مصيبة!، همستُ بذعر و خرست للحظة، ومن ثم عاودت: وعليّ التصرف، ولكن كيف، ووو؟

وانتشلتني من ترف السؤال، جذبت المرأة المحنية على المرحاض من شعرها الغزير المنبسط على كتفيها وشددتها إلى الخارج، واندسست في ثوبي كيفما اتفق، رحت أفتش عن مفتاح السيارة، وقبل أن ألتقط أنفاسي، تملصت من بين يدي كالزئبق، لا يعنيها سوى أمر وحيد؟

بحثتْ عن هاتفها المحمول في الظلمة الكثيفة التي تكتنف غرفة النوم، ولما وجدتْه راحت تضرب أرقاماً لن أتوه عنها، وأهدرت من الوقت ما أهدرت، تنتظر بهدوء أخافني، وحالما جاءها من الضفة النائية المتوارية خلف الجبال الشاهقة الصوت المرجو، أخذت تسكب في مسمعيه بسعادة:

- دم يا شيخ، دم غزير.

كانت تشدو بكلمة دم وهي مبتهجة، وكأنها تدندن أغنية شوق لحبيب عائد من غياب طال،أو كمن يقضم حلوى لذيذة.

- اشكري الله، واكتمي.

- ولكنه متكتل يا...

-اكتمي.

-...؟

- كي لا يتجدد العمل، الدم المتدفق بشارة الشفاء!

لم أحتمل مزيداً من الاستفزاز وعملتُ بكل طاقتي لأحول بينها وبين ذلك الهراء، وانتزعت الجهاز من قبضتها الغارقة في العرق البارد مفلتاً من بين أسناني المصطكة:

المستشفى حالاً.

أعطتني ظهرها، علامة التجاهل، متماهية في تنفيذ دور الخادم المطيع لما جاءها قبل قليل من وصايا مقدسة، ضخها في قلبها ووجدانها المخدر قبل مسمعها ذلك الرمز الذي لا تني تسبغ عليه هالات القداسة والتعظيم وكأنه إله.

ذلك النجم الذي بزغ في سمائنا الحالكة ذات مصيبة!، بيد أنه مع الوقت صار فرداً من أفراد الأسرة، لا تقطع ربة البيت أمراً ولا تدخل إبرة في خيط إلا بمشورته، بل إنها تعد موافقته شرطاً لازما لإتمام أي عمل مهما بلغت درجة حساسيته.

لما دلها قلبها الغشيم وعقلها الناقص إلى أن سبب الإخفاق غير الطبيعي لولدها البكر أمر غير طبيعي يكمن في مكان ما غير مرئي لعيان القاصرين.

-...؟.

- أيادٍ خفية ملطخة بالحقد، مؤامرة، قصد التوريط واهالة التراب على المستقبل الأبيض كالحليب لو سار في دربه المرسوم.

- سحر؟

- قطعا!

كان ذلك إيذاناً بميلاد المرض في رأسها الفارغ، والذي ستغذيه بالخبل والظنون ليصير كياناً قائماً بذاته و سبباً لأي مرض أو مشكلة أو هم، وليكون الحل ثابتاً لا يتبدل، ظلت توجزه بملء الفم والفؤاد في كلمات ثلاث لن تحيد عنها مهما حصل:

بركات، الرجل، الصالح.

بعد زمن ستنفرج غمة ولدها المنحوس، ولكن ليس كما ظنت هي وتصورت، من ناحيتي اجتهدت لأضع بين يديها وأمام عينيها الكليلتين السبب الحقيقي ولكن من دون جدوى، فكان أن آثرت السكوت و سايرتها.

وعندما جاء الدور على مشهد الدم الهائل المتدفق من حلقها، والذي عمل على تخضيب البلاط الواسع و مغسلة الحمام بلون طمس بياضيهما، جاعلاً منهما غديراً دموياً متموجاً.

العدو المتلفع بالحمرة والذي لم أعلن عن زيارته المباغتة والشرسة بهذا الشكل، متسبباً في أن أفز من نومي وأهرع إلى مسرح الجريمة أو الداء القاتل، أقول، عندها كان يتحتم عليّ، أن أدق المسمار النهائي في تابوت الوهم والتخمين العتيق ساعياً في طريق مغاير ضللت عنه طويلا.

على الأقل لأنأى بنفسي عن المساءلة الذاتية والقانونية.

الخوَر الشديد يتقدم نحوها رويداً رويداً، و يحتل كامل جسدها المرتعش كسمكة انتزعت للتو من أعماق اليم الدافئ، لكن لسانها لم يتوقف لحظة عن تمجيد الملاك الذي لا يُقهر، عاجلتها بلكمة تطاير على إثرها الشرر من عينيها قبل أن تغيب عن الوعي لوقت قصير.

رفعتها بقدرة قادر من على الأرض ووضعتها على ظهري وهبطت السلالم، ألقيت بها في صندوق السيارة الخلفي لأنطلق كالريح في اتجاه الهدف. هناك أخضعت لتحاليل عدة، بدت للوهلة الأولى طلسمية ثقيلة الوقع على أذني التي أسدلت الستار منذ زمن على مفردات الطب المعروفة، لتغرق في أخرى مختلفة تماماً لم تخرج يوما عن قراءات وزيوت و مياه من مطبخ المبروك.

مرت الأيام والساعات والدقائق بطيئة بشكل لا يصدق، وأنا أرهف السمع لما يجري وأترقب نتائج التحاليل والأشعة، حتى جاءت الكلمة الفصل على لسان الطبيب المختص:

- المريضة تعاني من أكثر أنواع السرطانات شراسة.

-...؟

- سنبذل قصارى جهدنا.

الكلام الذي نطق به الرجل فعل في المريضة فعلة أكثر من عجيبة !

من لا يعرفها سيقول إنها لم تسمع بشكل جيد ولكن لأنني أعرفها تماما، فطنت إلى السر، لم يظهر عليها التأثر المتوقع بالمرة، بل إنها كانت كعادتها مهمومة بأمر واحد ؟

كيف تسرب الخبر إلى الناصح الأمين؟

من لا يقوى على هزيمته حتى إبليس وأعوانه الشياطين؟،بفضل ما يتحصن به من كلمات وحروف من نور لا يعرف كنهها سواه. كان ذلك وسط ذهول الممرضات وعاملة النظافة وقلق الطبيب!.

وفي طرفة عين استحالت غرفة العلاج إلى خلية نحل تنتقل فيها المعاطف البيضاء بدون توقف. فيما أنا أصب لعناتي على الدجال الذي أوقعنا في هذه الحفرة التي لا أمل في الخروج منها بسلام، وبين الفينة والفينة أرشق الراقدة بنظرات الأسى والحزن.

أخيراً، خمد كل ما في المرأة تدريجياً و توقف إلا من حبال تراها وحدها دون غيرها ومن تمتمات ترتجف على حواف شفاهها المطبقة ترسلها بخفة لا تتناسب مع الموقف إلى أحدهم؟

طبيب الأرواح والأبدان المُبجل الذي سرعان ما أغلق هاتفه واختفى مخلفاً وراءه جثة هامدة وحناجر لا تكف عن العويل.