كيف للكاتب أن يُبدع في حضرة أعراف وتقاليد تقف فوق رأسه، تترصد لكل محاولة للقفز فوق الأسوار العالية، فالخيال لدى الكُتَّاب لا يعترف بالحدود، ينتهز كل فرصة للجموح والتحليق في عوالم تتنفس الحرية، وتستنشق أوكسجين الحياة من خلال فكرة جديدة غير مطروقة، وأفكار جريئة قد تدهش القارئ، أو قد يقرأها بنصف عين، إما تعجباً أو خجلاً في موضع ما؟
فإلى أي مدى تقف الأعراف والتقاليد المجتمعية عائقاً في وجه الإبداع المحلي.. وهل يستطيع الكاتب والشاعر التحليق بخياله في المجتمعات المحافظة، وهل تقيد تلك الأعراف حرية المبدع، أم أن النص المحلي إبداع مفتوح على الحرية في حضرة الأعراف والتقاليد؟
«البيان» التقت بعض الشعراء والكُتاب الإماراتيين للإجابة عن تلك الأسئلة.
عبّر الكاتب الدكتور حمد الحمادي، مدير إدارة الاتصال في المكتب التنفيذي لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، عن ميله لأن تكون مواصفات المجتمع المحلي الذي يمثله، الأساس في موضوع الفكرة التي سيوصلها.
وقال: نحن ككتاب إماراتيين، نطمح لإيصال أفكارنا ورواياتنا للمستوى الخليجي والعربي والعالمي، ولكن الطريقة المثلى لإيصالها هي أن تخوض في قضايا المجتمع المحلي وفق الأطر التي تحددها لنا مجتمعاتنا، وهذا الأمر ليس سلبياً، بل هو ما يميزنا عن غيرنا.
تشبُّع
ولفت الحمادي إلى أن القارئ العربي والأجنبي، أصبح لديه تشبع من القضايا المتكررة التي يقرأ عنها كل في مجتمعه، وقال: ندرك تماماً رغبة القراء في الاطلاع على قضايا المجتمعات الأخرى، وواجبنا ككتاب إماراتيين أن ننقل ثقافتنا كما هي للمجتمع العالمي.
كما ذكر أنه لا توجد قيود معينة تمنع الكاتب من الإبداع، مع الأخذ في الاعتبار الجمهور المستهدف والسن الذي يمثله، وقال: إذا توجه الكاتب للفتيان، فلا بد أن تكون هناك حدود تماثل الحدود التي توضع للأفلام والبرامج التلفزيونية وتوقيتاتها، ومثل هذه الحدود لا بأس بها في التعامل مع فئة عمرية معينة، أما إذا كان الجمهور المستهدف فئة الناضجين عموماً، فالكاتب الناجح يستطيع توظيف الكلمة وتوصيل الفكرة بالشكل المناسب.
جنون
بدأ الشاعر محمد البريكي، مدير بيت الشعر في الشارقة، حديثه متسائلاً: وهل كانت العادات والتقاليد في يوم ما قيداً على خيالي أو مذمة على المجتمع أو الكاتب؟ وأجاب عن تساؤله بقوله: على العكس، بإمكاننا توظيف العادات والتقاليد في خدمة نصوصنا الأدبية بشكل جميل، وأعلم أن الجنون صفة من صفات الكاتب.
ولكنه ليس جنون العقل الذي يدفع بصاحبه لأن يشطح بفكره وخياله، ويتجاوز العادات والتقاليد التي يعيشها المجتمع، بل الجنون الذي يدفعه لتطوير وتوظيف خياله بشكل مختلف وراقٍ.
وأضاف: باعتقادي أن الجرأة تكون في التعامل مع الخيال بذكاء، ولكن المشكلة أن البعض لا يستطيع أن يوظف هذا الخيال بشكل جيد، ليسقط في المباشرة، ما قد يعود عليه سلباً.
ولفت البريكي إلى أن أعراف المجتمع ليست قيداً على المبدع، موضحاً أنه حلَّق في مساحات واسعة من المجال من دون أن يحاسبه أحد، وذلك لوعيه بكيفية توظيف خياله وكلمته خدمة لمجتمعه وقضايا الأمة بشكل عام.
رقابة ذاتية
ذكر الشاعر أحمد العسم، أنه من الشعراء الذين يكتبون ما يحلو لهم، لافتاً إلى أنه ورفاقه من الشعراء المحليين يسيرون على هذا النهج.
وقال: نمتلك رقابة ذاتية تجعلنا نعي ما نكتب، ولكن لم تكن أعراف المجتمع وتقاليده يوماً قيداً على إبداعاتنا. وتابع: هناك تحفظات على أمور معينة، كالحديث عن الجسد مثلاً، ولكن الشاعر الذكي يوظف فكرته بأسلوب راقٍ. إن إصداراتي كلها حب في حب، والقيود العائلية موجودة، ولا يحق للشاعر ما لا يحق لغيره، فنحن نعيش ضمن مجتمع فيه أهلنا وعاداتنا، ويجب احترام ذلك ومراعاته.
دور
أشار حمد الحمادي إلى أن دور الرواية في جوهرها التحدث عن أمور جديدة ونقل الزوايا المجهولة التي لا تعرف عنها أطياف المجتمع كافة، فما المغزى من تقديم روايات مكررة يعرف أحداثها وتفاصيلها الجميع؟ وبخوضه الأدبي في المجال السياسي والأمني، لا يحتاج الحمادي للتطرق للموضوعات الأخلاقية الحساسة، فرواياته لا تتطلب منه الخوض في تلك الدهاليز.



