صوت الساعة يعلن دقات السابعة مساءً، جالس أنا في بهو ﻣﻄﻌﻢ ﺑﻴﺘﺰﺍﺑﻴﻨﻮ الفخم، بشارع الشانزليزيه، وباريس كعروس مجلوة لتوها، في كامل زينتها، رذاذ خفيف يغسل محاجر المدينة، فتسيل أدمع على زجاج المطعم ميتر«Si on les lqisse nue bouteille de vodkq».. يومئ بابتسامة ويمضي عائداً بما طلبتُ.
وحدها يا سيدتي تشبهك السلافة، لا أحد سواك، يملأ هذا الكرسي المقابل لي، فرنسا بطغيان جمالها النزق، لم تفلح مساعيها الليلية على أن تشدني بفراش حريري.. وحدك كنت أيقونتي وحلمي الأثيري. أخرج إلى طريق الجادة الخامسة، أسير وعطر (زوسكند) يتبع خطاي، عشرينية بتنورة حمراء ومظلة شفافة تقترب مني، تظللني من المطر أحدثها عن «عطر زوسكند» فتهرول مثل قطة برية تاركة خلفها رائحة نهر الراين وجسور فرنسا في خيوط ذاكرتي.
أعرج على أمكنة زرناها العام الفائت، سوية.. أمكنة تفوح منها أنفاسك وخمائل المانجو العتيقة «ببلدي».. للحظة يثملني المشوار المعتاد، تذكرينه؟! مشوار الجامعة المسائي وأنت تغنين لي أغنيات فيروز، أضحك وتضحكين، وأردف قولي: المعتاد، فيروز لأغنياتها سحر الوجود في الصباحات حين تشرع الحياة بوابات الضوء الذهبي.. تبتسمين بحياء كذاك.. وتقولين: تزوجني إذاً والفجر الذي يبعد عنا الآن عشرات الساعات، يغني ويرقص ويتعجل التوقيت.. احذري يا شريرة، ستغيرين تراتب الحياة والوقت، لا يهم الفجر سوى صوتك، بل يصفعني الوقت وغضبٌ بادٍ عليه فلتغيرنا ما أجمل التغيير!.. أضحك لتلك الذاكرة يا ساندا، وقد بلغت ميدان «كونكورد» وبين الحلم واليقظة الحالمة تداخل وتشابك لا ينفك، إلا إذا انفكت روحي المسافرة عن المدن التي تسكنني ورائحتك التي تسكن المدن.
لقد كنت مرتبكاً لأكتب لك ليس لأن الحروف تعاند خيول مخيلتي.. لكن لأمر غريب قليلاً يا سيدتي، هو أنني كائن شفقي.. طيف لا يستقر مطلقاً.. قلق من ذاتي من لوعة الأشواق حين يهطل المطر.. أخاف من رمزية حضورك في مخيلتي ومباغتتك المفاجئة لتجدي رجلاً متلبساً بك.
أقف الآن بطريق وسط باريس، قبالتي قوس النصر، وهمهمة المطر الخفيف تقبل صورتك المطبوعة على زجاج عيني.. باريس تلبس وشاحها المخملي من أديمك الصافي، الرسامون والفنانون وفلسفة الحياة كلها فيض من فيوضك لتزهر باريس.. فكم من مدينة سكنت بقلب التاريخ تمني النفس بلحظة من رؤيتك.
وفي ليلتها كنت مثل كاسبار وايس يا نغمتي الشريدة أعزف حتى النفس الأخير، وأنت وحدك مقطوعتي.. أنام مع كماني الوحيد ذي اللون الأحمر.. فرنسا في لحظاتها الاستثنائية حين كانت تعزف الموسيقى كعرف اجتماعي، كنت أنت الدوزنة الخالدة في أذهان المنفيين والمنبوذين في أعماق المحيطات، الباحثين عن ملجأ في ذاكرة القارة العجوز، وعجزنا فاق حد الاحتمال، هنيئاً للبحر والحوت.
الآن أعزف الكمان في طرقات «مدينة الضعين» كعرف إنساني جارف لأستعيد سطوة الحمام والسلام وأستبدل صوت الرصاص بكماني الحزين، ساكسفون «باربيكاوفي».. ليتني كنت زيتاً لا ينضب كي أغمر قلوب الذين لا يشبعون إلا بدماء الأبرياء.. لكن الكمان الأحمر يقتل «كاسبار وايس» وتسود شريعة الدم ومزامير الرياح الغضبى. مثل يراعة خانها الضوء أموت وحيداً، وقبري نجمة تومض في الليالي الحالكات. مثل الوطن المقسم والأشقاء المتقاتلين وهرطقة التاريخ، وكل التزييف وعروش البارود السوداء.
الرحيل يا ساندا مسيرة إنسانية لابد للنفس من قطعها. رحيل مكابر نخادع به المدائن التي سكنتها أرواحنا واستوطنتها ذواتنا.. إننا راحلون وستعزف الجوقة المبجلة طقساً فريداً، وترتفع النوتات معلنة توشيحنا بعلامة الخلود.. سأعود إلى باريس وأرش عطر روزا على قبور الذين ماتوا عشية العيد وهم يحلمون بالفجر.
• كاتب من السودان
