قبل أن أخوض في غمار هذه القصيدة الرنانة لسمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي، بعنوان «حلّال الصعاب»، دعوني أبشركم ببشارة عظيمة يا أهل دبي خاصة وأهل الإمارات عامة، وهي أن دبي عرين الأسود، وستظل إن شاء الله طالما قال سمو الشيخ حمدان (أنا شبله) فالأسدية مستمرة ومن أسد إلى أسد إلى أسد بإذن الله، أطال الله في عمر الشيخ محمد والشيخ حمدان، ولعمري كأن الشاعر قد تعمد أن يبوح بهذا السر لكي يطمئن والده ويطمئن الناس جميعاً على مستقبل دبي.

والأمر الآخر الذي أود أن أستعجل به أيضاً هو أن هذه القصيدة نموذج أمثل للأخلاقيات التي يجب أن يتربى عليها جيل اليوم، الذي فقد الكثير من القيم والمثل العليا بسبب الانصهار في العولمة التي خلطت الأوراق.

مقام عظيم

فكأن قصيدة «فزّاع» جاءت لتقول بطريقة غير مباشرة: أيها الشباب، للوالد فيكم مقام عظيم، ومقامه يعد في عرف اليوم الخط الأحمر الذي لا يجوز أن تتخطوه، وللوالد فيكم أيضاً الفضل الأكبر؛ فمهما تعلمتم ومهما تفوقتم ومهما ملكتم، فإن الوالد يظل هو ذلك التاج على رأس ذلك الملك المطاع الذي لا يعصى له أمر ولا يفشى له سر.

تعالوا بنا بعد ذلك أيها القراء لنتمعن ونمعن في ثنايا أبيات الشاعر الابن في مجاراة أبيات الشاعر الوالد، وقد رأينا بالأمس صاحب السمو الوالد الشاعر الشيخ محمد بن راشد يختم قصيدته بقوله:

شوف يا حمدان في هذا المصاب

لي محيــــرني ولا كنـــــــي الخبيــــر

وجملة «شوف يا حمدان» التي أطلقها الشيخ محمد بن راشد وصلت إلى سمع سمو الشيخ حمدان في سرعة البرق، لكنها دوّت في مخيلته مثل زئير الأسد، فمنذ ذلك الحين بدأت شاعرية “فزاع” تستعد للرد على طلب والده الذي يجد حمدان هو الأول دائماً، وهو الوحيد الذي يمكن أن يفهمه، ولا يمكن أن يرد له أي طلب لفضله كأب، ولمكانته بين ملوك الأرض وأمرائها، ولشاعريته الفذة التي لا تشبهها إلا شاعرية “فزاع”، وذهب يؤكد هذا بقوله:

أنا شبله واحسب لصوته حساب

لا ذكرت أهــــــوال يوم مستطيـــــــر

تكريم

وبالمناسبة سمعت أنا بأذني الشيخ حمدان مرة يقول: أنا عندما يطلب مني والدي شيئاً بأن أفعله والوقت ليل فإني لا أنام في ذلك الليل حتى صباح اليوم التالي، أفكر فيه وأحسب لطلبه ألف حساب.

نعم.. وشاعرنا في هذه القصيدة يعظم والده أكثر من مرة، ووالده يستحق ذلك التعظيم الذي هو من قبيل التبجيل والتكريم؛ فمرة يلفت أنظارنا إلى أدبه مع والده الذي كل أمره مطاع، ومرة ينبئنا عن شخصية والده المهابة كهيئة الليث في الغاب.

بطولة الكلمات

ومرة أخرى يخبرنا عن بطولة كلمات والده ومدى تأثيرها وفاعليتها في بقاع الأرض، فكما أن صوت الأسد زئير لا يشبهه أي صوت، فإن تعبيرات والده قوية النبرات وبالغة التأثير، لدرجة أن الناس يسمعونها من مسافات شاسعة بمجرد الإيحاء والإيعاز، وعندئذ يجب أن يحسب له ألف حساب كما يحسب ألف حساب لزئير الأسد.

