الوضع الثقافي العربي بائس إلى ما لا حدود، والحاجة إلى استراتيجية تعيد للمثقف العربي اعتباره، باتت مطلباً عاجلاً، والصراع بين المثقف والسياسي، يترصد لكل محاولة جادة لاستنشاق هواء نقي، فبات المضي نحو استراتيجية ثقافية، حلماً لا يقتله سوى وقوف الحكومات العربية في وجهه، لتقضي عليه قبل أن يتحقق.

المسألة كبيرة، والقضية شائكة، والمثقف العربي اليوم خائفٌ، يعمل في جو يسوده ضعف الإرادة السياسية، هذا ما أجمع عليه أدباؤنا، فالسلطة تواجه اليوم مأزق الإصلاح، في ظل بحث المثقفين عن ذواتهم المهمشة.

«البيان» التقت وتواصلت مع عدد من الأدباء والمثقفين والشعراء، ورؤساء اتحادات الكُتاب والأدباء والجمعيات الثقافية في مختلف أقطار الوطن العربي، لتضع يدها على الجرح، وتستشف موضع الألم، لتجد أن المأساة كبيرة، وأن الوضع العربي «مزرٍ» بشهادة الجميع.

 

وصف الكاتب والشاعر والباحث التونسي مجدي بن عيسى، أستاذ في الجامعة التونسية، وعضو في اتحاد الكتاب التونسي، الحالة الثقافية العربية بـ «المزرية»، مرجعاً الأسباب إلى الأوضاع السياسية، وقال: هناك أخطاء سابقة حدثت، ولا نستطيع أن نرسم استراتيجية ثقافية عربية، إلا بمراجعة ما مضى من أخطاء أساسية سابقة، وذلك لتلافيها مستقبلاً، فطبيعة الخطاب الثقافي العربي الذي تأسس ضمن وضعية سجالية حول الهوية، لم يتم حله حتى الآن، ما أنتج الوجه الآخر الذي توحش فجأة، وظهر على شكل «داعش» و«القاعدة» وغيرهما، وعدم فض هذا الإشكال منذ نهاية القرن التاسع عشر، والتراكمات التي حدثت بعده كانت سبباً أساسياً في ذلك، والسبب الثاني، هو التحالف غير السوي بين السياسي الاستبدادي وبين المثقف، فالثقافة العربية في مشروعها الحداثي بداية من ستينيات القرن الماضي، دخلت في تحالف مع الحكام المستبدين، ما أفقدها مصداقيتها في الشارع، لتصبح مصداقية المثقف في الشارع العربي، خاضعة للاستبداد السياسي، كما دخلت العولمة على الخط، وأصبح همّ المؤسسات الثقافية الرسمية وغير الرسمية، بيع الثقافة بشكل من الأشكال.

خطاب جديد

ولفت بن عيسى إلى أن الثقافة الرؤيوية التي تؤسس للروح والشخصية العربية فُقدت، ما يجعل من وجود استراتيجية ثقافية جديدة، مطلباً ضرورياً، بشرط أن يركز أول بند فيها على استعادة المثقف لسلطته الرمزية والمعنوية في المجتمع، فتهميش المثقف سيفقده سلطته، لأن المثقف كلمة، وهذا الكلمة إذا لم ترافقها سلطة حقيقية، لن يكون لها أي فاعلية، ومن هنا، تأتي ضرورة أن تضمن الاستراتيجية حق الاستقلالية للمثقف، بحيث يستطيع أن يوجد المساحة المطلوبة بينه وبين السياسي، لا سيما أن الفصل بين السياسة والثقافة غير ممكن، وقال: الاستراتيجية جزء من السياسة الثقافية، ولكن لا يجب أن يرتمي المثقف في حضن السياسي، بل يحافظ على المسافة الفاصلة بينهما، ليأتي البند الثاني الذي يعمل على إتاحة المجال لإيصال خطاب جـــديد يتفاعل معه الشباب، بحيث يمكن أن يؤثر فيهم بشكل يؤسس لمستقبل عربي، وهنا، يجب تجـــديد الخـــطابات، خاصة الديني، الذي يعد ثقافياً في الأساس، وضرورة أن يتجرأ المثقف على تقديم قراءة جديدة للنصوص الدينية، وألا يخاف من الطرف الآخر الذي يسارع إلى تكفيره، والأهم من ذلك كله، هو أن تكون ثقتنا بأنفسنا أكبر، فوجودنا في هذا التاريخ عريق جداً، ولدينا ما يكفي من حضارة، لجعلنا ثابتين في وجه هذه الثقافة العولمية.

