تغيرت الفنون الشرقية، بشكل عام، بعد أن تم تحريم التجسيد في الإسلام والنهي عن رسم الكائنات الحية.
فأصبحت تسمى فنوناً إسلامية، وتطورت لتضع كل جهدها الفني في الخط العربي، بالإضافة إلى النباتات التي لحقت بها الزخرفة والتنميق والزركشة وكل المنمنمات المتخيلة، خاصة مع تطور العهود الإسلامية ومراكز فتح مدنها مع تدوين القرآن الكريم، ليأخذ الخط العربي طريقه من الكوفي الذي ولد في الكوفة بالعراق ونُسخ القرآن الكريم به.. إلى أساليب وأشكال أخرى فيما بعد في عواصم الدول الإسلامية، من دمشق الأموية وبغداد العباسية وصولا إلى الدولة العثمانية في اسطنبول، هذه الإمبراطورية التي بلغت أوجها حين توسعت بقوتها في معظم دول العالم خاصة بعد دخولها القسطنطينية واتخذت منها عاصمة لها تحت مسمى اسلامبول أي إسطنبول.
تفرع الخط
تطورت الفنون في الأناضول بشكل عام، لكن اسطنبول أخذت الريادة في المجال وأصبحت مركزًا للفنون الإسلامية، وبشكل مختلف. حيث تبنى السلاطين المواهب الفنية الفطرية للفتيان ليصنع منهم أمهر النقاشين والخطاطين في الدولة، فيتنوع على أيديهم الإنشاء ويتفرع ويتوسع مع الوقت من المصاحف إلى: الحليّات الشريفة، الخرائط، التواقيع، كتابة المراسيم، المدائح، الألبومات واللوحات.المتحف التركي الإسلامي
أخذ الخط طريقه في التغيير: من الكوفي الذي استخدم في جميع بقاع العالم الاسلامي، والذي كتب به معظم الكتب المقدسة ومصاحف المسلمين، وكان يعد من أقدم أشكال الخط العربي، إلى نمط خطوط أخرى حين قامت الإمبراطورية العثمانية في بداياتها بتشجيع كتابة القرآن الكريم والنصوص المقدسة ونسخها ودراستها، وكذلك الأحاديث النبوية الشريفة، ليؤدي كل ذلك إلى ولادة علم الخط، فانصبت الجهود الكبرى على الكتابة واختراع هندسة جديدة للحروف لتصاغ بها.
حب عميق
الزائر إلى المتحف التركي الإسلامي في العاصمة التركية اسطنبول، حاليا، يجد كل النمنمات قد رصت هناك بعد أن جمعت، أغلبها منذ القرن الخامس عشر الميلادي، فاكتنز معها بكل ما هو ثمين.

أجمل مصاحف السلاطين العثمانيين منذ بداية فترة حكم كل منهم وإلى نهايتها موجودة في المتحف التركي الإسلامي، كذلك لوحات اتخذت من مدح الرسول الكريم محمد «ص» فنًا، إذ عبر الأتراك عن عمق حبهم النبي محمد من خلال توظيف مواهبهم في مدحه شعرًا وخطًا، في تلك اللوحات، ذاك بدل تجسيده رسمًا، ورغم قدرتهم على هذا التجسيد بسبب ما يتوافر لديهم من أحاديث قدسية وشريفة تصف خُلُقه وخَلقه.. لكنهم ابتعدوا عن التجسيد كون ذلك محرماً، ليبدعوا في وصف الرسول الكريم شعرًا وكتابة، وهنا أخذ الخط المستخدم طريقه الهندسي في الوصف، لينشأ نمط إبداعي جديد يُدعى «الحلية الشريفة» التي ساهمت في وضع ميزان لحروف الخط العربي بهدف عرض تميز أخلاق النبي محمد«ص» وصفاته الرفيعة، وذاك طبعا، في قالب وشكل فني هندسي مزخرف ومُذهب.
الحلية الشريفة
تجلى الفن في الحلية الشريفة، وهي نمط آخر لم ينشأ إلا في اسطنبول وبالتحديد في القرن الحادي عشر الميلادي، لوحة خطية أخذ كل خطاط يحرص على كتابتها لإبراز جوانب مهارته الإبداعية ومواهبه بحرية وبحب لخطاطي ذلك الزمان.
تأتي الحلية الشريفة دائما مستطيلة، والدائرة موجودة في أعلى وسطها..وهناك دوائر أربع حولها تتضمن أسماء الخلفاء الراشدين الأربعة، وفيها يبدع الخطاط في خطوطه ليصف النبي محمد «ص» مستدلاً بآيات قرآنية نزلت عليه. وقد أتت الحلية الشريفة بعد الاهتمام بدراسة مظهر النبي محمد وشخصيته، استنادًا إلى مضامين الأحاديث الشريفة، والتي تحدث عن أبرزها الترمذي. وبما انه كان سائدا بين المسلمين في المناطق الشعبية في زمن الإمبراطورية العثمانية، بأن قراءة وصف النبي محمد في الحلية تحمي الشخص من مشاكل هذا العالم وشروره، بل والقادمة من أمور يجهلها.. لذا كان لا بد من امتلاكها عند البعض، وعند البعض الآخر مهمة كديكور للجدار وفخر الامتلاك والأهم دلالة الفرد وبرهانه على محبة النبي«ص» ومع الوقت صارت الحلية الشريفة من الأعمال الوطنية التركية، وجنساً إبداعياً أبدياً تركياً صرفاً.
1326
منذ انتشار الخط العربي بالمنطقة عموما، اعتبر الخطاطون اللغة العربية مقدسة إذ كتب بها المصحف الشريف. وانطلق مبدعو هذ الفن من حس إيماني. وكان لافتا ما شهده من تطور مع نشوء مدرسة تحسين الخط بالأستانة سنة 1326هـ.
16
الخطاط العثماني أحمد قرة الذي عاش في القرن16، وفيما بعد بقية الخطاطين الذين طوروا المصاحف، وبالأخص مصاحف أسرة السلطان، اهتموا جميعًا بالخط العربي منذ أن كانوا في الأناضول ومن منطلق احترام اللغة التي تعبر عن دينهم الإسلامي الحنيف.
28
اتخذ العثمانيون من الحروف العربية الـ 28 طريقًا آخر للفن والإبداع، لتخرج الآيات القرآنية بأنواع خطوط أخرى نحو طريق جديد يقود إلى التغيير بعد أن كان الخط الكوفي مسيطرا. فنشط العثمانيون بصناعة خط جديد وزخرفة وتجليد وتسطير وتذهيب.




