ها نحن اليوم نقف على عتبات مرحلة فاصلة في تاريخنا العربي، فقد اتفق مثقفونا أخيراً، بعدما اعتدنا عدم اتفاقنا على شيء في أوقات سابقة، يقفون معاً وقفة رجل واحد، مطالبين باستراتيجية ثقافية عربية عاجلة، تعيد للمثقف العربي حقه واعتباره، وتضع النقاط على الحروف في وجه كل من يتعدى على حق الإبداع، فلا مصادرة لحق كاتب بعد اليوم، ولا خوف من تكفير وإرهاب فكري، ولا خطاب مشوش يسيء لإسلام التسامح والمحبة، والمثقف هو حارس الحلم، والحرية حق للجميع، ولا بديل عنها سوى بالمزيد منها.

وقفة تاريخية انتظرناها طويلاً، والاقتراحات والـــبنود جاهزة، ما يعني أن ملامح الاستراتيجية باتت واضــــحة، ولا ينقـــصها سوى التطبيق.

نتجه معاً نحو المؤسسات الرسمية، نطرق أبواب الحكومات العربية، وبيدنا استراتيجية ثقافية عربية جاهزة، سترسم لنا مستقبلاً أفضل، ستجعل غد أبنائنا أجمل، فهل حكوماتنا مستعدة لتطبيقها؟

«البيان» توجهت بسؤالها هذا إلى عدد من الأدباء، وعدد من المثقفين، الذين تداخلوا مع السياسة من جانب أو آخر، فكشفوا لنا الحقيقة، وفتحوا أعيننا على مساحة الأمل الذي يمكن أن نعيشه، أو الحلم الذي يمكن أن يتحــــقق بعد صـــراع طويل مع اليأس.

القضية مشتعلة، تثير أسئلة، وتستقي إجابات من هنا وهناك، هدأت حدة الحوار بعض الشيء بحديثنا مع محمد بن عيسى، وزير الخارجية المغربي الأسبق، أمين عام مؤسسة منتدى أصيلة، الذي أكد أن وصف الحالة الثقافية العربية بـ«المزرية» فيه نوع من القسوة المبررة، وقال: يبررها- دون شك- غيرة المثقفين العرب على الوضعية العامة، التي لا تسر أحداً منهم، خاصة أن ما نسميه نوعاً من الأسف «الخذلان العربي» بلغ مداه، متجلياً في عدة مظاهر أقلها انحسار النخب المثقفة وتراجعها على كل الصعد، والتي تخلت طوعاً أو كرهاً عن دورها الطليعي التنويري، ووجدت نفسها ضمن صف «المنتظرين» الذين لا حول لهم ولا قوة، عاجزين عن التأثير في المسار العام للتحولات الجارية.

وأشار إلى أن هذا الوصف لا ينطبق قطعاً على سائر البلدان العربية، فالأوضاع فيها وبينها يشوبها اختلاف نوعي وكمي، غير أن السمة العامة هي بالتأكيد دون ما تطمح إليه وتنتظره الشعوب العربية من منتجي الثقافة، قياساً ومقارنة مع ما يشهده العالم المتقدم من ثورة ثقافية بالمعنى العلمي الشامل وليس الأيديولوجي المحصور لكلمة «الثورة».

وعن مدى الحاجة لاستراتيجية ثقافية عربية تعيد للمثقف اعتباره. قال: «من وجهة نظري، لا تحتاج البلدان العربية إلى استراتيجية بقدر حاجتها إلى مخططات وسياسات عملية ومتدرجة قابلة للتنفيذ، تبعاً لظروف ومتطلبات كل بلد للنهوض بالشأن الثقافي فيه». وأضاف: «لم تعد الثقافة، وفق النظرة التقليدية، ترفاً وحلية اجتماعية، محصورة في نطاق الكتابة والقراءة للمصنفات الأدبية، بل هي وسيلة عقلانية ضمن أخرى لتحقيق التنمية المستدامة، ومن هنا فإن واجب الدولة يتمثل أولاً في تهيئة الظروف والبنيات التحتية الضرورية لأي انطلاقة ثقافية، بما فيها سن القوانين والتشريعات المحفزة على الإنتاج الثقافي الجيد، القادر على احتلال مكانه في عالم معولم، يتميز بالمنافسة الشرسة في سوق كبير أصبحت الثقافة فيه منتوجاً مادياً ورمزياً مدراً للثروة، قابلاً للتصدير والاستيراد».

