بدأت البعثات الأثرية العربية والأجنبية تنقيباتها في مختلف أراضي الإمارات منذ منتصف القرن الفائت، مُسفِرةً عن اكتشافات عدة متمثلة بقبور وأضرحة كُنِزت بداخلها الكثير من أدوات العيش وكمالياته.

هذه المخرجَات التي أسفرت عنها تفتيشات موسمية عدة، تعود معظمها إلى ما قبل ميلاد المسيح بقرنين أو ثلاثة، أو بعد ميلاده، بالمدة نفسها.. لتخرج لنا قبوراً دائرية الشكل في معظمها.. والآن وبعد أن رُفِعت الحجارة والأتربة عنها، يأتي السؤال، لماذا القبور دائرية الشكل، ولماذا نقشت على الأواني التي بداخل القبور أشكال دائرية؟

في معظم التنقيبات بدولة الإمارات العربية المتحدة، كانت الدائرة سيدة الأشكال الهندسية أثناء مكتشفات القبور، ومنها قبر الهيلي في العين العائد لحضارة أم النار، والذي لا يزال مُلفتاً في هيئته الدائرية ومظهره المتقن والعائد إلى العصر البرونزي.

قبور

ورغم أن حجرات الدفن الداخلية ليست دائرية، لكن من يرى القبر يشغله السؤال حول ظاهِرِه: لِمَ القبر دائري من الخارج؟ خاصة أن أحجار القبور مُختارة بعناية فائقة، ومُشذَبَة في جوانبها باستدارة تشكيلية رصينة، وبطريقة التحزيز، فلماذا الدائرة دون سواها من الأشكال في اختيارهم، إذ لا أشكال هندسية أخرى كالهرم المثلث؟ أو مستطيل في توابيتٍ بطولِ الإنسان؟ أو لمَ الشكل الخارجي ليس مربعاً فهو الأكثر مواءمة مع مداخل الغرف الداخلية للمدفن الجماعي.

لم يكن قبر أم النار في أبوظبي المعني فقط في تساؤلنا حول استدارته، فهناك قبور أخرى في الدولة بالهيئة والمنظر ذاتهما، كما مدفن «هيلي» في مدينة العين، و«مليحة» في الشارقة..

وإن دنونا من الصناديق والجرار الحجرية الجميلة الصنع نجدها تحمل في قوامها دوائر مُنقطة، فعلى أبدانها الأسطوانية دوائر صغيرة كملمح ومهارة يحكمها الذوق وعملٌ فني مسبوك، وإن مضينا إلى الأواني والمباخر والجرار.. فإن أغلب هذه المخرجات والمكتشفات أسطوانية أو دائرية، وإن لم تكن الدائرة في بنية المادة، تنتشر كزخرفة متقنة وعالية الإحساس.

تساؤلات ومعتقدات

تساؤلات الإنسان لا نهاية لها، ما هي الحياة؟ وكيف انبثق هذا العالم؟ ما أصل الأشياء وما حقيقتها؟ من أين جاء؟ وإلى أين سيمضي؟ بحث الإنسان القديم ابتغاء الكشف، فراقب وتأمل وفكر..

وجد الكثير وبقي أكثر، يتأمل نفسه كيف يفرح حين يلد مولوداً؟ وكيف يحزن حين يموت فرد عزيز، ليبدأ بحفر القبر ومن ثم التفنن فيه عبر الزمن كفن يستند على إيمانه لينتظم مع تخيله ويستقيم مع افتراضاته، فهو المكان الذي يحمل أجساد من يحب، لتتنوع الأضرحة في الأرض، وتدور دائرة البناء والنقوش بأشكالها حتى يومنا هذا، حسب كل معتقد.

في سواحل الخليج العربي آمن الإنسان، وقبل ظهور الأديان السماوية الثلاثة، بالشمس فعبدها، فهي الحياة والعطاء والطاقة الكامنة بضوئها الغني الجالب للأرض الخيرات والحصاد..

كما آمن بالقمر، واعتقد بوجود العين الحاسدة، واكتشف الكون والفضاء بالأبراج والكواكب المدورة، ووجد الأفعى الملتوية، وتأمل التواء الجذع في الأشجار، والبطن الدائري للأنثى الحامل، ليكتشف عظمة الدائرة في فضائه المقدس، فأصبحت في فهمه هي الحياة الخالية بدوامتها اللانهائية.. الدائرة لا سلطة لها، لكنها تبقى رغم كل شيء مدعومة من الشمس الساطعة والمجيدة والعالية، حتى أصبحت رمز الروح والعبادة والقوة والأم المنجبة.

أفلاطون وإقليدس

استشهد الفيلسوف اليوناني أفلاطون في كتابه الشهير «الرسالة السابعة» بالدائرة ومعانيها كمثال للأبدية، فالدائرة تتجلى في اللغة والاستنساخ البصري في أزلية خالدة أربكت التفكير النقدي عبر قرون، فرسم الدائرة يختلف عن رسم الكلمات مع الاختلاف في التفسير والتعبير والتعريف.. لذا كانت الحروب مستمرة رغم أنه أمر مرفوض الجوهر، لكن الإنسان جُبِلَ على الكبر والتعالي.

الدائرة من الرموز المهمة في التاريخ، وهي ملفتة للدراسة والبحث، ولها خصائصها كما أتى في كتاب «أصول إقليدس» للعالم إقليدس بن نوقطرس اليوناني الإسكندري، والملقب بأبي الهندسة، إذ وضع مجموعة مؤلفات ضخمة، أبدعها في الإسكندرية عام 300 ق.م، أي في الفترة التي نتحدث فيها عن عمر المكتشفات والتنقيبات التي خرجت على أرض الإمارات.

إقليدس المعروف في تاريخ الهندسة وبالأخص في الهندسة الكروية، يصف لنا الدائرة ويؤكد بأنها من المُسلّمَات البديهية والواضحة التي لا تحتاج إلى إثبات..

وفي القِدم كانت الدائرة هذه البنية البسيطة موجودة في أساليب العيش للإنسان القديم فأضحت جليّة وواضحة كقرص الشمس والقمر وبقية الكواكب المدورة في منطقة السماء.. ولأنهم في حالة دوران مستمرة، كانوا يفسرون الدائرة المغلقة الشكل بأنها الحياة التي لا مفر منها، وبأنها دائرة الإنسان في خيره وشره.

دورة الحياة

الدائرة هي الفضاء اللانهائي للحياة في هذا الكون، لذا ارتبطت في الأساطير الأولى للإنسان بالعمق وبالاتصال والتكامل وليس بالانفصال، فلا غرابة أن الزعامة والسيادة والخلق تكون للمرأة في الوثنية الأولى، إذ تفردت بفكرة الخلق، آنذاك، أي الإنجاب، فهي العميقة والغامضة، فبقيت دائرة الحياة بخيرها وشرها حتى الموت، فكما ضمن الحياة يعود الإنسان ليعانق الموت في قبره الدائري، لتحمل القبور في هذا العالم الأجساد في عتمتها الداخلية لأفراد رحلوا عن الحياة بعد أن أدركوها بعطائها وشحها..

ويبقى القبر هو المأوى الأخير، فانشغل الإنسان بالقبر واختلف عبر الزمن في طريقة دفنه حسب تقديره أو توهمه أو ظنونه.. لا تأكيده ولا تثبّته أو يقينه، فظل رهين هذا القبر بعد حياة دائرية حافلة.

تنوعت المدافن عبر العالم، بين الإيمان بدائرة الطاعة والروح المقدسة والخالدة في معظم التعاليم القديمة، والإيمان بأن الموت من أعظم العقوبات للإنسان حين تنفصل الروح عن الجسد. بئس ذلك الذي يفقد استقامته قبل الموت.

وهكذا استمر الإنسان الحكيم، وعلى الدوام، يحث أخيه الإنسان على تجنب الشر ليبقى فعل الخير من فضائله، وإن مات بشروره وذنوبه المرتكبة فإن شكل قبره الدائري نوعاً من أنواع المغفرة على آثامهم، فهم لا يعلمون أوان آجالهم.

ليس فقط المعتقد الديني هو الافتراض الذي شَكّل القبور الدائرية، الأسباب العاطفية والفكرية أيضاً تداخلت معها، فالتفنن فيه ما هو إلا تقدير لهذا الراحل، والتصور الكامل لحياة مقبلة أخرى لن تنتهي أسفل الأرض، لينشغل هذا الإنسان بتكديس أدواته المعيشية الممكنة يوماً بعد يوم وطوال حياته، وجمع ما لديه، ليبقى معه عند الممات فيعينه في الآخرة، لذا ما اكتشف يؤكد المعتقد والإيمان وبما كان يملك من خيال إنساني لا متناهٍ، ذهب إلى افتراضات حسية وفنية تحققت في بناء المدافن، والثبات على ما اهتدى عليه فكره ورؤيته وعاطفته حتى ذلك الوقت.

أفاعي »ساروق الحديد«

جرة طعام دائرية، رسمت على بدنها أفاع سابحة رمز الطب والشفاء، كون قدرتها على تجديد جلدها أشبه بمعجزة، فسيطرت على ذهن الإنسان القديم، ثم ارتبطت بالحياة والولادة والأمومة. أما عن حركتها الدائرية الملتوية فكانت تمنحها قدرة الدفاع عن نفسها، لذا كان المعتقد والسائد أن الأفاعي ترمز للقوى الإيجابية والسلبية، فباتت المسيطرة على الناس تحفظهم من الشرور.

كما كان يعتقد أن القمر أنثى تظهر وتغيب وتتوالد دورياً، وأصبحت الأفعى تُمثل القمر على الأرض في الزمن الوثني بالمنطقة، فتوزع الخصوبة والخير لتتوافق العلاقة بين مراحل القمر وتصرف البشر وتغيّر الطبيعة.

الشمس والأسد

عُرضت في متحف «ساروق الحديد» بالشندغة في دبي، صَدَفة بيضاوية الهيئة، كُشِطَت في أعلى سطحها بنعومة، حيث حكت حفراً في خطوط لتخرج الصَدَفَة كلوحةٍ فنيةٍ تُقرأ..

انتصفت الشمس في قُطرها ووُزعت النقوش حولها، كالأسد الذي يزأر قرب ذيله موحياً بالحذر، وحوله زهور دائرية متقنة الصنع، وكلوحة فنية غامضة، ويفسر الرسم تفسيرات مختلفة، ففي الدلالات السياسية هو رمز الحماية والحب والسلام، أما في الطبيعة فرمز القوة والشجاعة لا البطش والعنف، بينما يشي وجود الأسد، كاحتمالات فنية، بمهارة الفنان في إثارة عاطفة الموهبة، أو بنوع من التوازن بين طاقة الشمس وطاقة ضبط النفس.

الثور والنسر.. رمزا الحرية والخير في الحياة الأولى

على جرة من الجرار في مكتشفات «جبل البحيص» بإمارة الشارقة، كان هذا الرسم الدائري الذي تم التعبير عنه عند أسفل العنق، فقام علماء الآثار بمزيد من التوضيح، فأعدوا، بعد التنقيب، تخطيطياً للمكتشف، ونسخوا الرسم من الجرة الحقيقية، لتصبح اللوحة المعبرة أكثر وضوحًا، فبدت كدوامة بلا نهاية.

إذ تشتمل على رسم ثور ونسر وبشكل متتالٍ بينهما، يتكرران وكأنهما يحرثان الأرض والخير معاً ولمدى الحياة، فالثور رمز الخصوبة والقوة والقدرة البدنية والتصميم، والنسر رمز الحرية حيث قدّر الإنسان حريته المسؤولة لأنه رغم فرادته في الانطلاق، لا يعتدي ليأكل فريسته، فثمة رحمة تسكنه تجاه الجريح منتظراً موته وتحوله جيفة ليلتقطه. فأتمنهما الإنسان في دائرة عيشه وأرضه وخيره للاستمرار معهما، فهما مخلصان وجديران بالثقة للمضي بالحياة.

حلقات الزهور الذهبية تروي قصة حضارية واحدة

عثرت البعثات الأثرية في مناطق متنوعة في الإمارات، على حلقات ذهبية تحرس حدودها الدائرية دوائر مُكورة بدت كنبتِ الزهر، تعود في تاريخها إلى العصر البرونزي، وبالتحديد إلى الألف الأولى قبل الميلاد، لذا ما وجد من حلقات ذهبية في ساروق الحديد كانت تحمل 20 دائرة، اتخذتها حكومة دبي لاحقاً شعاراً لإكسبو 2020م.

ومثل هذه الحلقات الذهبية وجدت أيضاً في تنقيبات موقع «مليحة» الأثري في إمارة الشارقة، ورغم تشابهها بالحلقات الدائرية الذهبية لكنها كانت تخالفها في عدد الدوائر بين الثماني عشرة دائرة أو الأربع عشرة أو أقل..

وكذلك في موقع «الدُور» الأثري في إمارة أم القيوين، إذ عثر على حلقة ذهبية تحتوي على خمس دوائر، وأخرى خرجت مع الفريق الوطني التابع لآثار الإمارة في عام 2015م، كانت تحتوي على أربع عشرة دائرة.

لوحة فضية تنسج مشهد تناغم دوائر الأجرام السماوية

من أجمل المكتشفات في «مليحة» بالشارقة، لوحة صغيرة يعود تاريخها إلى القرن الأول الميلادي، وهي من الفضة الخالصة ومزخرفة بدوائر الأجرام السماوية التي تحمل جملة رمزيات وأبعاد غاية في الأهمية، وفيها صمم القمر بدراً يظهر على يسار اللوحة وفي داخل دائرته رسم الهلال ليصبح مفهوماً أن للقمر مراحل بين الظهور والاختفاء، أما الكوكب المركزي هي الشمس أو "شمش" المعبود، والتي كانت الكوكب الرئيسي في العبادة في الزمن السالف في المنطقة.

الشمس في منتصف اللوحة متناغمة مع خطوط النور المشتعلة في الوسط، وفي اليمين هناك كوكب مستدير آخر بجانب الكوكبين الرئيسين، وحولهم النجوم في حُفَرٍ مُنقطة وأجرام سماوية تحوم في فُلك اللوحة، لتبقى الدهشة في موجودات القبور وممتلكات الموتى بجانبهم مع بقايا الآثار التي لم تطلها أيدي اللصوص عبر الزمن.