للمكتبات الأولى في هذا العالم قصصها المتميزة والخالدة، خاصة تلك التي بنيت في العهود القديمة، فامتازت عن غيرها بمكارم الأثير، وجمال الاصطفاء، فمن الحكايات التي توقدت في حروف الذاكرة وما زلنا نتلمس أسبقيتها ومكانتها هي «مكتبة سيلْسُوسْ» الرومانية المشيدة عام 135م والنادرة في بنائها، إذ تحتويها الآن مدينة أفْسُسْ في أزمير التركية.

وهذه المدينة كانت قد مرت عليها حضارات عديدة: يونانية ورومانية وبيزنطية وعثمانية.. حتى أصبحت في أراضي تركيا العلمانية.. غسلت نفسها طويلاً وهي في تلك الاطلالة المضيئة على ضفاف بحر ايجه أحد بحار البحر المتوسط. بُنيت المكتبة هناك، لكن يندر أن يرد اسمها على الألسنة حين تأتي سيرة المكتبات وأسماؤها، رغم أنها ثالث مكتبة في العالم، بعد مكتبة الإسكندرية ومكتبة برغاموس، اللتين أخذتا الاهتمام في الكتابة عنهما طويلاً لأسبقيتهما، رغم أن «مكتبة سيلسوس» لها حكاية إنسانية مشرقة تحمل النور في روح ذاكرتها المعرفية بعد أن بنيت فوق ضريح، فأصبح أول ضريح داخل مكتبة.


أفسس
يخرج ابن أفسس المدعو «تيبريوس يوليوس سيلسوس» الثري صاحب الشعبية الهائلة في مدينته، وكان قد اتخذ طريقه إلى مجلس الشيوخ الروماني، حتى صار قنصلاً ثم حاكماً رومانياً في أراضيها في آسيا تقديرًا لتاريخ عائلته الديني بعد أن خدموا في معابد روما الوثنية بإخلاص جيل بعد جيل. ووضع سيلسوس ثروته في خدمة العلم والمعرفة فابتاع الكثير من اللفائف والرقع، حيث ترك 12 ألفًا من المخطوطات العلمية والأدبية والفكرية والفلسفية.


نلاحظ دائمًا أن شخصيات تاريخية هامة مدفونة في المعابد والكنائس، بينما بقية القبور تمضي اصطفافاً لتأخذ دورها في جوانب المدن وأطرافها، لكن القاعدة تختلف في مدينة أفسس حين كانت تابعة للحضارة الهلنستية أثناء ذروة النفوذ اليوناني في العالم القديم، وبالتحديد في القرن الأول والثاني قبل الميلاد، ولا بد من الاشارة إلى أنه حين احتلت الجمهورية الرومانية جزءاً كبيراً من اليونان، اتخذت من أفسس عاصمة لها في آسيا الصغرى.


ضريح في مكتبة
بعد وفاة سيلسوس عام 135م، أقنع ابنه الدولة الرومانية ببناء مكتبة فوق ضريح والده، عبر الاستفادة من ثروته. وحصل على الموافقة وخرج صرح المكتبة مرتفعاً بطوابقه الثلاثة، ليبقى الجسد بتابوته الأنيق في سرداب المكتبة، والذي قام مع نصب تذكاري.. لذا تعد أول مكتبة تقام فوق قبر، وأول قبر تضمه مكتبة.


تفاصيل ملونة
مكتبة سيلسوس التي سميت تيمناً بصاحبها تميزت في بنائها المتقن والعبقري، رغم أنها أصبحت أطلالاً الآن..والقليل القليل هو ما تبقى منها، لكنها حتى يومنا هذا أمثولة أمام العالم في بنيانها الفذ. وبقيت نموذجاً فريداً لنمط المعمار الروماني المتأثر بنظيره اليوناني، ويتبدى ذلك في أعمدتها الأمامية الثمانية التي شيدت حتى بدت النوافذ تحملها لا العكس. وهناك النوافذ المماثلة للمخطوطات والسقف المسطح للحصول على فرادة الضوء الشفاف عبر كوة. البنيان المدروس في ثقافة الشعوب، أجمل ما يحتفظ به الإنسان عبر الزمن، سواء في هويته المتمثلة في حقيقته المطلقة وصفاته الجوهرية، أو في ثقافته التي تبوح بسماته المكانية واتجاهاته الفكرية والذوقية والفنية حين تفيض جمال زخارفه المحفورة في صخور بنيانه المعبرة عن زهور أرضه ونباتاتها ونوع طينه.


ثروة الأدب والمال
أوصى سيلسوس قبل وفاته بمبلغ وقدره 25 ألف ديناريوس «دينار» ثمنًا لمواد القراءة واللفائف والمخطوطات. وكان أول من يدفن ويبنى فوق ضريحه، بدل المعبد، مكتبة تكريما له وتقديرا لمكانته. كان المدخل المؤدي إلى السرداب يحتوي على تابوته، ونصب هناك مع مراسم دفن تليق به. والمعروف لدى العالم، أن من تقدرهم الأوطان يدفنون في معبد أو كنيسة أو مسجد، لكن من النادر أن ينام الضريح داخل مكتبة، فكان شرفاً خاصاً. في داخل مبنى المكتبة أو في صدرها أو مركزها، غرفة مستطيلة واحدة يحكمها قوس كبير من الجدار، حيث يقف تمثال سلسوس وتمثال «أثينا» الحقيقية، في محراب تلك الغرفة، أي آلهة اليونان. أما قبر سيلسوس فأسفل القبة مباشرة وحوله اللفائف ال 12 ألفاً، كل منها داخل رف والرفوف داخل تجاويف مستطيلة، يمتلىء كل جوف على حدة.


غزوٌ وزلزال
بقيت المكتبة كأثر في مدينة أفسوس العالمية آنذاك، والتي اتخذت عاصمة للرومان في آسيا الصغرى. فهي أكبر المدن في آسيا، فامتازت بتجارتها ومعابدها وحماماتها الرومانية وثقافتها والكثير من مفردات التاريخ اليوناني المليء بالجمال، لكنها تأثرت أيضاً بقبح الغزوات والحروب والزلازل التي تخللتها.. حيث غزا القوطيون أفسوس، وأحرقوا الكثير من لفائف المكتبة. والمحزن كذلك في تاريخ هذا الصرح، ذلك الزلزال الضخم الذي ضرب المدينة بعنف عام 262م ليسقط سقفها وتنهار في معظمها، ولم يبقَ منها سوى مقدمتها..من بوابتها وأعمدتها ونوافذها، وبقايا بناء، ظل شلمخا طوال القرون الماضية، ذلك بعد أن كانت مدينة أفسوس مزدهرة في عهد الرومان، بمكتبتها سيلسوس التي كانت نقطة بناء مختلفة لقلة المكتبات في تلك العصور فزادت المعرفة واكتنزت بعشرات الآلاف من مخطوطات، على شكل لفائف ضمتها محاريب الجدران والغرف والنوافذ.


ترميم
ما زال العالم يريد رؤية المكتبة، رغم أطلالها، فهي تابعة الآن لليونسكو وتراثه، وبفضل المؤسسة النمساوية للآثار التي بادرت إلى ترميم المكتبة، خلال الفترة بين عامي 1970 و 1978م..وكذا ترميم ما حولها من مصنع للفخار ومعبد «أرتميس» الضخم جدًا والآلهة ديانا ربة الليل والخصوبة في العبادة اليونانية الوثنية، لتبقى المكتبة عروس الساحة وقبلة السياحة العالمية من جديد.