ومرة أخرى يخبرنا عن مدى قربه من والده وملازمته له ليلاً ونهاراً، وفي السفر والحضر، لدرجة أنه يعرف كل طبائعه ودقائق مرامه، لذلك فإنه يقدّر منه كل حركة وسكون؛ لأنه لا يقول شيئاً من غير معنى، ولا يفعل شيئاً من غير معنى أيضاً.

كما يؤكد لنا شاعرنا الفتى من خلال هذه القصيدة أنه أشبه الناس بوالده؛ فهذا الشبل من ذلك الأسد، وإننا متى رأينا فيه نبوغاً أو عبقرية أو أعجوبة فينبغي ألا نستغرب؛ لأن الشاعر يقول:

وهل ينبت الخطّي إلا وشيجَه

وتنبت إلا في منابتها النخلُ

ونراه عندما يرفع الشاعر من مقام والده، وهو رفيع المقام أصلاً، يقول إن والده لا يحتاج إلى من يرشدنا إليه أو إلى مكانه، فهو العَلم المرفرف والرأس الأعلى بين البشر، ولا تخفى طلعته على أحد، وإن من عادة الناس أنهم لا شعورياً يرفعون رؤوسهم إلى الأعلى لينظروا إلى من هو الأعلى مقاماً، وقديماً قالت الشاعرة الخنساء:

وإن صخراً لتأتمّ الهُداة به

كأنــه عَلم في رأسه نـار

مواقف

ويذكر من بعض مواقف والده المشرفة فيقول إنه إذا نطق لا يقول إلا الصواب، ولا يكون هذا إلا دأب الحكماء الذين يطيلون الصمت، ثم إذا نطقوا قالوا الحكمة وشغلوا الناس بهم، وكأنه يشير إلى المتنبي الذي يقول:

أنام ملء جفوني عن شواردها

ويسهر الخلق جرّاهــا ويختصـــــــم

اقرأوا معي هذه الأبيات لتستشفوا منها تلك المعاني السامية:

اسمعت أذني زئيــــر الليـث غــــــــاب

ما نشدت الناس من وين الزئيــــــــــر

أنا شبله واحسب لصوته حساب

لا ذكرت أهوال يوم مستطيـــــــــــر

كل ما عدا على روس الهضاب

لازم الأنظــار صوبه تستديــــــــــــر

من عرفته ما يقول إلا الصــــواب

كل كلمة من سمــوه تستثيــر

سجل الإبداع

ثم يتطرق إلى جانب شاعرية والده وتمكّنه من السياسة والشعر والأدب، فيصفه بأنه بارع في أقواله وفي أفعاله، وما قال أو ما فعل جدير بأن يسجل في سجل الإبداع والابتكار والإعجاز الدولي فوراً لأنه الأول دائماً، ولم تكن له تلك الخصوصية لولا أن الله خصه بصفات قيادية إبداعية غير موجودة في الآخرين.

ألا ترى أن الشيخ محمد بن راشد صاحب فراسة يقرأ ما بين الأسطر، ويقرأ ما في نفوس الناس وأذهانهم قبل أن ترد على الألسن، ومن أراد أن يعرف صدق ما أقول، عليه أن يقرأ كتبه في الإدارة والاقتصاد والسياسة والفلسفة والحكمة والخيل، وله أن يقرأ دواوينه بالنبطية والفصحى، ويقرأ ألغازه التي لا تزال حتى اليوم تنتظر الأجوبة، فهو إذن بحر غزير ومحيط عميق وقيادي خطير، وبالمهابة حقيق وجدير.

