تدهشك قدرة البعض على تملك حواسك، وعلى انتزاعك من المحيط حولك، من الضجيج الذي يملأ المكان، ليأخذك نحو عالمه، وأمام «أم المصورين» شيخة جاسم السويدي، لا خيار أمامك سوى الاعتراف بالهزيمة أمام تلك العينان، بسحرهما، بهدوئهما، بنظرة الثقة التي تشع من بين جنباتهما، لتجد نفسك أمام قصة إصرار وعزيمة، جعلت من مجرد كاميرا اشترتها بعشر روبيات، بداية لمشوار حافل بالنجاحات.
«شيخة المصورين» لم تتوقف يوماً عن العطاء، فمنذ أواخر الأربعينات وحتى الآن، لا تزال تعتنق كاميرتها وتجول بها، وها هي اليوم توثق علاقة الحب التي جمعتها بها في كتاب حلمت بتحقيقه، حتى تحوَّل حلمها إلى واقع، والتف حولها الجمهور في معرض الشارقة الدولي للكتاب للاحتفاء بها.
«البيان» التقت شيخة السويدي، لتتحدث عن فكرة كتابها «كاميرا بعشر روبيات»، وعنه قالت: كنتُ ضيفة أحد البرامج التلفزيونية، وفي نهاية اللقاء سألتني المذيعة عن أمنية أرغب بتحقيقها، فأجبتها بأني أتمنى أن أصدر كتاباً يتناول قصة حياتي ويوثِّق علاقتي بالكاميرا، وأستطيع من خلاله توثيق الصور التي التقطتها، والمعلومات والقصص والمواقف التي مررت بها قبل قيام الاتحاد وحتى الآن، وأن يحظى كتابي هذا بتوقيع صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، في معرض الشارقة للكتاب، وفوجئ الجميع بهذه الأمنية التي لم أُصرِّح عنها في وقت سابق، وبمجرد انتهاء الحوار وخروجي من الاستوديو، وجدتُ القائمين على البرنامج يتجهون نحوي وملامح البهجة تغمر مُحيَّاهم، ليخبرونني بأنهم تلقوا اتصالاً من صاحب السمو حاكم الشارقة، ذكر فيه أنه سيحقق لي أمنيتي بإصدار هذا الكتاب فتحققت أمنيتي خلال ثوانٍ.
توثيق
وأشارت السويدي إلى أنها بدأت العمل فوراً، وقالت: بدأتُ بعملية التوثيق، وأتيتُ بأشرطة تسجيل، وسجَّلت 6 أشرطة، وضعتُ فيها كل ما أريد ذكره في كتابي من أشعار وخراريف ومواقف وسيرة ذاتية، كما جمعتُ الصور التي التقطتها لتضمينها في الكتاب، وتولى المسؤولون في «منشورات القاسمي» بالتعاون مع ابنتي أمينة العمل عليه، واستغرق ذلك عاماً، حتى خرج إلى النور.
«سيلفي»
وفي مفاجأة ممزوجة بالطرافة، أكدت «أم المصورين» أنها كانت أول من التقط «السيلفي»، وقالت: منذ بداياتي في التصوير وأنا أتفنن في استخدام الكاميرا، وقد اكتشفتُ «السيلفي» مبكراً، إذ كنتُ أستخدم كاميرا أوتوماتيك أقوم بتوقيتها، ثم أذهب بسرعة وأختار وضعية معينة للجلوس، ولتعابير الوجه والنظرة، وأصور نفسي بالكاميرا تلقائياً، وهذا شبيه جداً بـ«السيلفي» المنتشر في يومنا هذا، وهو ما لفت نظري إليه أحد المصورين، ما يعني أني سبقتُ الجميع.
وذكرت السويدي أن المصورين اليوم لم يتعبوا كما تعبت هي في الماضي، وقالت: كانت عملية التصوير في أيامنا صعبة ومعقدة، كما كان تحميض الصور يتم بصعوبة، وأذكر أن أول كاميرا اشتريتها بعشر روبيات، ولتلك الكاميرا وقع خاص في نفسي، فهي التي أوصلتني للقب «أول مصورة إماراتية».
وعبَّرت السويدي عن أسفها لعدم احتفاظها بكاميراتها القديمة، وقالت: لم أكن أعلم أنها ستكون بهذه القيمة.
موبايل و«آيباد»
وعن الصورة الأقرب إلى قلبها، اختارت السويدي صورة لها مع والدتها تم التقاطها في الأربعينات. وللصورة الفوتوغرافية المطبوعة مكانة مميزة لدى شيخة السويدي التي لا تعترف بصور الموبايل أو «الآيباد»، فللصورة الملموسة حميميتها ونكهتها الخاصة، ورغم ذلك، لم تغفل السويدي أهمية وسائل التواصل الحديثة، إذ تسعى دائماً لمواكبتها. ولدى شيخة السويدي 6 أبناء وما يقارب الثلاثين حفيداً، وقد تعزز حب الكاميرا لديهم جميعاً.
وفي قصة طريفة قالت: أذكر أنني حين سافرت إلى الهند في الخمسينات، فوجئتُ بتقدم البلد، ولفتني وجود أضواء وكهرباء لديهم، ومن فرحتي الكبيرة سألتُ من حولي «هل نحن في الجنة»، إذ لم يكن لدينا كهرباء وأضواء في تلك الأيام، فأجابوني: هذه ليست الجنة، بل هي بلد متقدمة.
صورة ناطقة
عن اللقطة المميزة، قالت شيخة السويدي: الصورة الناجحة هي التي تنطق بكل ما فيها من جمال، إذ يجب أن تكون مملوءة بالإحساس، وأن ينقل الوجه تعابير واضحة، وأن تسحرك فيها النظرة، وتجذبك طريقة الجلوس، كما يجب أن تكون كاملة وغير مبتورة، مع مراعاة الانتباه لأن تكون الإضاءة فيها مناسبة، ومن دون ذلك لا أعتبرها صورة.