قاموس عسكري

ولفت إلى أن «الاستراتيجية» كلمة كبيرة، لا يمكن أن ينهض بها فرد مهما أوتي من قدرات ومؤهلات، وبالتالي فإن إعدادها يوكل في الأغلب إلى جماعات من صفوة الخبراء والفنيين، يمثلون مشارب عدة، والكلمة مستقاة من القاموس العسكري، حيث يشترط في إعدادها، بُعد النظر والدقة في التخطيط ورسم الأهداف وضبط الوسائل الناجعة، لضمان النصر في المعركة.

وما إذا كانت الحكومات العربية على استعداد لتنفيذ استراتيجية ثقافية يجمع عليها المثقفون، قال: بما أنني لست أهلاً ولا قادراً بمفردي على صياغة استراتيجية ثقافية، فإني لا أستطيع الجواب بالنيابة عن الحكومات العربية، التي أعتقد أنها تبذل في هذا الصدد، الجهد المطلوب منها تبعاً للإمكانات والظروف المتاحة والسياسات المرسومة.

انتاج ثقافي

وأنهى بن عيسى حديثه بالإشارة إلى أن وضعية الثقافة في البلدان العربية ليست بالغة السوء، بل ربما هي أفضل من الأوضاع السياسية والاقتصادية، وقال: على سبيل المثال فإن ما نلاحظه في الإمارات، في مجالات الطباعة والنشر وترويج الكتاب وحاملات الثقافة وغيرها، يعني أن السلطات الحكومية مضطلعة بدورها في توفير وسائل الإنتاج الثقافي، إضافة إلى ما تقوم به المملكة المغربية من جهد مماثل لتنمية الرصيد الثقافي وتطويره وإغنائه، وأضاف: صحيح أن ما تستثمره الإمارات يفوق ما يرصده المغرب؛ ومع ذلك فإن القطاع الثقافي في المغرب يتسم بالحيوية، والتفاعل المثمر والحوار بين التعبيرات الثقافية والإشعاع في الداخل والخارج.

حرب على المثقف

وصف السفير السابق الدكتور ربحي حلوم، أمين الشؤون الخارجية برابطة الكتاب الأردنيين، الحالة الثقافية بأنها مشلولة، وقال: «هي مشلولة لعدة أسباب، أبرزها تقييد حريات المثقف العربي، بحيث لا يستطيع أن يتكلم بحرية، فهو محارب في لقمة عيشه وقلمه، والقلم هو السلاح الذي يحارب في وطننا العربي».

وذكر حلوم أن الأنظمة هي من يحارب المثقف أولاً، فهناك عدم إحساس بالمسؤولية الحقيقية للمثقف العربي، إضافة إلى أن كثيراً من المثقفين لم يستطيعوا أن يرقوا إلى مستوى المسؤولية المطلوبة منهم، معتقدين أنهم بمجرد كتابتهم لقصيدة أو مقال في صحيفة يومية، قد قاموا بواجبهم، إلا أن الثقافة أبعد من ذلك بكثير. وقال: الثقافة تبدأ من التربية في البيت، ثم من مناهجنا التعليمية في الوطن العربي التي تركز على النخب الحاكمة، وتبتعد عن المستقبل الحضاري للأمة. وأشار إلى أن الثقافة العربية يجب أن تتوحد بحيث تكون عربية لا تتكلم بلسان قطر معين، فالتركيز على القُطرية هو تركيز على السلطة، وللأسف المثقف يتبع للسياسة رغم أنه يجب أن يكون قائداً لها، وليس تابعاً.

مضايقات

وأكد حلوم أن الحكومات العربية على استعداد لتنفيذ الاستراتيجية العربية الثقافية، ولكن بجهد مشترك من الجميع، المثقف والسلطة معاً، وقال: بشكل عام هناك تفاوت في المواقف، فأنا شخصياً تعرضت لاعتقال ومضايقات، ولكني قادر حتى تلك اللحظة على قول كلمتي، سواء في صحيفة أو محطة فضائية أو كتاب، ولا أتراجع عن ذلك. وعن تصوره للاستراتيجية التي ستعيد الاعتبار للمثقف العربي، قال: يجب أن تكون المصلحة العليا قبل القطرية، وعلى المثقف العربي أن يهتم بارتقاء المناهج التعليمية، وألا يقتصر دوره على البحث عن لقمة عيشه، وعلى الأنظمة أن توفر الحريات العامة للمثقف العربي، ما يفتح الأفق أمامه للإبداع.

