علاقتها الوطيدة بالقربة مختلفة، فهي تخض اللبن وتنفخ فيه، لا أعرف لماذا كانت تنفخ في اللبن المخضوض، ربما ذلك الزفير الخارج من رئتيها هو ما يجعل صنيعها طيباً ولذيذاً.
كم هو جميل أن تصنع للآخرين أشياء، دون انتظار من يعوضك على ما قاسيته. صمد العريش كثيراً طوال السنوات العشر التي اعتكفت فيها لساعات منتظمة لتنتج من سائل أبيض يأتيها من العزبة في أوعية بلاستيكية ملونة، لها أغطية خضراء، اشتراها ابنها الأكبر من السوق القديمة بعجمان، خلال رحلة شراء السمك التي يقوم بها شهرياً، نصحها كثيراً بالتوقف.
وأن تعلم بناتها هذه الوصفات ليقمن بدورهن بما تقوم به، لأن صحتها لم تعد تساعدها، تنزعج كثيراً من هذه النصيحة وتبدأ الدموع تبلل تجاعيد وجهها الجاف، تمسحها بطرف شيلتها الحالكة، يتهدج صوتها رفضاً لهذا المقترح معللاً توقفها عن هذا العمل بسبب قتلها وهي حية ! وأن بناتها لا يعرفن السر ولن يعرفنه، احترمتُ كثيراً هذا الموقف منها ورأيت في تشبثها بالحياة مثالاً يجب أن يحتذى به في هذه الحياة المليئة باليأس والرغبة الدائمة في الخلاص والفناء العاجل.
علاقتها الوطيدة بالقربة مختلفة، فهي تخض اللبن وتنفخ فيه، لا أعرف لماذا كانت تنفخ في اللبن المخضوض، ربما ذلك الزفير الخارج من رئتيها هو ما يجعل صنيعها طيباً ولذيذاً، تتدفق إلى فمي في هذه اللحظة مذاقات عدة انتجت على يدها في أوعيتها، فالحليب يصبح بخفقان قلبها لبنا.
وبعطفها الساخن «جامي» وبتشددها في مبادئها والعادات يتحول «يقطاً وبثيثاً» يابساً مالحاً، تقلق فجراً على البقرة التي ستلد وتهدينا صباحاً «لباءً»، لا يستخرج هذا المنتج إلا من حليب البقرة التي انجبت تواً، يوشى اللباء بالزعتر البري الذي يؤتى به خصيصاً من اليمن حيث سفوح الجبال الشاهقة.
ترسل كل ذلك البياض في هيئة منتجات متنوعة تصل للجميع على مدار العام، لأن لكل منتج قصة صبر وحرفية في الصنع، ليس الغرض منها إثبات جدارتها وجودة ما تصنعه، بل جل ما تسعى إليه هو أن تكون أصناف أطعمتها ملجأ لأي جائع قد يعجز عن إعداد وجبة، أو ضيافة لزائر جاء على حين غفلة.
العجوز في ذلك العريش زعيمة لوطن خيّر وكريم، أحبته بصدق وتولعت به، ضجرت منه أحياناً وتعبت، كانت كالمايسترو، تحرك ما في القدور حتى يتماسك أو ينصهر، تكبس على محتويات المصافي المعدنية حتى تهلك وتتلف من كثافة إنتاجها، كما أن قوارير حفظ اللبن والعصير التي تجلب من السوق تصبح تحت سلطة صناعتها البيضاء المنزلية، حتى السمن.
ذلك الدهن البرونزي تعبئه في قنينة لشراب أحمر مركز، نعرفه في رمضان كثيراً، تجتهد في كل جمعة لتنظيم شكل ما ستقدمه وتهذبه وتقسمه في أوعية مختلفة الأحجام، بتصنيف عادل يسمح للجميع بالحصول على خيرات دولتها المحاطة بجريد النخيل الذي يحنو عليها بصموده في حماية حدود وطنها الأبيض، فخوراً بزعيمته البيضاء، نأتي بعد الصلاة لزيارتها فتأتينا محملة بأكياس وقوارير تصفّها حولها، نقبل رأسها نصب محبتنا لتسري في شعرها الذي اشتعل شيباً، مهدئين بذلك عناءها الذي بدأ مع صياح الديك وسينتهي مع أذان العشاء.
* كاتب إماراتي

