نعى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، الأديب المصري فاروق شوشة بقوله: «اللغة العربية اليوم فقدت أحد عشاقها وأعمدتها وشعرائها.. رحم الله الشاعر والأديب الكبير فاروق شوشة وأسكنه فسيح جناته».
وأضاف سموه على حسابه الرسمي في «تويتر»: «فاروق شوشة ترأس جائزة اللغة العربية منذ انطلاقتها.. لم يكن شاعراً وأديباً فقط.. بل شعلة من النشاط في خدمة لغتنا العربية الجميلة».
إرث ثرٍ

فقدت الساحة الأدبية العربية الشاعر واللغوي والإذاعي فاروق شوشة الذي توفي فجر أمس عن 80 عاماً تاركاً خلفه إرثاً ثقافياً ثرياً تراكم على مدى عقود وشكل وجدان معاصريه وأجيال تتلمذت على يديه، والراحل واحد من الرواد المجددين في ساحة الإبداع، وواحد أيضاً من حراس اللغة العربية الذين أمضوا حياتهم المهنية والأدبية في خدمة هذه اللغة الجميلة والعظيمة حتى آخر نبضة في قلبه المفتون بهذه اللغة.
فقد شيعت مصر أمس واحداً من أبرز شعرائها في العصر الحديث، في جنازة شعبية خرجت من قرية الشعراء.
الراحل في دبي
فقد احتضنت دبي آخر المشاركات الرسمية للراحل في المؤتمر الدولي الخامس للغة العربية في شهر مايو الماضي، الذي شهد أيضاً حضوره مراسم توزيع جائزة محمد بن راشد للغة العربية، التي رأس الراحل مجلس أمنائها منذ تأسيسها.
بالإضافة إلى عضويته في لجنة تطوير اللغة العربية التي أمر بتشكيلها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، قبل أن تصدر تقريرها القيم «العربية لغة حياة»، مشتملاً على استراتيجية رائدة لتفعيل حضور العربية لدى الأجيال المعاصرة.
الولادة
والشاعر الكبير هو أحد رواد الشعر العربي، وقد ولد في 17 فبراير عام 1936 بقرية الشعراء بمحافظة دمياط وحصل على جائزة النيل لعام 2016، وهي أهم جائزة يحصل عليها أديب مصري، وقد تخرّج الراحل من كلية دار العلوم عام 1956، ومن كلية التربية جامعة عين شمس عام 1957، حيث عمل مدرساً ثم التحق بالإذاعة عام 1958، وتدرج في وظائفها حتى أصبح رئيساً لها 1994.

كما أنه عمل أستاذاً للأدب العربي بالجامعة الأميركية بالقاهرة، وهو عضو مجمع اللغة العربية في مصر، وعضو لجنة الشعر بالمجلس الأعلى للثقافة، ورئيس لجنة المؤلفين والملحنين. وكان أهم برامج الراحل الإذاعية: لغتنا الجميلة، الذي قدمه منذ عام 1967، والتلفزيونية «أمسية ثقافية» منذ عام 1977، وكان رئيس لجنتي النصوص بالإذاعة والتلفزيون.
أعمال إبداعية
وشارك شوشة في مهرجانات الشعر العربية والدولية، وله العديد من الدواوين، كما أن له العديد من المؤلفات منها «لغتنا الجميلة، وأحلى 20 قصيدة حب في الشعر العربي، عذابات العمر الجميل، وأحلى 20 قصيدة في الحب الإلهي».
ومن بين دواوينه الشعرية «إلى مسافرة، والعيون المحترقة، ولؤلؤة في القلب، وفي انتظار ما لا يجيء، والدائرة المحكمة، ولغة من دم العاشقين، ويقول الدم العربي، وهئت لك، وسيدة الماء، ووقت لاقتناص الوقت، وحبيبة والقمر «شعر للأطفال»، ووجه أبنوسي، والجميلة تنزل إلى النهر».