انفصام ذاتي

في محاولة للنظر إلى الحالة الثقافية من خلال مجهر يجعل الرؤية أكثر وضوحاً، لجأنا إلى مجهر الناقد البحريني الدكتور فهد حسين، الأمين العام لأسرة الأدباء والكتاب في البحرين، الذي ضبط أزرار مجهره، ثم قال: إذا نظرنا للثقافة العربية من منظور ثقافي، نرى الوضع في انحدار، أما من منظور اجتماعي، فسنراه بائساً.

هذا البؤس جعل من استراتيجية ثقافية عربية مطلباً مُلحاً، وعن ذلك قال فهد حسين: الحديث عن استراتيجية ثقافية عنوان مطاط، ولكننا بحاجة فعلية لاستراتيجية ثقافية، إلا أن هذه الاستراتيجيات لا يعدها أفراد ومؤسسات أهلية، لأنها تحتاج إمكانات مالية ضخمة، لذا، لا بد من وجود مؤسسة حكومية تسهم بشكل أو بآخر في دعم هذه الاستراتيجية، وحتى نستطيع أن نبنيها، لا بد من وعي فردي وجماعي تجاه المجتمع، كما يجب تحديد الهدف منها، والاتفاق على تفاصيلها وبنودها وأهدافها.

ولفت إلى أن المثقفين يعانون انفصاماً ذاتياً، وقال: بدأ المثقف يتلون بتلون الأحداث الموجودة في العالم العربي، وهناك كثير من المثقفين تخلوا عن المبادئ التي تنادي بحرية الفكر، لنرى مثقفاً متشظياً في أفكاره ومصالحه الشخصية، وهذه إشكالية يعاني منها المثقف.

وعن مدى إمكانية تحويل الاستراتيجية الثقافية العربية إلى واقع، قال: يحتاج الأمر لتكاتف الأفكار والجهود، ولكن طالما يمتلك الإنسان الطموح والإيمان بدوره التنويري، وأهميته في التخطيط لبناء المجتمع، ستتحقق الاستراتيجية الثقافية، ونحن كمثقفين، لو آمنا بدورنا، سننجح حتماً في الوصول لأهدافنا، ولكننا بحاجة فعلية إلى الاهتمام بهوية الإنسان العربي القومي، لأننا لا نحتاج فقط لاستراتيجيات قُطرية، بل لاستراتيجيات قومية ذات هوية عربية.

خوف ونضال

لا نكاد نتفاءل بالوضع العربي قليلاً، حتى نتجرع كؤوساً من خيبات، فـ «الوضع العربي الثقافي مُزرٍ أكثر مما ينبغي»، هذا ما أكده اليمني الدكتور مبارك سالمين رئيس اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، معللاً حكمه بالقول: الوضع مزرٍ، لأن المؤسسات الرسمية لا تقوم إلا بواجباتها تجاه النخبة الحاكمة، ولا تهتم بالتنمية الثقافية إجمالاً، والحديث عن التنمية يعني التربية والتعليم والمراكز الثقافية والاحتكاك بالثقافات الأخرى، وكل هذا شبه معطل في دولنا العربية.

ولفت سالمين إلى أننا في البلدان العربية نناضل كي نتحدث عن استراتيجية عربية، فالمثقف العربي اليوم خائف، يعمل تحت سلطة السياسة الغائبة، وفي جو يسوده ضعف الإرادة السياسية.

