في الوقت الذي كانت تتردد فيه كلمات قصيدة «ريتا» للشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش، في فضاء الردهة الخلفية لندوة الثقافة والعلوم بالممزر، انشغل أبطال مسرحية «الظمأ» في إعداد الخشبة، تمهيداً لاستقبال عشاق «أبو الفنون»، الذين تقاطروا من كل حدب وصوب، لمتابعة عروض مهرجان دبي لمسرح الشباب، ليكون عرض «الظمأ»، بمثابة وجبة فكرية دسمة، تكاثرت فيها الرموز والدلالات، في أجواء سينوغرافية خفيفة الظل، أبدع في تقديمها الشاب عبد الله الحريبي، لتكشف عن طاقة إخراجية جديدة.

نص «الظمأ»، وهو من تأليف فيصل الدرمكي، ليس وليد اللحظة، وإنما يعود في عمره إلى 2004، حيث بدأ الدرمكي بتأليفه، ليقدمه على خشبة أيام الشارقة المسرحية بعد عامين، لتتاح الفرصة مجدداً أمام النص لأن يترجم على خشبة «دبي لمسرح الشباب» برؤية شبابية، حيث يعد هذا العرض، التجربة الإخراجية الأولى للفنان عبد الله الحريبي، الذي سبق له الإطلالة على خشبة المهرجان ممثلاً.

رحلة وصراعات

«رحلة بحث عن الماء، يقوم بها اثنان، كمحاولة لإنقاذ أهل قريتهما، ليعيشا رحلة أليمة ملآى بالصعاب، ولكن ما إن يعثرا عليه، حتى يقع الخلاف في ما بينهما، حول نقل الماء إلى القرية، أحدهما يؤيد ذلك، فيما الآخر يعارض، معتبراً أن الماء أصبح ملكاً له، ليكون البقاء للأقوى».

صراعات درامية وإنسانية واضحة تضمنها العمل، الذي حمل إسقاطات عدة على الواقع، لعل أهمها برأي النقاد الذين اجتمعوا في ندوته التطبيقية، والتي أدارها الفنان جمال الجسمي، بحضور المؤلف والمخرج، تمثل في الصراع على السلطة من أجل الثروة، إلا أنه، وبرغم تجليات النص، فقد ظهر وكأنه مبتور. وفي هذا الصدد، أبدى د. علي عبد الله فارس رئيس اللجنة الثقافية في فرقة مسرح رأس الخيمة الوطني، إعجابه بالنص الذي تعمق فيه كثيراً، قائلاً إن فيه «إسقاطات خطيرة، وقد بدا لي النص فلسفياً»، مثنياً في الوقت ذاته على خطوة عبد الله الحريبي وتجربته الناشئة في الإخراج.

والأمر كذلك انسحب على ياسر القرقاوي، الذي وصف العمل بـ «وجبة فكرية ثقيلة ووجبة بصرية خفيفة، يتضمن حوارات جميلة، ولكنه سرعان ما تحول إلى استعراض». وقال: «استخدم المخرج الحريبي، الملابس والسلاسل بطريقة جميلة، وضمن دلالاتها، كما استطاع خلق بيئة جيدة على الخشبة».

ورغم ذلك، فقد طالب القرقاوي، الشباب بضرورة الابتعاد عن السوداوية والظلامية في السينوغرافيا، مبرراً ذلك بأن المشاهد دائماً ما يتطلع إلى رؤية تعابير وجه الممثل، والتي يجب أن تأخذ حقها من الإضاءة.

إقناع وإحباط

من جانبه، عبر الفنان منصور الفيلي عن إعجابه بالنص والعرض بشكل عام، وبما حمله من دلالات ورموز، متسائلاً عن سبب عدم ظهور هذا النص إلى النور منذ وقت طويل، طالما كان جاهزاً منذ 2004، مثنياً في الوقت ذاته على تجربة عبد الله الحريبي الإخراجية، وقال: «لقد أقنعني الحريبي كممثل ومقدم برامج تلفزيونية، وها هو يقنعني مرة ثالثة في الإخراج، حيث بدا مالكاً لأدواته الإخراجية».

الفيلي لم يترك مداخلته تمر مرور الكرام، من دون التعبير فيها عن إحباطه من الوضع العام للمسرح الإماراتي والمسرحيين، قائلاً: «بعد تجربة طويلة قضيتها على الخشبة، أصبح لدي قناعة، أن الجهد والتعب الذي يبذله المسرحي على الخشبة، غير مقدر، ولا قيمة له، سواء على المستوى الإعلامي، أو حتى الجهات المسؤولة، التي لا توفر أي دعم يذكر له، فمهما قضى الفنان من عمر على الخشبة، يظل كما هو، ما أجبرني وغيري إلى هجران الخشبة نحو التلفزيون للمشاركة في تقديم الدراما، والأعمال السينمائية».

الفيلي طالب إدارات القنوات التلفزيونية، بضرورة فتح الفرص أمام الشباب المسرحي، ليعبروا عن طاقاتهم، ويبرزوا مواهبهم الفنية.

وقال: «المشكلة التي نواجهها نحن معشر الفنانين الإماراتيين، أن إدارات التلفزيون على اختلافها، دائماً تسعى لأن تستقطب نجوماً من خارج الدولة، في وقت تفيض فيه الساحة الإماراتية بالمواهب والطاقات الفنية القادرة على حمل أي عمل فني».

مطر

اليوم الثامن للمهرجان، لم يكن قاصراً على عرض «الظمأ»، وإنما شهد أيضاً تقديم مسرحية «مطر تصاعدي»، التي قدمها على الخشبة مسرح العين، وهي من تأليف أحمد ماجد، وإخراج عبد الله الظاهري، والتي تدور أحداثها حول حكاية طالبين في سكن طلابي قديم يتبع للجامعة، الأول قديم، فيما الثاني لا يزال جديداً، لنشهد في ليلة ممطرة، صراعات متعددة من أجل بسط النفوذ والاستحواذ على السكن.