وحصل الراحل على عدد من الجوائز، من بينها جائزة الدولة في الشعر في العام 1986، وجائزة محمد حسن الفقي 1994، وجائزة الدولة التقديرية في الآداب في العام 1997. كما حصل على جائزة كفافيس العالمية في العام 1991، ومن بين مؤلفاته كذلك: لغتنا الجميلة، والعلاج بالشعر، ولغتنا الجميلة ومشكلات المعاصرة، ومواجهة ثقافية، وعذابات العمر الجميل (سيرة شعرية).
مكانة أدبية
ونعى الراحل عدد كبير من المثقفين، الذين أكدوا مكانة شوشة الأدبية، حيث نعى وزير الثقافة المصري حلمي النمنم الفقيد قائلاً:
«إن «شوشة» كان شاعراً كبيراً، ومعلماً عظيماً، تربى على يديه ملايين المصريين والعرب»، وأضاف النمنم: «إن «شوشة» كان صاحب مشوار أدبي طويل، تم تتويجه بأرفع جائزة أدبية في مصر وهي جائزة النيل في الآداب العام الماضي».. لافتاً أن برنامجه «لغتنا الجميلة» لم يكن مجرد برنامج بل كان مدرسة، استقطب فيها طلابه ومحبيه للغة العربية ونصوصها الجميلة.
دور بارز
فيما أكد رئيس الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية د. محمود الضبع، أن الراحل كان ممن خدموا الثقافة العربية بإخلاص، كما كان له دور بارز في خدمة دار الكتب والوثائق القومية خلال سنوات قضاها في عضوية مجلس إدارة الهيئة شهدت فيها مصر تغيرات سياسية كبرى، وقد ظل حريصاً على حضور الاجتماعات بانتظام رغم اعتلال صحته في الآونة الأخيرة.
إذاعي متميز
وقال رئيس لجنة الإعلام والثقافة والآثار بمجلس النواب المصري أسامة هيكل، عن رحيل شوشة: «إن أجيالاً كثيرة تأثرت بالإلقاء المتميز والفريد لفاروق شوشة لعقود طويله من خلال متابعة برنامجه «لغتنا الجميلة» .
والذي كان علامة إذاعية متميزة، وأشار هيكل الذي شغل منصب وزير الإعلام الأسبق، إلى عشق شوشة واحترامه العميق للغة العربية، بالإضافة إلى أنه كان شخصاً بالغ الاحترام لنفسه وللآخرين، ولم يسمع منه لفظ يسيئ لأحد على مدى تاريخه»، وتابع قائلاً: «إن فاروق شوشة كان معلماً لأجيال متتابعة في الإذاعة المصرية، وأنه يواسيهم في فقيدهم الراقي والمحترم».
تاريخ مصر
أما الكاتب والروائي يوسف القعيد، فأشار إلى أن شوشة جزء من تاريخ مصر الذي أحدث ثورة في تاريخ اللغة العربية، ولا يقل عن عباس العقاد، موضحاً أن الراحل كان له العديد من الإسهامات الثقافية.
وكانت قضيته الأولى والأخيرة هي الإعلام الثقافي، وأضاف أن اللغة العربية كانت هاجسه الأول، مطالباً وزارة الثقافة المصرية أن تحتفل بـه، وتذكر الأجيال القادمة به، وتعيد طباعة أعماله الشعرية والنثرية، واقترح القعيد أن يتم إقرار أشعار الراحل في مناهج الدراسة، مؤكداً أنها ستساهم في تعلق الطلاب باللغة العربية.
علم بارز
من جهته، أكد الشاعر محمد إبراهيم أبو سنة، وأحد أصدقاء الشاعر الراحل المقربين، أن الحياة الثقافية خسرت علماً بارزاً من أعلامها، وأنه برحيل شوشة تنطوى صفحة مشرقة من صفحات الشعر العربي، والإعلام المصري.
وأشار أبو سنة إلى أن فاروق شوشة خلال مسيرته وقربه منه طوال نحو 50 عاماً، وجد فيه تفرداً وكمالاً في الشخصية، مضيفًا أنه الآن رحل عن عالمنا في الوقت الذي كنا نحتاج إلى فاروق شوشة ولأخلاقه وإنسانيته.
