تستهويها الثقافة بحقولها المتنوعة وألوانها كافة. إلا أن سكنى الشعر وعوالمه، تبقى خيار شيخة المطيري الأول، بل الكفة الراجحة في مساراتها الإبداعية. فالقصيدة بهاء لا يغادر عقلها وقلبها، حتى وهي مقيمة في مروج الإعلام والبحث التاريخي والنشاطات الثقافية المتباينة. وطبعاً، لا تجد نفسها في هذا المذهب، سوى محاكية، وبشفافية، حال الإمارات التي سطرت أروع أبيات الإنجاز في الميادين جميعها، لكنها استمرت، وبالتوازي، «دولة شاعرة» محال أن يموت القصيد فيها أو ينوس ضياؤه بين أبنائها.
سعيدة تلفى شاعرتنا وهي تواصل أعمالها باندفاع وإخلاص متطابقين، يجعلان من مروحة انغماسها وانشغالها في باقة ثرية من ميادين العطاء، الأدب والإعلام والبحث التاريخي، كلاً متجانساً مضمونة الانحياز إلى الفكر والتعلق بالمعنى والقيمة والفن والجمال:
نشأت على حب الثقافة والأدب. وساعدني كل من حولي على تعزيز هذا الجانب. فوالدي باحث ومهتم بالتاريخ والأدب. وأساتذتي في الجامعة آمنوا بحبي للغة فشجعوني كثيراً على الكتابة والمشاركة والبحث العلمي.
أما عملي في «مركز جمعة الماجد للثقافة» ففتح لي آفاقاً كثيرة ومنحني فرصاً جميلة. ثم بدأت رحلتي مع ندوة الثقافة والعلوم، مع إطلاقي ومجموعة شعراء، صالوناً أدبياً يعنى بالشعر الفصيح. ثم أدخلتني الندوة منظومتها، وأصبحت عضواً في اللجنة الثقافية، وذات مساء لا أنساه، دخلت في مجلس إدارتها.
نماذج مشرفة
تؤمن شيخة المطيري، أن المرأة الإماراتية تخطت مراحل وعقبات كثيرة، ونجحت في ترك بصمتها بجدارة في شتى المجالات، بل باتت شريكاً فاعلاً مؤثراً، تنافس بكفاءاتها وجودة منجزها.. وهكذا كسرت وتخطت نمطية النظرة والقياس لمديات ومستويات دورها المجتمعي، مقارنة بنظيرها الرجل:
أعتقد أن مجتمع الإمارات تجاوز هذه القضية فلم يعد هناك فرق بين الجنسين في مسألة الحضور الثقافي أو الاقتصادي أو غيرهما من المجالات. وأظن أن الدولة التي تثق ببناتها وتسلمهن مناصب قيادية في السياسة والاقتصاد.. وغيرهما، تؤمن بالكفاءة والكفاءة فقط. وها نحن نرى الإماراتية، كما منذ البواكير، تبني وترسخ نجاحها باقتدار. ولننظر إلى تاريخ المكان. فمن لا يعرف الشاعرة الرائعة بنت الماجدي بن ظاهر، والتي يسميها دارسون: جدة الشعراء.
وكذلك، في بدايات التعليم التقليدي في الإمارات، عرف التاريخ عدداً من المطوعات البارزات.
لا خوف
الهوية والمكان بثيماته، حاضران بقوة وحفاوة خاصة في إبداع أدباء الإمارات، القدامى منهم والشباب. وبذا لا خوف، في تصور شاعرتنا، على زوالهما، من محتوى المنتج الفكري المحلي في الوقت الراهن:
نعم. لا يغيب المكان ومعه الهوية، عن إبداع أدبائنا، سواء الذين هم من الجيل القديم أو من الحديث. فهو حاضر عبر استحضار المفردات الدالة عليه: في الشعر والقصة والفن التشكيلي والتصوير الضوئي والمسرح وبقية الفنون. إذ تجد هذه الصنوف الإبداعية عابقة بذكر النخيل والتمر والصحراء والبحر. وكذا تتبين فيها، استحضاراً خلاقاً، للشخصيات صاحبة المكانة والأثر النوعيين، وأهمها وأبهاها، المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان.
سيد المنصة.. وسيبقى
غيورة على الشعر ومنافحة عنه بقوة. فابنة دبي لا تستسيغ أو ترتضي حديثاً أو تساؤلاً يغمز إلى احتمال أن تطغى الرواية على ساح الشعر في الإمارات، فتغيبه أو تُخفت بريقه، ذلك حتى في غير أمكنة وبلدان:
نحن دولة شاعرة.. فكيف يموت الشعر فيها؟ نحن دولة نشأ من فيها على حب الشعر. ولا أعرف بيتاً لم يكن ينتظر بشغف برنامج «مجالس الشعراء»، أو يحتفظ في بيته بكتاب «تراثنا من الشعر الشعبي» للمرحوم حمد بو شهاب. لا يزال الشعر سيد المنصة وسيبقى. إنه ذلك الحاضر بحنين. إنه ذلك الماد بردته على قلوب الجميع. إنه نحن حين نريد أن نقول كثيراً من الأشياء، وحين نريد أن نختصر مشاعرنا في بيت.. إننا الشعر فكيف له أن يموت؟
ولا أظن أنه خفت حتى في البلدان الأخرى. بل إن له لحظوة عند غيرنا من الثقافات أيضاً. ودليل ذلك ما نراه في الملتقيات العالمية والجوائز الشعرية.
مستقبل مشرق
تصف شيخة المطيري مستقبل الثقافة في الإمارات بقولها: سيكون مكتمل البهاء – بإذن الله – لأن الإمارات ليست حديثة عهد بالثقافة، فتاريخها مذهب بأسماء مثقفيها قبل قيام الاتحاد وبعده. وإني أرى نماذج جميلة ستحمل لواء الثقافة في الوطن وعليها أن تصحح مسار الآخرين ممن يظنون أن الثقافة هي بعض ما نشاهده من ممارسات في مواقع التواصل الاجتماعي التي صنعت أبطالاً افتراضيين وأقحمتهم في واقعنا. الثقافة ليست أن نبحث عن مكان أنيق نصور فيه كتاباً مع فنجان قهوة، الثقافة ليست أن نحفظ عبارات لكتاب أجانب وندرجها في كل حديث. الثقافة ليست أن نقرأ فناً واحداً لننتج فناً واحداً. الثقافة حياة.. حياة كاملة.