هراء

طالب الناقد والأكاديمي السعودي الدكتور عبدالله الغذامي المثقف بأن يكون إنساناً وأن يقول كلمته بلا خوف، وعن التجمعات والاتحادات الثقافية التي تطالب باستراتيجيات تعيد الاعتبار للمثقف والثقافة العربية، قال: كل التجمعات والاتحادات الثقافية التي تقام لا تعنيني، واتحادات الأدباء العرب عمرها يصل إلى 60 سنة، ولكنها لم تفعل شيئاً أبداً، وأعظم أدبائنا لم يكونوا أعضاء في هذه الاتحادات، لا نجيب محفوظ، ولا محمود درويش، ولا إدوارد سعيد، ولا السياب، وأصحاب هذه الاتحادات يريدون أن يكونوا زعماء كأي زعماء آخرين، ساعين لجعل اتحادهم قوة ديكتاتورية يفرضون بها سلطتهم، وهذا هراء.

وأشار الغذامي إلى أن من يطالب باستراتيجيات تضمن الحماية للمثقف، هو «غلبان» خانع مقهور قهر نفسه بنفسه، وقال: لا أريد من الحكومات ولا من غيرها أي بساط أحمر، يضمن الحماية للمثقف، فمحمود درويش واجه الدبابة الإسرائيلية، وإدوارد سعيد واجه الاغتيالات الصهيونية في قلب نيويورك، ولم يطلب أي منهما استراتيجية، ولم يطالبا بالأمان ولا بالتحصين ولا ببيانات من هراء لا معنى له، ومثل هؤلاء المثقفين، الذين يطالبون بصك حماية من الـــسلطة كارثة حقيقية يجب إنهاؤها.

 

مي آل خليفة: الثقافة لم تعد أولوية في مجتمعاتنا

أخذنا الحديث مع الشيخة ميّ بنت محمد آل خليفة، رئيسة هيئة البحرين للثقافة والآثار، إلى منحى آخر، فالثقافة في العالم العربي مهمشة ولا تمثل أولوية، وقالت: غيَبنا الثقافة، فلم تعد أولوية في مجتمعاتنا ولا على خريطة أحلامنا.

وعن اتفاق المثقفين على أن حال الثقافة اليوم مزرٍ وبائس قالت: «نحن نتسلح بالأمل، ومفردات مثل «بائس ومزر» ليست في قاموسنا، ولو ردد المثقفون مثل هذه الكلمات واكتفوا بذلك، فهم من أسهموا بسلبيتهم في خلق هذا الوضع البائس، وبذلك يكرسون هذا البؤس عنواناً لفترة وحقبة زمنية نعيشها، ورسالتي أننا نحن من يخلق الظروف إذا كان لدينا إيمان وهدف، ولو بدأ الإنسان بنفسه لاستطاع أن يحقق التغيير، وأنا مؤمنة بدور الأفراد، فهم يغيرون العالم، وأبسط عمل إيجابي يمكنه أن يغير نظرة العالم بأجمعه، وأي وضع صعب أو مستحيل يمكن أن يتغير لو كنا نؤمن بإرادة التغيير، ويكفينا أن نعلق أخطاءنا على شماعة الغير.

وعما إذا كنا بحاجة لاستراتيجية ثقافية عاجلة تعيد للمثقف العربي اعتباره، قالت ميّ آل خليفة: كيف نتكلم عن استراتيجية موحدة، ونحن لم نتفق على مرشح عربي واحد لليونيسكو؟ أرى أن أبسط استراتيجية تتمثل في اتفاقنا على اختيار مرشح واحد، إلا أننا عجزنا على أن نقف يداً واحدة في هذا التحدي، وهذا أمر مؤلم حقاً، وأمام هذا الوضع لا أستطيع أن أضيف شيئاً.

وعما إذا كانت الحكومات العربية تساند هذا التغيير، وتقبل تطبيق استراتيجيات جديدة، قالت: لماذا نُسيَس الأمور؟ نحن نتكلم عن دور المثقف، المثقف الفاعل وليس الكسول، فهناك عدد من المثقفين، الذين يكتفون بالنظر، ولا يغادرون دائرة الجماعة التي يرددون أفكارها، وهؤلاء لو نزلوا إلى الشارع لوجدوا أبواباً ومسالك أخرى لم يسلكوها أو يتطرقوا إليها، وبالنسبة لي، فأنا أؤمن بالفرد، وبالقدرة على التغيير تحت أي ظرف.

نتيجة ايجابية

وأكدت أن على المثقف أن يبدأ بنفسه، بدلاً من أن يكتفي بالتشاؤم، وبترديد عبارات سلبية مثل «إننا في أسوأ الظروف، وأصعب الفترات»، و«ليس هناك مخرج»، لأنه بذلك يكون قد سلَم بالنتيجة، بل علينا أن نعمل بجد، ولا بد أن تكون النتيجة إيجابية، وعلينا أن نعي بأن مسارات دول تتغير بإرادة أفراد.