تبقى جلفار عابقة بعطر التاريخ ومنجز الحاضر في رياض دولة الإمارات العربية المتحدة، حالها في ذلك حال مناطقها وأماكنها الأخرى. إلا أن تجلي هذا العبق في عوالم الندوة لا ينفك يرسم مشهديات سحر قوامه المتعة والجمال مرسلتين على أجنحة الفنون بصنوفها وبرامجها المتنوعة، والتي كان من أبرزها معرض احتضنته في الفترة من 29 يونيو وإلى السابع من يوليو عام 2009، صاغ سرديات فنية عن «فضاءات جلفار» وحكاياتها، انضوت في تكوينات لوحات شكلتها ريشة عبيد سرور ومعه مجموعة تشكيليين آخرين من رأس الخيمة.
ضمت قائمة المشاركين أسماء بارزة في ساحة التشكيل الإماراتي، فإلى جانب سرور، تضمن المعرض أعمال كل من: عائشة نجيب المناعي، هدى علي الشحي، مشاعل طارق بدوي، سارة زيد حسن، شمسة يعقوب السركال. وما كان لافتاً في لوحات الفنانين، رصدها بدقة وشفافية، مكون البيئة المحيلة بتنويعاتها في رأس الخيمة وفي دولة الإمارات عموماً. فهيبة البحر وجمالياته عانقا مشاهد زرقته وشطآنه على مساحات لوحات اكتنزت بالكثير من الرمزية وهي تلمح إلى معان وقيم خاصة في المكان ولدى أهله. بل إنها فسرت طبيعة العلاقة الوثيقة بين البحر وأبناء المنطقة..حيث إنه طالما كان فضاءهم ومصدر رزقهم ومتنفسهم. كما حكت لوحات أخرى، في مشاهد بانورامية جاذبة، أشكال وسمات ارتباط الإنسان في هذه البقعة من المعمورة، منذ القدم، بالصحارى والواحات فيها.سمتان
لم تغب الرمزية وجوانب الجريد عن لوحات المعرض. فصحيح أنه تخصص بموضوع مباشر ساحته الواقع والمشاهد الحية. لكن التدليل والإسقاط كانا سمتين كونتا أسرار جاذبية اللوحات فيه.. إذ نقلتا المتلقي إلى مطارح تأملية يطرب فيها لمتعة الصور البصرية، ويرتحل في كنفها وتأثيراتها، إلى قارات الجمال ومنابع البساطة..نحو القيمة الأغنى وهي تتخلق في أبسط الممارسات الحياتية..وإلى الزرقة وهي تلملم تنهيدات وأنات التعب لتزرع البسمة وتنثر الراحة.. إلى النخل وهو يردد أصداء فرح الناس ويبشرهم بالخيرات.. وإلى ذرات الرمل وهي تتناثر تحت قدمي أحد السائرين بينما يحدوه الأمل وتشد من أزره رغبة التحدي لجعل الخواء، دوحاً وإبهاراً.
غزلية
رجال ونساء وأطفال.. طقوس وحالات وأمكنة.. تقاليد وجلسات. تلك هي بانوراما المعرض في فلك موضوعها الموسوم بـ«فضاءات جلفار». فما اختزنته من إبداعات وحوته من مفردات، برز متآلفاً ومتكاملاً في غزلية اللون والمعنى، ليحوك قصص الحاضر وذكريات التاريخ في ديباجات فنية يسكنها الشغف بالمكان أهله.. وكذا التغني بماضيه التليد وحاضره البهي.