وذكر سالمين أنه في حال تم وضع استراتيجية ثقافية عربية، فأهم البنود التي يجب التركيز عليها، هي التربية، فهي القادرة على خلق مواطن يتلقى ويتفاعل مع العناصر الثقافية المختلفة، ولا بد أن يتحول المتن الثقافي للعرب في مستقبلهم كمتنٍ رائد، وقال: نحتاج لسنوات طوال لتفعيل استراتيجية حقيقية، ولكن إذا رُشد الاستبداد، وأُتيحت الحريات الديمقراطية، قد يستدعي الأمر سنوات أقل، وأنا لست متشائماً، ولكن السلبية التي تطغى على حديثي، هي تعبير حقيقي عن الوضع الذي تمر به بلداننا العربية.

وعن أهم بنود الاستراتيجية التي ستعيد الاعتبار للمثقف العربي، قال: يجب أن تتخلص الثقافة من سلطة السياسة، وتركز على بناء الإنسان من خلال التربية والتعليم، وضرورة الانفتاح على الثقافات الأخرى، فنحن لسنا معزولين عن الكون، وهناك تجارب ناجحة وإرث ثقافي غني علينا الاستفادة منه.

 

كفانا صراخاً ولنبدأ العمل

ها نحن نستنشق بعض نسمات تفاؤل، بعض نفحات أمل مع الشاعر العماني سعيد الصقلاوي، رئيس الجمعية العمانية للكتاب والأدباء في سلطنة عمان، الذي بدأ حديثه بالقول: أنا ضد المتشائمين، فالحكومات تعمل على قدر ما تستطيع، وتجتهد وتخطيء، والناس أيضاً، ولكل مجتهد نصيب، ولا يجب أن نخطِّئ المجتهد، بل ننظر لفعله على أنه محاولة لإيجاد حل أفـــضل، لأننا لن نمتلك الحقيقة من أول خطوة، ولكن نصل للصواب من خلال التجارب العديدة، وتعديلها وتصحيحها والوصول بها إلى بر الأمان.

وعن الصراع الدائر بين المثقف والسياسي، قال: على المثقف أن يدرك طبيعة الأنظمة الموجودة، فكيف سيتعامل مع القوانين، لو كان جاهلاً بها، وعليه، حين يرى أن هذه القوانين ظالمة ومجحفة وغير فاعلة، أن يطلب تغييرها ببدائل أخرى يقدمها، وفي حال كان غير قادر على تقديم البديل والاكتفاء بالوقوف مكانه، فالقوانين لن تتغير، والآليات المستخدمة ستبقى كما هي.

وعن الحاجة لاستراتيجية ثقافية عربية، قال: الآلة الإعلامية تروج لمصطلحات فضفاضة لن تصل من خلالها إلى نتيجة، فأهم ما يجب أن يعمل عليه الكاتب أو المثقف في الوطن العربي، هو أن يمارس دوره التنويري والتثقيفي في المجتمع، ودوره ومطالبته للمجتمعات والأنظمة والمؤسسة العربية بإزالة الأمية عن المواطن العربي، ولو عزلنا الأمية، سنخلق مواطناً قادراً على التعاطي مع كل مجريات العصر، وطالما تسيطر الأمية على الوطن العربي، سيبقى الحال كما هو عليه.

محاربة الأمية

وتحدث الصقلاوي عن تجارب الدول المتقدمة، كالصين وكوريا وسنغافورة، فقال: لم تنهض هذه الدول عبثاً، بل وضعت خطة، كان أولها القضاء على الأمية، وبمحو الأمية، صار المواطن يعمل من أجل تطوير المجتمع، ولا ينتظر وظيفة، بل يقتحم مناحي الحياة وينخرط في المجتمع.

