قبل أيام، فاجأتنا صحيفة «البيان» بقصيدة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، بعنوان: «إلى دايم السيف»، وهو صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل، واليوم نقرأ قصيدة رد من «دايم السيف» إلى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، والقصيدتان كل منهما اشتملت على 17 بيتاً، واتحدتا في البحر والقافية، واستهل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد قصيدته بقوله:
عندي دواوين شعرك دوم قدامي
وانا المود الذي لك بيح أسراره
كم يحمل هذا البيت وحده من المعنى الرفيع والأدب السامي والحب الصادق من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد للأمير خالد الفيصل، حيث إن الأول دائم التفكير في صديق يجل صداقته ويجل شعره، ويكنّ له خالص الود والتقدير، فخالد الفيصل الخل الموافق، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد الصديق الصدوق، ولا تحاسد ولا تباغض بينهما، برغم أن كليهما فارسان ويملكان ما يثير ثائرة الآخر.
ثم يستمر الشاعر في شعوره الطيب، فيذكّر صديقه بما كان بينهما من علاقات حميمية، وتبادل بأعذب الأشعار في جو من التناغم والانسجام، ويعبر عن ذلك بقوله:
يا دايم السيف أنغامك مع أنغامي
مثل البحر ما يوقف موج تياره
إذا بغيت آتأمل فنها السامي
أبحرت فيها منقاية ومختاره
ويذهب صاحب السمو الشيخ محمد بعد ذلك يذكّر صديقه الأمير خالد الفيصل بالمطارحات الشعرية والقصائد المتبادلة بينهما في منطقة أبها وعسير الجميلة التي تشتهر بجوها العليل وبظبائها فيقول:
ذكرت بيني وبينك نظم نظام
فزت خشوف المها في البر محتاره
(وظبي تربون) في الماضي م الأعوامي
يا كيف سوى وعساها تسعد أخباره
ولا ينسى صاحب السمو الشيخ محمد أن يذكّر الأمير خالد بالأمسية الثنائية الجميلة التي أقيمت بينهما قبل سنوات عدة، وقد مرت تلك السنوات كأنها أمس القريبة، ثم يشيد «فارس العرب» بشعر «دايم السيف»، فيقول:
كانت معانيك مصدر وحيي وإفهامي
اذا شكى شاعر مبدع من إعساره
يا حامل البحر في جوفك ولإضرامي
(من كل ضد وضد) ليله مع نهاره
وفي ختام قصيدته، يشيد بمكانة خادم الحرمين الملك سلمان بن عبد العزيز، وقد سماه «حامي الإسلام»، أطال الله عمره، وهو كذلك إن شاء الله.
ويعود شاعرنا كما بدا، فيشيد بدور الأمير خالد في حياته الشعرية، إذ يعتبره كأنه هو الشاعر الوحيد الذي يفهمه ويقدّر ما يقوله من القصائد، وقد تجلى ذلك المعنى في قوله:
ويادايم السيف لجلك دام لإلهامي
به تتحف الشعر وأحبابه وسماره
وأما الأمير خالد الفيصل فاستهل قصيدته بالقول:
يا فارس الشعر والرؤية والإقدام
يا مطور بالفكر والمعرفة داره
انظر كيف بهذا الأسلوب الألمعي قد اختصر الطريق على نفسه وعلينا، فوصف صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بما يتميز به عن سائر الحكام ورؤساء الدول، كيف لا وهو صاحب كتاب «رؤيتي» و«ومضات من فكر»، وهو الذي هيأ دبي قلب دولة الإمارات لتحتضن إكسبو 2020 بجدارة، ومن دبي سوف ينطلق مسبار الإمارات إلى المريخ عام 2021 بعد إكسبو مباشرة إن شاء الله.
أيام الشباب
ثم يقول خالد الفيصل لصديقه العزيز وزميله في درب الفكر والشعر والأدب: وصلني شعرك عبر وسائل الإعلام، وتردد صداه في جبال مكة وتهامة وفي فلوات بر نجد وعبر البحر الأحمر، وأنت من أنت، لقد دانت لك كل القدرات، وخضعت لك كل الأقلام، فعبّرت عما في خاطرك بمحض إرادتك، وحرية فكرك، وأثبتّ لعالم الفكر والشعر والسياسة والاقتصاد والبناء أنك وحيد دهرك، فلله درك. وذهب بعد ذلك يزجي الثناء، ويزف الشكر على هذه المفاجأة السارة التي جددت في دواخله عزمات الشباب، ونسائم الأيام الخوالي لذلك يقول:
أسعدتني بالرسالة يا كرم كرام
ورديتني للشباب بأجمل زيارة
يا ما قنصنا المعاني طارد ورامي
ويا ما قطفنا ورود الوصف وأزهاره
ويا ما اعتلينا سحاب يرزم رزام
وغصنا بحور الشعر نختار محاره
نعم.. وبما أن الحياة لا تبقى على حال، فإن الأمير الشاعر يقارن بين تلك الأيام الجميلة وبين هذه الأيام المعكرة بالنائبات.
