كلمات القرآن الكريم، حيث ينكب فاهيد منذ الصباح وحتى إعلان ادارة المعرض عن اغلاق أبوابه، على قطع الجلد الأصلية، ليسكب عليها بعضاً من الحبر الأسود والأحمر والذهبي، مشكلاً فيها حروف الآيات القرانية، غير مهتم بكل ما يحيط به من ضوضاء ملأت فضاء المعرض.

عناصر زخرفية

هذه ليست المرة الأولى التي يحط فيها جزايري رحاله في معرض الشارقة الدولي للكتاب، فقد سبق له زيارته والمشاركة به، ولكن هذه المرة بدت مميزة له، حيث أعلن عن انتهائه من مشروع كان قد بدأ فيه سابقاً، وهو نسخ القرآن الكريم كاملاً على رقع من الجلد الأصلي، معتمداً في ذلك على خط الكوفي المبكر، الذي يعتبره واحداً من أجمل الخطوط العربية.

ووفقاً لما قاله لـ«البيان» فإن الخط الكوفي المبكر، يتسم بعدم انتظامه، فللوهلة الأولى تشعر بأنه مستوحى من الطبيعة الصحراوية العربية، المليئة بالتدرجات والهضاب والوديان الرملية، واعتقد أن ذلك يعد واحداً من أبرز مميزات هذا الخط، الذي استطاع مع مرور الزمن لأن يكون واحداً من أجمل الخطوط العربية، وبتقديري أن كتابة القرآن الكريم الأولى به زادت من مقامه بين الخطوط العربية، ورفعت الاهتمام به، إلى درجة أنه كان يستخدم للكتابة على المسكوكات، وكذلك في المباني والتحف، حيث يتميز هذا الخط بما فيه من زوايا ومنحنيات زادت من قابلية حروفه للتزيين، فحروفه الرأسية والأفقية وكذلك رؤوس الحروف وسيقانها وأقواسها ومداتها توحي بالعنصر الزخرفي، ولذلك يعد الخط العربي بشكل عام والكوفي خاصة أفضل الخطوط انسجاماً مع الزخرفة بحيث يظهر الخط والزخرفة وكأنهما توأمان يضفي كل منهما بإيحائه جمالاً على الآخر، وبين أن اختياره «لخط الكوفة المبكر، هو محاولة لإعادة الحياة إلى هذا الخط الذي يعود في جذوره إلى القرن الثامن الميلادي، والذي ولد أصلاً في مدينة الكوفة العراقية، حيث يعد بمثابة الأب الروحي لبقية الخطوط العربية التي نتعامل معها حالياً».

ماء الذهب

ورغم صعوبة قراءة ما خطه جزايري من آيات قرانية بخط الكوفة المبكر، لما يحمله في اختلاف بسيط في شكل الحرف وعدم وجود النقاط عليها، إلا أن اصراره على إحياء هذا الخط، دعاه إلى نسخ سور قرآنية كاملة على قطع الجلد، لتأتي الآيات مزينة بمجموعة من النقاط الحمراء، ليختار فاهيد ماء الذهب لزخرفة فواصل الآيات وإطاراتها.

وقال: لم أجد أغلى من الذهب لأخط به الآيات القرانية، التي كتبتها على قطع من الجلد الأصلي، وقد اخترت لها الخط الكوفي المبكر، لما يحتفظ به هذا الخط من ارث قديم، فهو يعد من أقدم الخطوط العربية، علماً بأن القرآن الكريم نسخ في القرون الأولى من الهجرة بالخط الكوفي، لما يتميز به هذا الخط من جمال وزخرفة طبيعية.

احتفاء

الاحتفاء بالخط العربي لم يكن قاصراً على جناح فاهيد جزايري، وإنما انسحب ذلك أيضاً على جناح المجلس الوطني للإعلام، الذي أفرد مساحة خاصة لخطاط عربي، اعتاد على استخدام خط الديواني، حيث يعكف منذ ساعات الصباح وحتى المساء، على إعداد لوحات تحمل أسماء وعبارات مختلفة، ويتم اهداؤها إلى زوار المعرض مجاناً.