لم تتسع أيام الشاعر فاروق شوشة كثيراً لأن يعبر عن نضر] حلمه، ليرحل مع بزوغ فجر أمس، تاركاً حراسة لغتنا العربية وجمالياتها لجيل جديد من الأدباء والمثقفين، ممن تربوا على يديه، وعشقوا صوته الإذاعي وصورته تلك التي طالما تجملت بها الشاشة الصغيرة. بهدوء لا يشبه ضجيج أيامنا رحل شوشة عن عالمنا، مخلفاً جرحاً في قلوب أولئك الذين أحبوه من أدباء ومثقفي الإمارات الذين طالما رافقوه في أيامه واستفادوا منه وعلمه وثقافته، وتعلموا منه شغف الشعر وحب الثقافة.

«قلمه جميل وصوته ووجهه التلفزيوني جميل جداً، وطالما تمتع رحمه الله بمناقب عالية»، هكذا فضل الشاعر حبيب الصايغ، الأمين العام لاتحاد الكتاب والأدباء العرب، أن يرثي الراحل، الذي قال فيه لـ «البيان»: «كان الراحل فاروق شوشة، شاعراً مهماً، ولقصيدته شكلها ومضمونها الخاص، ولغته طالما كانت رقيقة ومعبرة عن معاني الحب والصداقة من دون ابتذال».

وأضاف: «أهمية الشاعر الراحل تكمن أيضاً في ايجابيته في الاشتغال الثقافي، فهو مثقف وإعلامي كبير، وهذا قل أن يجتمع معاً في شخص واحد، لأن لكل واحدة منها موهبتها. شوشة اشتغل على الوعي الثقافي خصوصاً فيما يتعلق بالشعر واللغة العربية التي كان، رحمه الله، عاشقاً لها، ولذلك ابدع في برامجه خاصة «لغتنا الجميلة» و«أمسية ثقافية»، وأبدع في كافة فنون الإعلام، مسموعاً ومرئياً ومكتوباً».

أسلوب متفرد

ولأنه لا يمكن فصل النص عن أخلاق كاتبه، فقد أشار الصايغ إلى أن الجانب الأخلاقي مهم جداً في حياة المبدع، وقال: «الجانب الأخلاقي والمناقبي عند الكاتب يجمل نصه ويقربه كثيراً من الناس. ولعلمي أن الراحل كان ذلك، وكان حديثه أقرب إلى الوشوشة، وهذا ما جعله عند حديثه مع الناس بعيداً عن الضجيج.

ودائماً كان مقنعاً في طروحاته». ودعا الصايغ في حديثه إلى ضرورة تكريم المثقف العربي خلال شبابه وفي عز عطائه، وليس بعد رحيله أو في مراحل حياته الأخيرة. وقال: «اعزي اسرته ومحبيه واتحاد كتاب مصر بفقدان علم من أعلام الأدب العربي». وتابع: «نحن تربينا على يد الراحل، الذي طالما كان صديقاً للإمارات.

وهو من الذين قربونا كثيراً من الشعر وحببونا فيه وبالإعلام، وقد تعلمت منه أنه لا يمكن النجاح في الثقافة إلا اذا منحتها كل عمرك، وان الثقافة هي حب وشغف وأنها ليست وظيفة، وأن الشعر هواية وهوية وهواء نتنفسه كي لا نموت. تعلمت منه تواضع الكبار، ولذلك هو كان شخصية جذابة، وله اسلوبه المتفرد في القصائد، وهذا معيار مهم جداً في الحكم على المبدع، كونه يضيف إلى القارئ ويساعد في استرجاع الذاكرة بشكل ايجابي».

قيمة علمية

تحامل الكاتب بلال البدور، سفير الإمارات في الأردن على ألمه كثيراً، ليرثي الراحل من فوق فراش المرض الذي يعالج منه في ألمانيا، حيث قال: «وفاته خسارة كبيرة للثقافة العربية، وللغة الضاد، لأنه صاحب باع طويل في الدفاع عن اللغة العربية والتعريف بها وبجمالها.

تربينا جميعاً على صوته الجميل وهو يشدو بأشعاره الجميلة وباللغة العربية» وتابع «تزاملت معه في ظل مجلس أمناء جائزة الشيخ محمد بن راشد للغة العربية بوصفه رئيس الجائزة وأنا الأمين العام لها، واستفدت خلال هذه الفترة فائدة كبيرة منه، فعندما تجلس معه تدرك قيمته العلمية والثقافية.

ومجلسه لا يمل أبداً، وكل يوم كنا نستفيد منه، ولكنها سنة الحياة»، وختم قوله: قبل أشهر كنا نعزيه في وفاة أخيه، وها نحن اليوم نتقبل العزاء فيه، وأسأل الله له الرحمة، وللأمة العربية العزاء في فقد أحد أعلامها الأفذاذ الذين قل أن يجود بهم الزمان.

عشاق العربية

بكلمات جميلة مغلفة بالحزن، قال علي عبيد الهاملي، مدير مركز الأخبار في مؤسسة دبي للإعلام: «الراحل قامة اعلامية وأدبية كبيرة في العالم العربي، وتاريخ الإعلام والأدب العربي، أنا شخصياً من الجيل الذي تربى على صوته في برنامجه«لغتنا العربية».

وقد استطاع، رحمه الله، أن يحبب الجميع باللغة العربية، وأدبها عبر اختياراته وأسلوبه في الأداء. والخدمة التي قدمها شوشة للغة العربية كانت ضرورية في الماضي، ونحن نحتاج في حاضرنا إلى هذه النوعية من الشخصيات التي تستطيع أن تقرب اللغة العربية إلى قلوب الناطقين بها وعقولهم ومشاعرهم».

وواصل: «لقد توجت دبي حياة الراحل ومسيرته برئاسة مجلس أمناء جائزة الشيخ محمد بن راشد للغة العربية، وكان ذلك بلا شك اختياراً موفقاً من قبل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي». وتابع: «نعزي انفسنا كعشاق للغة العربية بفقدانه، وبرحيله خسرنا قامة اعلامية وأدبية كبيرة، ونسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته».