حين يتحول الكتاب إلى فرد لا تكتمل بدونه الأسرة، لتحجز له مقعداً إضافياً في البيت والسيارة وتبني له عرشاً في قلوب أفرادها، ويتربع كالملك على أرفف مكتبتها، ويتوزع بكل أناقة في زوايا المنزل. فهذا يعني أنه أصبح جزءاً لا يتجزأ من المنظومة العائلية التي لا يكتمل ألقها إلا في حضرته.

علاقة حب رائعة تجمع أسرة هبة المهتدي بالكتاب، فهو الصديق الصدوق، الذي لا يمر يوم إلا وتبدأ معه رحلة جديدة، تجري أحداثها بين غلافين، تأخذ صاحبة المنزل وأبناءه إلى عوالم تصافح فيها السماء وتمسك فيها النجوم بيديها، لتتحول القراءة إلى عادة يومية تجلب السعادة لها ولأسرتها.

من اللحظة الأولى التي تخطو فيها عتبة منزل الأسرة، يستقبلك محمود درويش بصوره وأشعاره الموزعة بأناقة هنا وهناك، ليضفي وجوده حميمية على المكان، فتجد نفسك في حضرة أسرة قارئة عززت حضور الكتاب ومبدعيه، فارتقت بنفسها.

«البيان» التقت أسرة هبة المهتدي، المكونة من زوجها المهندس عبدالناصر الكرمي، وابنيها خالد «14 سنة» وكريم «11 سنة». وعن القراءة استهلت هبة حديثها: بدأ مشواري مع القراءة منذ كنت طالبة في المرحلة الابتدائية، فبفضل إحدى معلماتي الفاضلات أصبحت القراءة عادة يومية لدي، وفي المرحلة الابتدائية بدأت أقرأ لجبران خليل جبران.

وهنا كانت أولى خطواتي في عالم القراءة، لأنتقل بعدها إلى إبداعات غسان كنفاني الذي تتلمذت في مدرسته، فازداد شغفي وعشقي للقراءة، وها أنا اليوم، كأم وربة منزل، أسعى للنهل من معين القراءة بشكل يومي، لأنهي كل يوم قراءة كتاب، وأعيش في صحبته أوقاتاً متميزة.

أدب وفلسفة تاريخ

تميل هبة المهتدي إلى قراءة كتب الأدب العربي والأدب المترجم والأدب الروسي، إضافة إلى كتب الفلسفة وعلم النفس، كما تتابع كل ما يخص التربية وعلم الاجتماع، إلى جانب الكتب الدينية وكتب التاريخ وغيرها.

ورغم أنها تطالع كتاباً كاملاً يومياً، إلا أن ذلك لا يشبع شغفها، حيث إنها تطمح إلى قراءة كتابين في اليوم، وقالت في الخصوص: قراءة كتاب في اليوم هو ما أفعله، ولكن طموحي أكبر منذ ذلك بكثير، إذ أسعى جاهدة لإنهاء كتابين في اليوم.

ولكن ما يخفف عني شعوري هذا هو انضمامي لأكثر من مجموعة قرائية، أشاركها قراءة كتب نتناقش فيها أسبوعياً أو شهرياً حسب خطة كل مجموعة، فأنا عضوة في مجموعة «دارة القراء النسائية».

و«استراحة سيدات» وهي إحدى مبادرات مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، إذ نلتقي في استراحة مخصصة للقراءة، ونناقش الكتب التي قرأناها، إلى جانب مجموعة «اقرأ» وهي مجموعة تشمل كتباً مخصصة للجنسين وتضم قراء من مختلف الجنسيات، وتحتوي أنشطة متنوعة، وميزتها أن فضاء القراءة فيها واسع، ما يشبع في داخلي فضول التعرف على آفاق أرحب.

عصف فكري

وعبرت هبة عن سعادتها بالنقاش الهادف الذي تتشاركه مع تلك المجموعات القرائية. وأضافت: نخصص جلسات نقاشية نعيش من خلالها حالة عصف فكري تساعدنا على توسيع رؤانا حول الكتاب، ومثل هذه الجلسات توسع مداركنا، وتفتح أعيننا على معلومات كثيرة، ما يؤثر علينا إيجاباً.

وأشارت إلى أن القراءة هواية مشتركة بينها وبين زوجها، كما أن ابنيها يتملكهما حب القراءة، إلا أنهما بحاجة إلى التشجيع والتحفيز، للمضي في هذا الطريق، لا سيما أن عصر الإلكترونيات الحديثة ووسائل الترفيه المتنوعة، أصبحت تشغل الأبناء عن القراءة، وقالت: يحب خالد القراءة في مجالات الفضاء والعلوم، أما كريم فيميل إلى الروايات.

ونحرص، أنا ووالدهما، على اصطحابهما إلى معارض الكتاب، ومثل هذه الفعاليات الثقافية المهمة تعتبر جزءاً مهماً من خطتنا السنوية، وتشجع ابنينا على القراءة، وتتيح لهما اقتناء ما يريدان من الكتب التي يجدان نفسيهما فيها.

ورغم أن الجيل الجديد يفضل القراءة عبر الوسائط الإلكترونية، إلا أن للكتاب لذة من نوع خاص تحدثت عنها هبة: ليس هناك شعور يضاهي ملامسة أوراق الكتاب والغوص بين أسطره، وهذه عادة لا أستطيع التخلي عنها أبداً.

مبادرات ثقافية

أشادت هبة المهتدي بمبادرات الدولة التي تسهم في التحفيز على القراءة، مثل «عام القراءة» و«تحدي القراءة»، وتابعت: هذه المبادرات تزيد إحساس الطالب بأهمية القراءة، ونسعى كأولياء أمور إلى أن نسهم في إنجاحها، من خلال التعاون المثمر مع المدارس، وتشجيع أبنائنا على المشاركة في هذه المبادرات.

