رصدت تعقيدات الواقع واستشرافات تجاوزه

جلسة ثانية للكتاب العرب تبحث «دور المثقف الآن»

■ المشاركون في الجلسة الثانية: اليامين بن تومي، عبد القادر عقيل، طلال الرميضي، صلاح الراوي، خالد عمر بن ققة، أدارها الدكتور فهد حسين | تصوير: يونس يونس

ت + ت - الحجم الطبيعي

تختتم اليوم فعاليات اجتماعات المكتب الدائم للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب في فندق البستان روتانا بدبي، وقد أقيمت مساء أمس الجلسة البحثية الثانية ضمن الندوة المصاحبة لها والتي جاءت تحت عنوان «نحو استراتيجية ثقافية عربية»، وكان ميسم الجلسة «دور المثقف العربي الآن» شارك فيها كل من: الدكتور اليامين بن تومي من الجزائر، عبد القادر عقيل من البحرين، طلال الرميضي من الكويت، الدكتور صلاح الراوي من مصر، خالد عمر بن ققة من الجزائر، وقد أدار الجلسة الدكتور فهد حسين من البحرين.

استراتيجية ثقافية

استهل الجلسة الدكتور اليامين بن تومي وتحدث عن «الثقافة والقيم والعالم» وقال: قبل صياغة أي استراتيجية لابد من تحديد الخلفية الابستمولوجية (المعرفية) التي تقف خلف هذه الاستراتيجية، وتحديد ما يصلح منها وما يعزز معرفتنا العميقة بهويتنا، فالثقافة العربية تعاني في خلفيتها الأبستمولوجية من نوعين من المشكلات، أولهما مشكلات استعمارية، تتعلق بمخلفات الاستعمار الذي رحل عنا جغرافياً لكنه ما زال يسيطر علينا بأفكاره الاقتصادية والمعرفية، وثانيهما مشكلات مخيالية تتعلق بالتصورات الماضية، والإحالة المعرفية على وجود ماضٍ عربي انقضى ولم يعد له تأثير في الواقع، ولكي نستطيع اليوم تحديد ووضع استراتيجية ثقافية راهنة فلابد من التخلص من هذه المشكلات، وتخليص الإنسان العربي من تلك الأنماط التفكيرية، وجعله يعيش قيم الراهن، وقيم الإنسان المطلق العالمي، ويبني استراتيجياته من خلال هذه القيم.

الواقع العربي

وتساءل الدكتور صلاح الراوي الشاعر والروائي عن مدى أهمية وضع استراتيجية ثقافية الآن، مجيباً عن ذلك بكونها تبدو ملحة، لأن التجديد في أي خطاب يكون دائماً نابعاً بحدث يجري في التاريخ، وما يعيشه الوطن العربي اليوم من حاله احتراب يفرض على المثقفين ضرورة تجديد هذا الخطاب، والبحث عن صيغ ثقافية وآليات تستطيع الإجابة عن أسئلة الواقع وحل مشكلاته للانتقال نحو غدٍ أفضل، وأشار الراوي إلى بعض الأطروحات والممارسات الثقافية التي تلقى الدعم اليوم، ولكنها أنشطة منفصلة تماماً عن الواقع العربي ولا تقدم شيئاً للثقافة العربية.

الثورة المعلوماتية

وتحدث الكاتب عبد القادر عقيل عن «أي دور للمثقف العربي في عالم اليوم» وعن إمكانية هذا الدور، ونوعه ومدى فاعليته في وجه التغيرات العنيفة التي تجتاح المجتمعات العربية ليؤكد أن المثقف العربي «لم يعد له دور، وهو مسلوب الإرادة» وإما أنه التزم الصمت حيال الواقع، أو صار جزءاً من الجوقة المدافعة عن الأنظمة الاستبدادية التي تحكم الكثير من البلدان العربية، وعرف عقيل المثقف بأنه هو من يبشر بالعدالة والتحرر، وقد وجد هذا المثقف في الماضي العربي القريب، وكانت تسانده القوى التحررية وفئات المجتمع المناضلة التواقة إلى التغيير والتجديد ولكن دوره اختفى بسبب تراجع دور تلك القوى، وفرض سلطة استبدادية، ثم جاءت الثورة المعلوماتية لتقضي على ما تبقى من ذلك الدور، وتسلب المثقف دوره التثقيفي وتفتح المجال لكم هائل من المعلومات والمعارف أصبح مشاعاً للجميع، وعندما جاء الربيع العربي، أدرك المثقف أنه بعيد كل البعد عن الجماهير وعن تطلعاتهم، وعاجز عن فهم أحلامهم وآمالهم، وأكد عقيل أنه لابد من التفكير في آليات ووسائل جديدة نابعة من الواقع يستطيع بها المثقف أن يستعيد دوره الرائد في المجتمع.