وأشار إلى أنه لو اتفق المثقـــفون على عمل استراتيـــجية، فأول بنــد فيها، يجب أن يركز على وجـــود خطة تنفيذية على مراحل زمنــية، ومن هنا يبدأ العمل، ويبـــدأ دور المثقف الحقيقي، وقال: المنظمات في المجتمع الغربي تقوم بتغـــيير الواقع، ولكن ليس من خلال الصراخ، بل من خلال الدراسات والأبحاث وتقديم الرؤى والحلول والعمل، على عكس المجتمعات العربية التي تجتمع لتعارض وتدين وتشجب وتقول وتكرر ولا تفعل.

الفصل بين الثقافة والسياسة ضرورة

ذكر الشاعر الفلسطيني مراد السوداني، الأمين العام للاتحاد العام للأدباء والكتاب الفلسطينيين، والأمين العام للجنة الوطنية الفلسطينية للتربية والثقافة والعلوم «اليونيسكو»، أن الوضع العربي بمجمله، يمر في مرحلة مخاض، في ظل شريط النار الذي يلف الأمة العربية من الماء إلى الماء، وقال: في ظل انتشار الفتاوى التكفيرية، واتساع دائرة الإرهاب والقتل والدمار، نحتاج لإعادة إطلاق وإنتاج المقولة الثقافية العربية، عبر استراتيجية وازنة، تبدأ من خلال مناهج التعليم والإعلام والثقافة، باعتبارها الجدار الأخير الذي إذا انقض، ستنهار بقية الجدر المجتمعية والاقتصادية والسياسية، ولذا، فنحن بحاجة لأمن ثقافي لحماية المجتمعات وتعزيز الثقافة، باعتبارها قنطرة لحماية وحراسة المجتمع من كل الفتاوى والسياقات التي تصيبه في مقتل.

وعن مدى الحاجة لاستراتيجية ثقافية عربية، قال: منذ ما يزيد على 40 عاماً، أطلقت جامعة الدول العربية، استراتيجية ثقافية عربية، ولكن المجتمعات والمؤسسات والأطر السياسية والدول العربية، لم تصل إلى مرحلة إيلاء الثقافة العربية السياق الأهم والوافر، بل جعلتها في أواخر سلم الأولويات، وهو ما أصاب المجتمعات في مقتل، ولو كان هنالك أمن ثقافي، وتأكيد على المقولة الثقافية والتعليم في المجتمعات العربية، لما خرجت لنا هذه المسوخ التي استباحت المجتمعات، وعممت الموت والدمار نهجاً ومنهجاً، ولذا، نحن بحاجة إلى الثقافة وبشدة.

حراس الحلم

وذكر السوداني أن النقيض، الاحتلالي الإسرائيلي، ينفق على الثقافة عشرات أضعاف ما تنفقه الأمة العربية مجتمعة، في سياق الترجمة وطباعة الكتب والجوائز والتفرغ الأدبي، وهذا أمر مؤسف بحق.

وعن أهم البنود المقترحة في استراتيجية ثقافية تعيد للمثقف العربي اعتباره، أكد السوداني على التعليم، كونه السياق الذي يجب علينا التأسيس له، وقال: إلى جانب التعليم، علينا أن «نُدَوْزِن» العود جيداً، في ما يتعلق بإنتاج الخطاب الديني المتسامح، بعيداً عن الخطاب المشوش الذي يسيء لإسلام التسامح والمحبة والتعارف، بالإضافة إلى الانتباه إلى أن المثقف هو من يحرس الحلم، وما يتركه المثقفون هو وحده ما يبقى بعد سقوط كل شيء، وفي الوقت الذي يجوع فيه مثقفونا ويعتقلون، نرفع شعار «لا بديل عن الحرية سوى بالمزيد منها والتأكيد عليها».

تباين كبير

وطالب السوداني بالفصل بين السياسة والثقافة، وقال: ما بين سلطة الثقافة وثقافة السلطة تباين كبير، والسياسي الجيد هو المثقف الجيد، والمثقف أكثر ثباتاً على الاستشراف، وما يؤسسه المثقفون يظل ويدوم، ونحتاج لمثقف غير قابل للنفاق والتزييف والوقوع في أحبال السياسة، ويستطيع تعميق فضائل الخير والتأسيس لرؤية جمالية.