ومرة أخرى اقرأوا هذه الأبيات للشاعر حمدان بن محمد لتلتمسوا صدق ما قاله في والده، ولا يقول فيه إلا ما هو فيه:

النفوس وكل ما فكر وجـــــــــــاب

قــــــــــافيه خلا هل المعنى تحير

في معانيها بشــــــك وارتيــــــــــــــاب

ما يحللها سوى من هو جديـــــر

له فراسه في الحضور في الغياب

شاعر بحره من المعنى غزير

ودي أجاريه لكــــــــني أهــــــــــــــاب

كل شبر يقارن بشبره قصيــــــــــر

شاعر لا يجارى

وهكذا ينتقل سمو الشيخ حمدان بن محمد من أدب إلى أدب، مع والده الذي يهابه تارة ويبجله تارة؛ فحمدان شاعر لا يجارى، ولكن مع والده يظل ذلك الطالب الذي لا يزال يتعلم، ومن كان محمد بن راشد والده أو شيخه يتمنى أن يبقى طالباً في مدرسته إلى الأبد.

نعم وحق له أن يهابه؛ فالشيخ محمد بن راشد هو الجيش العرمرم الذي لا يقهر، لا يغلبه أحد في السياسة ولا في الأدب والشعر ولا في الاقتصاد ولا في فروسيته ومعرفته بالخيل، وإن أردت أمثلة على ما قال فزاع فخذ من مشاريعه وإنجازاته وفروسيته في الداخل ما شئت، وخذ من مواقفه وبطولاته وسياساته في الخارج ما شئت؛ فالشيخ محمد بن راشد ليس هو الذي يتكلم عن نفسه، بل الابتكار والإبداع والإنجاز والمغامرات والمواقف الشجاعة تتحدث عنه.

وقد عبر الشيخ حمدان عن هذه المعاني بالقول:

من يريد ينافسه يطـــــــرد ســراب

تعتبره الناس مجهـــول المصيـر

والغلا في القلب ينساب انسياب

مثلما ينساب نسنـــاس العصيـر

في فيافي لندن بلاد الضبــاب

أو كما الذعــــذاع في بر العويـــــــــــر

ثم يسرد الأبيات التالية بشكل دعابي جميل فيقول:

وان سمح لي سيدي دمث الجناب

بسؤال واحد لاجل استنيــــــــــر

الظبي وشلون يعشقــــه العقــاب

كل ظبي لو يشــوفه يستذيـــــــــــــر

الظبي ما له نظير أو كــــان غــــــــــاب

عن عيونك كيف تلقى له نظيــــــــــر؟

يعسف المهره شجاع ما يهـــــــــــاب

فالخيول النادره فكره بصيـــــــــــــر

الهجر بين الحبـــــايب ســـــــم داب

والجفا من بينهم ما فيــــــه خيــر

التحليق عالياً

أقول بصراحة: كنت أنتظر قصيدة الشيخ حمدان بفارغ الصبر، لعلي أجد حل اللغز فيها ماثلاً أمامي، لكني اليوم احترت أكثر، لما رأيت الوالد والولد اتفقا على أن يحلقا عالياً، فكل ما خطر ببالي وبالك، فإن ما في ذهن الليث والشبل غير ذلك.

إذن فإنني أقول كما قال الشيخ محمد بن راشد بالأمس: اكسروا القالب، وأقول اليوم: اكسروا أقلامكم أيضاً، ولنردد مع سمو الشيخ حمدان قوله:

كيف تسألني وتـدري بالجــــــــواب

كيف تبغي نصرتي وانت النصير

حلهـــا عندك يا حلال الصعــــــــــاب

سيف عزمك ما صنع لجله جفيــر

شاب راس القاف من هيبتك شاب

ما يصير إني أكـــــــــــابر ما يصيــ ــر

Ⅶحمدان بن محمد يطمئن والده ببوح وجداني عن مستقبل دبي

Ⅶ هذه القصيدة نموذج أمثل للأخلاقيات التي يجب أن يتربى عليها جيل اليوم

Ⅶ الابتكار والإبداع والإنجاز والمواقف تتكلم

عن محمد بن راشد

Ⅶ الشيخ محمد بن راشد صاحب فراسة

يقرأ ما بين الأسطر