بناء المكتبة قائم على أصول فكرية وفلسفية ومعرفية
لم يهمل القائمون على بناء المكتبة أية تفاصيل أو قطعة حجرية، لتعكس من السقف إلى الأرض مروراً بالجدران جوهر الثقافة اليونانية التي كانت مؤمنة بالطبيعة والإنسان معاً، كونهما رمز التبادل قوةً وقُدرة، لذا كان يعتقد أن لبروز الجبال وشموخ ارتفاعها دوراً في التحكم بعقل الإنسان وروحه الساكنة حوله. فكما أتى في «الإلياذة» لهوميروس وكذلك في «الأوديسة»، بأن نتوءات الصخور أوصاف لأبطال ونبلاء في براعتهم وتفوقهم في الحياة، ومن ثم الازدهار، لذا جلبت الصخور العليا لتُنحت تماثيل المكتبة الدالة في رمزيتها على المعرفة المؤدية إلى القوة والشجاعة، واللتين توازيان الخطابة والبلاغة والعلوم الإنسانية، وبالتالي ضمان الفوز بالطهر والجلالة، لتستحق هذه المكتبة الثناء في كل ركن من أركانها.


«صوفيا» الحكيمة تنتصر للعقل والروح

في المبنى الأول للمكتبة من الخارج، يوجد هذا التمثال لامرأة تدعى «صوفيا» وهي رمز الحكمة، خرجت صوفيا من واجهة المكتبة من بين أعمدتها الجميلة الطراز، وبالتحديد في الطابق الأرضي، وهي امرأة ترتدي رداءً يونانيًا بستائرٍ حول خصرها، تنظر إلى الأعلى بيد مقطوعة حيث للزمن فعله من إهمال أو حروب، لكنها بقيت في المقدمة لأنها تمثل أفضل المعارف من حقٍ وصوابٍ وإرادة، كما أنها بعيدة عن الاستبداد.


«أريستوس» الفاضلة رمز الشهامة
نحت هذا التمثال لتوضيح كيف أن الشهامة والحضور يتجسدان في وقت الحاجة، برداء وافٍ وساتر مع وشاح على الرأس، ليمنح الرائي ذلك الحضور النبيل والرصين السليم والتام بوجه هذا التمثال الدال على الفضيلة، لتخرج نقية، أصيلة وشهمة.. صاغها النحات لتكون عنوانا للرفعة وضبط النفس، لذا جلبت صخورها من الجبال الدالة على القوة والشجاعة والذكاء، وحيث التأمل الذي نادى به أرسطو في الأماكن المرتفعة ليعين هذا التبصر كل إنسان ويجعله قادراً على السعادة.


«الإبسمتية» الناضجة والوجه الغائب
«الإبسمتية» امرأة تعشق المعرفة، وتعبر عن الإدراك والنضج والوعي لا للضياع، وللأسف بقيت بلا رأس، إن لم تكن الزلزال هي السبب فلأسباب لا نعرفها، ولم يتسن لنا مشاهدة وجهها المعرفي كيف كان يعبر عن ذلك الإدراك والاطلاع والنضوج.. كما ذهبت يدها الأخرى أيضا، وبقيت لنا الأردية الجميلة التي تغطي جسدها إلى أسفله كستارة أنيقة، بالإضافة إلى حزام الخصر. وجلب هذا الحجر من قمة جبال اليونان من النتوء، حيث قمة التأمل وقمة المعرفة وقمة القدرة للصعود، ليصبح التمثال الجسد مرادفًا للمعنى.


135
بنيت مكتبة سيلسوس، في هذا العام، وكانت خزانتها الداخلية من الناحية التنظيمية والأساليب الفنية متبعة للفهارس، وحين توفي سيلسوس الذي سميت المكتبة باسمه، كان قد ترك الرقع واللفائف بالآلاف، وكلها تتعلق بالعلوم والآداب.


262
انهارت المكتبة في معظم أجزائها بسبب زلزال ضخم وشديد هز المدينة بأكملها، وخسرت الكثير من منشآتها، فسقط سقف المكتبة وجوانبها والأعمدة حولها، بعد أن كانت مزدهرة لسنوات طويلة.

1977
في هذا العام تولت مؤسسة نمساوية للآثار، وبحرص نوعي ودقة علمية، مهام ترميم المكتبة وما حولها، واستغرق العمل على ذلك 8 سنوات، في الفترة: من عام 1970 وإلى 1978م. كما أصبحت المكتبة تابعة لليونسكو.