مصارحة
من أجل ذلك، فإنه يحن ويشتاق إلى أيام الأنس والمرح مع الأحباب من ناحية، ومن ناحية أخرى يوطد نفسه ليتحمل المزعجات من الليالي، فقد آن وقت أن يتحمل المسؤولية، بل يصارح صديقه الشاعر الكبير فيقول: لقد أعطيت لنفسي جزءاً من وقتي، وآن الأوان أن أعطي ما تبقى للوطن، فنحمل السلاح وندافع عن أقدس بقعة، وندفع عن الكعبة شر الأشرار، لذلك يقول:
وللشعر مثل الزمان فصول وأحكام
فيه الربيع وخريف العمر وأطواره
واليوم أوقفت نفسي وأجمل أحلامي
لأغلى وطن وأقدس أرض وأول عمارة
ومجهز بندقي للحرب وحزامي
فدوة بلادي وفزعة نخوتي جاره
نعم هو هذا نجل الملك الشهيد فيصل بن عبد العزيز الذي كان يكرر في خطبه دائماً: «أسال الله أن يرزقني الشهادة في سبيله»، وهو شقيق سعود الفيصل الذي قال: «نحن لا نسعى إلى الحرب، ولكن إذا فرضت علينا فنحن رجالها»، وبناءً على ما سبق، فإنه اليوم أمام حرب فُرضت عليه، فلا بد أن يدافع عن أرضه ويهبّ لنجدة إخوانه، والرسول أوصى بالجار.
ولا يكتفي بذلك، فيهدد أولئك الذين زيّن لهم الشيطان أن الوصول إلى الكعبة بصاروخ بعيد المدى ممكن، فيقول لهم:
يا طامعا في ثرانا حلمك أوهامي
خليجنا دونه الموت الحمر شاره
من مد يده قطعناها بصرام
وصاروخهم صقرنا حول به بشاره
ويشيد في الختام بدور حكامنا حكام الخليج والعرب عموماً، وفي مقدمتهم الملك سلمان بن عبد العزيز والشيخ خليفة بن زايد. أقول إن المتأمل في قصيدتي الفارسين يرى جلياً أن كليهما متمكن من اللفظ والمعنى، وكليهما يعتز بالبر مصدر إلهام، وبالبحر مصدراً للرزق والخي،ر في حين أنه لا يخلو من الخطر، ولكلا الشاعرين باع طويل في انتقاء مفردات من قلب الصحراء، لم يعكر صفاءها صخب المدن.
مفردات قوية
ففي قصيدة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، نقرأ مفردات مثل: «رجم – فزت – خشوف المها – ارزامي – الذاهبة – الطامي».
وفي قصيدة خالد الفيصل، نقرأ المفردات التالية: «طارد – رامي – يرزم – رزام – الطاروق – فزعة».
وبما أن الشاعرين متقاربان في العمر إلى حد ما، فإن أفكارهما متقاربة أيضاً، وكذلك العواطف والأخيلة متشابهة، فكلاهما تربى في البر، وكلاهما نشأ في بيت مجد عريق، وترعرع بين الدين والأدب وحب الخير، وكلاهما عشق صهوات الخيل والتعامل مع السلاح في وقت الجد.
وفي قصيدة الأمير الشاعر إشارة واضحة إلى التحالف الخليجي والعربي، والاعتداد بالاتحاد الثنائي بين السعودية والإمارات.
قلباً وقالباً
وفي قصيدة الشيخ محمد بن راشد إشارة إلى أن الإمارات مع السعودية قلباً وقالباً، وأنها تقف صفاً واحداً وراء قائد التحالف الملك سلمان.
أقول: ومن حق الشاعرين أن يتفاخرا بالأيام الجميلة التي جمعت بينهما، فهل ينسيان أو ننسى نحن قصيدة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد التي مطلعها:
صفح صافي الخد المصفى عن الصفا
وصفا ما صفا مما صفا غير لانصافي
وقد رد عليه دايم السيف بقوله:
عفا الله عن قلب من الحب ما عفا
تجده عيون الشيخ والقلب ميلافي
أو هل ينسى عشاق الشعر والغناء قصيدة الأمير خالد الفيصل التي مطلعها:
من بادي الوقت وهذا طبع الأيامي
عذبات الأيام ما تمدي لياليها
وقد رد علي الشيخ محمد بن راشد يقول:
يا مرحبا يا معنى خط الأقلامي
مثائل شوقتني في معانيها
نعم.. نعم، إذا كان خالد الفيصل يهنئ دولة الإمارات بهذا المستوى الذي حققته من الرقي والرفاهية والسعادة، بفضل الله، ثم بفضل رقي ورؤى قيادتها، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد أبرز مثل، فإن الإمارات أيضاً تنظر إلى القيادة الرشيدة في السعودية بأنهم الحصن الحصين للخليج، وما خالد الفيصل أمير مكة المكرمة إلا مثال واحد للنموذج السعودي والعربي الذي قدر على التحدي خارج ثروات النفط، تابعْ الأمير خالد الفيصل من خلال مؤسسة الفكر العربي، لترى كم هو نموذج رائع للفكر العربي، وأخيراً شكراً للفارسين العظيمين.

محمد بن راشد: خالد الفيصل فارس الكلمة
نشر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي،رعاه الله، على صفحته في "تويتر" أمس، تسجيلاً بصوت صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل آل سعود، وهو ينشد قصيدة جديدة يجاري فيها قصيدة" دايم السيف" التي سبق أن نشرها الشيخ محمد بن راشد في الثاني من نوفمبر الجاري، وكتب سموه معلقاً على التسجيل: «قصيدة من الأخ والصديق سمو الأمير خالد الفيصل.. فارس الكلمة.. وجامع الحكمة».


