يأخذ اللقاء مع عائلة محمد جاسم حول القراءة، بعداً جديداً يربط ما بين الواقع وفلسفة الحياة، وانعكاس هذه الفلسفة على تفاصيل الحياة اليومية والعلاقة بين أفراد الأسرة والمحيط من جهة، وعلى علاقة الإنسان القارئ بذاته، وكيفية تفاعله مع الصعاب والتحديات التي تواجهه من جهة أخرى.

«البيان» زارت العائلة في منزلها، والتقت في جلسة جماعية، بكل من: الوالد محمد جاسم- المدرب الاستشاري المعني بالتميز المؤسسي، الأم جميلة حسن- الموظفة سابقاً، اثنان من أبنائهما الستة، وهما: ميثم- الطالب الجامعي، زينب- البالغة من العمر 12 سنة.

يقول الأب جاسم في بداية الحوار عن دور القراءة في حياة الإنسان: «اكتسبت من الكتب معرفتي بمختلف جوانب الحياة سواء في مجال تخصصي الإداري، وقبلها العلوم السياسية الدولية، أو الفهم الإيجابي للحياة. وشكلت مع مرور الوقت، فلسفتي الإنسانية التي أسست عليها علاقاتي مع زوجتي وأبنائي الستة، وعملي وتفاعلي مع مجريات الحياة.

أضاءت الكتب أفق تفكيري ومعرفتي، وأمدتني بأسس الحوار الحضاري بين الزوجين وكيفية التعامل مع الأطفال، استناداً إلى علم النفس».

ويحكي عن إنشاء مكتبته المنزلية الضخمة: «في مكتبتي اليوم أكثر من ثلاثة آلاف كتاب ويتجاوز عمرها 36 عاماً. وبدأت ببنائها منذ كونت أسرة، وهي منوعة بين الفلسفة والفكر والإدارة والسياسة وعلوم المعرفة والنفس وتطوير الذات. وما اكتسبناه كوننا أسرة من القراءة، يتجاوز النظريات، فهناك ثقافة السلوك والبعد الأخلاقي والتعايش مع الآخر، والانفتاح على ثقافات الغير».

ويتحدث جاسم عن المحورين المفصليين في علاقته مع الكتاب خلال مسيرة حياته قائلاً: «المرحلة الأولى ارتبطت بدراستي الجامعية.

حيث ركزت في قراءاتي على السياسة الدولية- مجال تخصصي، وكان للمجلة المصرية» السياسة الدولية علاقات «الصادرة عن دار الأهرام، أثر كبير في رفد معرفتي كونها مرجعاً مهماً في أبحاثي، إلى جانب كتب الدكتور إسماعيل صبري عبدالله«1925-2006»، ومحمد حسنين هيكل «1923-2012».

وينتقل في حديثة إلى المرحلة الثانية في تحصيله القرائي قائلاً: «بدأت هذه النقلة النوعية مع قراءات في منتصف التسعينيات من القرن الماضي، حينما التحقت ببرنامج دبي للأداء الحكومي المتميز، الذي فتح لي بوابة جديدة في تخصص المعرفة».

نافذة وذكريات

ويأخذنا رب الأسرة في رحلة عبر الزمن، عبر حديثه ومحطاته، لنصل إلى مرحلة الطفولة وحتى المرحلة الجامعية التي يحكي عنها قائلاً: «لم تكن الكتب في ذاك الوقت متوافرة.

كما هي عليه الآن، وكانت نافذتنا الوحيدة لاحقاً معرض الشارقة الدولي للكتاب، وتلاه معرض أبوظبي الدولي للكتاب. وكنا في مراحل الطفولة نقرأ قصص المغامرات والمجلات المصورة مثل «ميكي» وسلسلة (المغامرون الخمسة)، التي كنا ننتظرها بشوق».

ويتنهد بعمق ويتابع: «أما الطقس العائلي الذي نحرص على استمراريته ولو في الحد الأدنى، بعدما أن تجاوز أولادنا مراحل الطفولة وباتوا بالغين راشدين، فهو زيارتنا السنوية لمعرض الشارقة الدولي للكتاب».

ويقول جاسم عن الكتب الأبرز في مجموعة مكتبه: «أبرز الكتب التي أعتز بقراءتها وجمعها، كتاب «ومضات من فكر» لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، الذي يعكس رؤية مستقبلية، يتحدث فيها سموه عن حكومة سبع نجوم، وغيرها من الركائز المهمة في الإدارة والقيادة وحياة الفرد.

ولطالما استشهدت، وأفعل ذلك دوماً، في الدورات التدريبية، التي أجريها بأمثلة من الكتاب الثاني لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، «رؤيتي»، إذ أحرص على ربطها باستراتيجيات مؤسسات المشاركين في الدورات. وهناك أيضاً من الكتب، ما صدر عن سلسلة (عالم المعرفة) الكويتية، كذلك كتاب (أيقظ قواك الخفية) لأنتوني روبنز و(الفوز) لجاك ويلش».

تجربة متمايزة

تمتلك الأم والزوجة، جميلة حسن، تجربة مختلفة في علاقتها مع القراءة، لتبدأ بالعام وتنتهي بالخاص قائلة: «ركزت خلال دراستي الجامعية وعملي على الكتب المتخصصة بالإدارة.

وبدأت بعد زواجي وإنجابي، بقراءة الكتب المعنية بالتربية والأسرة، وكنت أناقش هذه الكتب مع زوجي. والارتباط بإنسان قارئ كما حال زوجي، يعني لغة حوار مختلفة تجمع بين الوعي والعقلانية وأسلوب توصيل المعلومة، وبالتالي عدم الوقوع في الفخ الأكبر للخلافات الزوجية وهو التعامل بردود الأفعال».

وتتطرق جميلة بعدها، إلى الكتب التي كان لها الأثر الأكبر في حياتها قائلة: «الكتاب الذي كان بمثابة اكتشاف عالم جديد من المعرفة بالنسبة لي هو: «الذكاء الوجداني» لدانييل جولمان، حيث انحصرت معايير الذكاء في مجتمعاتنا بالجانب الأكاديمي فقط، فالذكاء العاطفي يشمل ضبط النفس والمثابرة والقدرة على تحفيز الذات والتعامل الدبلوماسي.

وهو ما حاولت نقله إلى أبنائي كما عادة القراءة، حيث كنا منذ بداية لتشكيل وبناء وعيهم، نسجل اشتراكنا في مجلة (ماجد) و(أحمد) باسم ابننا، ليتسلمها بنفسه، وفي مراحل لاحقة كنا نحرص لدى زيارتنا المكتبات، أن ينتقي أبناؤنا كتبهم بأنفسهم».

كتاب مهم

وتقول جميلة وهي تبتسم وتطالع زوجها: ًأما الكتاب الذي كان بمثابة اكتشاف آخر في مجال الاختلاف في آلية التفكير فهو (النساء من الزهرة والرجال من المريخ)، هذا الكتاب ساعدني كثيراً في اختيار الأسلوب الأفضل في التواصل مع زوجي، وفهم ما كان صعباً علينا كوننا نساء فهمه سابقاً، والذي كنا نعزو البعض منه إلى المزاجية».

وقبل توجهنا بالحديث إلى الابنة زينب، طلب منها والدها أن تحضر له «ما أراد». وفي غيابها بينما ذهبت من بيننا لتلبي حاجة وطلب والدها، بدأ جاسم يروي لنا قصة شاركت فيها ابنته قائلاً: «قبل سنوات ولدى زيارتنا للسوق، طلبت مني زينب انتظارها قليلاً لشراء هدية لصديقتها من المكتبة». وهنا عادت زينب وهي تحمل كتابين صغيرين قدمتهما لوالدها، ليتابع الوالد حكايته بصوت مؤثر:

«وعندما عدنا البيت قدمت لكل منا، أنا وأمها، هدية خاصة. وكانت تلك الهدية المفاجأة الأسعد والأكثر بهجة وتأثيراً في حياتي، فهي كتاب صغير بالإنجليزية عنوانه «إلى أفضل أب في العالم» كذلك الأمر بالنسبة لهدية أمها».

وهنا تعود الوالدة جميلة، لتتدخل في الحوار، فتحكي عن دور القراءة في تميز الإنسان قائلة: «القراءة تساعد الإنسان ليكون أكثر انفتاحاً وفهماً وحكمة، وبحكم قراءاتي وانعكاسها على شخصيتي تلجأ إليّ قريباتي والصديقات للمشورة في أمر أو إشكالية ما يواجهنها في ميدان القراءة والثقافة».

أما زينب التي تتمتع بموهبة الرسم وتشارك في العديد من الدورات الفنية فتقول، بخجل: تابعت وأنا صغيرة، قصص «توته» من دار الحدائق. أما الآن فقراءاتي متنوعة، من دون تحديد، وأكثر رواية أحببتها هي «شارلي في مصنع الشوكولاته» باللغة الإنجليزية للكاتب المشهور رولد دال «1916-1990»، وأجمل ما فيها شخصية صاحب المصنع ويلي ونكا الغامضة والطريفة».

يوضح ميثم الذي يدرس هندسة الميكانيك عاداته القرائية ونشأته على حب القراءة: منذ طفولتي وحتى دخولي الجامعة، كنت أهوى قراءة قصص المغامرات والخيال العلمي.

وبالأخص روايات هاري بوت. ولدى سؤاله عن الفارق بين قراءة الرواية ومشاهدتها فيلماً قال: الفرق شاسع بين الاثنين ولا مجال للمقارنة فإن أخذنا على سبيل المثال أحد أجزاء هاري بوتر للمقارنة، فسنجد أن الفيلم يقتطع ما بين 50 إلى 60% من أحداث القصة، وهي شائقة لأنها تزيد من عمق الشخصيات ومتعة المتابعة.

مقولات

تنطلق الأسرة من مفاهيم وقناعات راسخة لديها، محورها حب القراءة والتعلق بالمعرفة، مستفيدة من مقولات جملة عباقرة وأدباء:

ليس هناك كتاب أقرؤه و لا أستفيد منه شيئاً جديداً، فحتى الكتاب التافه أستفيد من قراءته».

عباس محمود العقاد

«الوسيلة الأولى للترغيب في القراءة، هي استثارة الفضول الشخصي».

توفيق الحكيم

«أعَزُّ مَكانٍ في الدُنَيا سَرجُ سابِحٍ

وخَيرُ جَليسٍ في الزَمانِ كتابُ».

أبو الطيب المتنبي

«يجب أن يكون الكتاب فأساً للبحر المتجمد فينا».

كافكا

«عليك ألا تقرأ لمجر المتعة فقط. اقرأ لتكون أكثر ذكاء وأقل انتقاداً، وأكثر قدرة على فهم سلوكات أصدقائك، وربما أنت نفسك».