وأسعدتني مبادرة أستاذ التربية الإسلامية في مدرسة ابني، إذ طلب من طلابه قراءة كتاب خاص بسيرة رسولنا الكريم محمد «ص»، وتلخيصه، وقد تعلم ابني الكثير من ذلك، حتى إني أرسلت رسالة شكر للمعلم، إذ عزز بهذه الطريقة سيرة رسولنا الكريم في نفوس الطلاب، كما تعلموا كيفية كتابة تقرير ملخص عن الكتاب الذي قرؤوه.

وتسعى هبة جاهدة لتحفيز أبنائها على القراءة من خلال توفير بعض الهدايا البسيطة، وقالت حول ذلك: تسعدني رؤيتهم يقرؤون كتباً تساعد على تقوية لغتهم وحبهم للغة العربية، ولم تقتصر المبادرات الثقافية في الدولة على تشجيع أبنائنا فقط، بل زادت شغفنا وإقبالنا نحو القراءة، وحماسنا لأن نكون جزءاً لا يتجزأ من هذه المبادرات الفاعلة التي ترتقي بمستقبل أبنائنا.

20 صديقة

وعن الكتاب الذي أثر في نفسها إلى حد كبير، تحدثت المهتدي عن «الطنطورية»، وقالت: رواية «الطنطورية» للراحلة الدكتورة رضوى عاشور، من أروع ما قرأت، فهي رواية تسرد حياة جيل كامل من خلال شخصية معينة، تعيش النكبة والتشرد وتعايش مخيمات اللاجئين في لبنان والنكبات المتلاحقة والمذابح.

وجمالية الرواية تتمثل في تمازج اللغة الأدبية المميزة، مع السرد التاريخي وفق تداخل رائع، والتركيز على القضية وتناولها بشكل إنساني، مع رسالة مفادها أن الحق لا بد وأن يعود إلى أصحابه.

ودفعت هبة 20 من صديقاتها لقراءة هذه الرواية، كما قالت، وأهدت عدة نسخ منها لبعض معارفها، فيما تقوم في الوقت الحالي بإجراء مفاوضات مع ابنيها، ممزوجة بالحب والتحفيز ببعض الهدايا، في محاولة لإقناعهم بقراءتها.

سهل ممتنع

تحدث عبدالناصر الكرمي عن قراءاته، فقال: أحب القراءة في مجال الأدب والروايات أكثر من غيرها، وتلفتني إبداعات الروائي عبدالرحمن منيف، وقرأت أغلب كتبه، وأكثر ما يميز هذا الكاتب سعة أفقه واطلاعه، وقدرته على توصيف الأمور بالشكل الدقيق، ليعيش معه القارئ تفاصيلها وأحداثها، إضافة إلى العبقري غسان كنفاني الذي كانت بداية قراءاتي معه.

واكتسبت حب القراءة بعد قراءة رواياته التي كتب فيها عن الجرح الفلسطيني، ويمتاز هذا الكاتب المبدع بأسلوبه السهل الممتنع.

وفي كل زاوية من زوايا المنزل، يتباهى محمود درويش بأناقته المعهودة، ليشعر الزائر بذاك الحب الكبير الذي تحمله الأسرة في قلبها له، وعن ذلك قال الكرمي:

محمود درويش أكثر كاتب نجح في وصف الحالة الفلسطينية بأسلوبه الأدبي المتميز والمحترف، فهذا المبدع أصبح جزءاً من كل بيت فلسطيني، واستطاع أن ينقل الحالة الفلسطينية بمهارة لغوية لا مثيل لها، فسطر واحد من كتاباته كفيل بأن يجعلنا نفكر لمدة تزيد على ساعة في ما كتبه.

تحفيز

وأكد الكرمي أن القراءة هواية وخيار مشترك بينه وبين زوجته، مشيراً إلى أن القراءة أجمل ما يمكن أن يقرب بين طرفين شريكين في حياة واحدة، وقال: نسعى اليوم لترسيخ عادة القراءة في نفوس ابنينا خالد وكريم، في ظل الهجمة الإلكترونية الشرسة، وأنا من المتشائمين بمستقبلها، فالأمور لا تسير لصالح الكتاب المقروء، ولكننا رغم ذلك، نسعى إلى تحفيزهما على القراءة بشتى الطرق والوسائل.

وطالب الكرمي المدارس بتعزيز حضور اللغة العربية، وقال: أتمنى منها التركيز على تنمية عادة القراءة لدى الطلاب، والاهتمام باللغة العربية، فلغتنا جميلة جداً، ومن أكثر اللغات التي نستطيع من خلالها التعبير عن أي شيء.

تقارب فكري

اكتشفت هبة المهتدي وزوجها عبدالناصر الكرمي، من خلال جلسات النقاش التي كانا ينضمان إليها في نادي القراءة قبل ارتباطهما ببعضهما، أن بينهما تقارباً فكرياً واهتماماً مشتركاً بالقراءة، كما تبادلا وجهات نظر كشفت لهما عن مدى أهمية القراءة لدى كل منهما، ما ساهم في تكوين أسرة قدرت قيمة الكتاب واستمرت على نهج القراءة منذ اللبنة الأولى فيها.

Ⅶمبادرات الدولة الثقافية تعزز حالة الازدهار المعرفي في المجتمع

Ⅶ محمود درويش ضيف المنزل وأشعاره تتباهى بأناقة على الجدران

Ⅶ جبران زرع حب القراءة لدى الأبوين.. وغسان كنفاني أكمل المشوار

Ⅶ «الطنطورية» حالة خاصة والأدب العربي وعلم النفس حاضران بقوة