الرؤية التقليدية

وأكد الكاتب خالد عمر بن ققة: إن التعارض الحاصل بين الانتماءات الوطنية والفئوية وبين الانتماء القومي العربي الشامل، هو تعارض يعيق كل المشاريع التنموية الشاملة، وعلى وجه الخصوص المشروع الثقافي، وإذا لم يحسم هذا التعارض فلن نستطيع أن نضع استراتيجية ثقافية عربية شاملة، وأكد بن قفة أن هذا التعارض الذي يبدو في ظاهره عميقاً هو في الحقيقة ظاهرة مفتعلة يمكن التغلب عليها بكل سهولة، وتجاوزها عندما تقتنع كل مكونات المجتمع العربي الثقافية والفئوية أنه لا تعارض بين الانتماءين، وأشار بن قفة إلى ضرورة تجاوز الرؤية التقليدية التي تضع المثقف في مواجهة دائمة مع السلطة، من أجل التقدم خطوة نحو الأمام، وتجاوز العقبات التي يضعها هذا المثقف في طريقه أو توضع له.

أمسية شعرية تنوعت فيها الأصوات الفنية

أقيمت ضمن الفعاليات المصاحبة لاجتماعات المكتب الدائم للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب أمسية شعرية مميزة بفندق البستان روتانا، اجتمع فيها كل السحر وبهاء اللغة والتعبير العالي ولكنها أعادت إلى الأذهان تساؤلاتنا حول الحضور الذي يشح في الأماسي الشعرية الجميلة دون أن ندري سبباً لذلك، بما يلقي بظلاله على المشهد الثقافي وعلى الشعراء المشاركين أنفسهم لكونهم ذوي باع طويل في التعبير الشعري الرصين، ولقد حملت الأمسية اسم الشاعر الإماراتي الراحل «أحمد أمين المدني» تقديراً لتجربته وإحياءً لذكراه العطرة، وشارك فيها نخبة من الشعراء العرب المميزين يتقدمهم: محمد البريكي من الإمارات، أشرف العاصمي من عمان، مراد السوداني من فلسطين وصلاح الدين الحمادي من تونس، مبارك سالمين من اليمن، سيدي ولد أمجاد من موريتانيا، بديع صقور من سوريا، وقدمت الأمسية وأدارتها الكاتبة صالحة عبيد.

كلمات عذبة

روعة خاصة حملتها عذوبة الكلمة التي كانت في أشعار أشرف العاصمي، وقد ألقى قصيدة تحت عنوان «قصاصون على جدار الحمراء» قال فيها: أنا الغريب وللشموع سهادي، ذابت لتحرق نشوة الميلاد، وأنا النقوش الزاهيات حكاية منسية من أعرق الآباد، وختم الأمسية الشاعر الإماراتي محمد البريكي، حيث ألقى قصائد رائعة موشاة بألفاظه العذبة وصوره الفنية الجميلة التي تلامس القلب، وقال: هو الشعر لا يأتي على غير نزوة، تلوعه بالبعد والشوق والكرى، يعيش به الإنسان خارج كونه، لأن محيط الأرض لا يحمل القرى.

قدوة ورسالة

عن أهمية دور المثقف في توجيه المجتمع، قال الباحث طلال الرميضي: إن المثقف صاحب رسالة ويسعى من خلالها إلى غرس القيم النبيلة في أفراد المجتمع، ومكافحة الانحراف والفساد فيه، وإصلاح الأجيال والأخذ بأيديهم إلى جادة الصواب، وهذا الدور الخطير الملقى على عاتقه يتطلب منه أن يكون وطنياً أميناً يراعي المصلحة العامة، ويضعها فوق مصالحه الشخصية الضيقة، لأنه قدوة إذا استقام استقام من يقتدون به، وإذا انحرف انحرفوا.

طباعة Email