لعل ما يجعل للقصيدة آفاقاً ممتدة، هو الخيال. هذا الفضاء الذي يضع أحماله في وجدان الشاعر. يقول أحد الحكماء«الحياة غابة كثيفة» بين القسوة واللين، غير أنها تتغذى على الأفكار، وقياساً على هذه الحكمة، فإن الأفكار هي بذرة الخيال، حينما تثمر أغصانها في فضاء واسع وممتد، فهو والشاعر حميمان لا ينفصلان عن بعضهما البعض ما دام في القلب بقايا من بوح.

ولأنه يلعب دورا مهما في استحضار الصور وتقديمها في قالب إبداعي وجدنا التفاوت في استثماره بين الشعراء، فمثلاً هناك خيال متطلع ولمّاح وباحث جيد فيما يخدمه ويوظفه، مما جعلنا نجري عليه القراءات العديدة بحثا وتنقيبا عن جماله لأنه استغل الخيال بوعي تام، إذ جعله شعراء نقطة الانطلاق النهائية لبداية فعلية.

وعليه تشعبت خيالاتهم في قصائدهم حتى كاد المتلقي أن يسميها - التجارب المنتقاة - وهذا بالطبع ليس بعيب بقدر ما هو اختلاف يتوجب على الشاعر الانتباه له والتنبؤ به حال كتابة النص الشعري.

وثمة خيال رهن الحركة اللحظية، وأسير الركود المتكرر الذي قد يتسبب في ميله نحو النسخ الشعري من تجارب ممن سبقوه في تجاربهم.

الخيال في مدلوله الاصطلاحي يعتبر المساحة الحرة، والكون الذي لا حد له، وذلك بوصفه الممسك الأول والمقبض المحكم لدى الإنسان فضلا عن كونه شاعرا في النهاية.

الخيال المنفرد، المقتنص لفكرة بكر، من النادر اكتشافه في ظل هذا الزخم الشعري، والسبب في تقديري هو إغفال جانب التفرد وامتطاء القصيدة بشكلها الظاهري، واعتمادها على مقوماتها البنائية وإهمال الجوهر الحقيقي لبقائها وتداولها، وهو توظيف الخيال المناسب لفكرة مناسبة.

ما أود قوله. إن الخيال الحر يجب أن ترافقه فكرة حرة ليست مطروقة ولا موسومة من قبل شاعر آخر. وعلى ذلك، فإن خيال الشاعر مساحته الكبرى وفكرته زمام قصيدته وقصيدته، بطبيعة الحال، شجرته التي ينوي غرسها ليقطف ثمارها المتلقي ولا ينسى طعمها.