قناعة الروائية الإماراتية آمنة المنصوري بأن «القراءة مثل الماء الذي يسقي عروق الحياة» تشكلت من عمق علاقتها مع الكتاب، تلك العلاقة التي نقلتها إلى أبنائها، لتصبح عادتهم التي لا يمكن التخلي عنها، مبرهنين على أن العمر لا يمكن أن يكون عائقاً أمام قراءة عدد من المواضيع المعقدة.
تتميز المنصوري بطريقة خاصة في تحصيل المعرفة، وهي البحث في مراجع الكتب التي استند إليها المؤلف، وهي طريقة نقلتها أيضاً إلى أسرتها، مؤكدة على أن البحث سيشكل أفكارهم وقناعاتهم الخاصة حول العديد من القضايا.
أما التنوع فهو سمة المكتبة الخاصة بعائلة المنصوري، ويصل عددها إلى حوالي الألف كتاب، وهو ما يعكس العلاقة القديمة المتجددة مع الكتاب، والتي تحدثوا عنها لـ«البيان» كل بحسب تجربته.
قراءات متخصصة

تعود الروائية آمنة المنصوري بعيداً لتستعيد ذكرياتها عن القراءات الأولى، إذ قالت: «أذكر أني بدأت بقراءة الكتب منذ كنت بعمر تسع سنوات، وشجعني على هذا مكتبة الوالد التي ضمت أمهات الكتب». وأضافت: «في فترة الثمانينات اهتمت الكثير من العوائل الإماراتية بإنشاء مكتبة في منزلها.
وإن كان هذا الاهتمام لا يتعدى في بعض الأحيان، فكرة أنها ديكور يتمم موجودات المنزل». وأوضحت: «مكتبتنا المنزلية دفعتني أنا وأختي للقراءة، وأذكر أني قرأت بعمر مبكر كتباً هامة مثل «نهج البلاغة» و«إحياء علوم الدين» و«الأربعين النووية». وغير ذلك من مواضيع».
ولم تكن مكتبة الأب هي المشجع الوحيد لآمنة التي أوضحت: «كان معرض الشارقة الدولي للكتاب في الثمانينات طقساً من طقوسنا السنوية، إذ كنت أتردد عليه منذ كان يقام في خيمة، وكان الوالد حينها يعطينا المال بلا حساب لأجل أن نشتري الكتب».
أما القراءة فكانت مراحل متنوعة في حياة المنصوري التي أشارت إلى أنها اتجهت من بعد قراءة الكتب العامة إلى القراءات الأكاديمية البحتة. وذكرت «عند الالتحاق بالعمل اتجهت إلى كتب علم النفس، وتنمية الذات لأجل تطوير مهارات التعامل مع الناس». وفسرت: «أصبحت القراءة تخدم الحاجة أكثر من الهواية».
وأكدت على أن الكتب هي المصادر الوحيدة الذي تعود إليها. وأوضحت: «أعتمد على معلومات الكتب أكثر من اعتمادي على المعلومات الواردة في مواقع التواصل الاجتماعية، فالكتاب حين يطبع تكون الجهة مسؤولة عن كلمة وردت فيه.
بينما المعلومات التي نقرأها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قد تكون غير صحيحة، وغير مسؤولة». وركزت على اهتمامها في البحث بمراجع الكتب.
وقالت «إن البحث في مراجع الكتب يوصلني إلى قناعات تبدو مختلفة عن ما قدمه لي المؤلف». وأضافت: «على سبيل المثال في كتب تطوير الذات على الإنسان أن يبحث بمصادرها فالقارئ الذي يمتلك الإحساس بالمسؤولية تجاه عقله وروحه لا بد أن يكون حريصا على العلم من منبعه».
أثر الكتاب
من بين الكتب المتنوعة التي تحتويها المكتبة يوجد ما لا تتنازل عنه آمنة المنصوري إذ قالت: «هناك الكتب المراجع لا يمكن أن أفرط بها، مثل مجموعة المنفلوطي القديمة والموشحات الدينية، التي أعتبرها إرثا عائلياً».
وأضافت: «بذات الوقت أتبرع بعدد آخر من الكتب بعد قراءتها للمدارس الحكومية، ولصديقاتي، ولبعض المرافق العامة، مثل «المقاهي العامة والعيادات» و«البوك ستشين» مشيدة بـتجربة «البوك ستيشن» المتواجد على كورنيش إمارة رأس الخيمة، حيث يأخذ الإنسان كتاباً ما يقرأه ومن ثم يعيده إلى المكان».
ومن بين محتويات مكتبتها أشارت إلى تلك الكتب المزينة بتواقيع مؤلفيها وقالت: «هناك إهداءات من عدد كبير من الكتاب الإماراتيين، الذين أحرص على حضور حفلات تواقيع كتبهم».
كما كشفت المنصوري عن سفرها لحضور فعاليات معارض الكتب في دول أخرى وقالت: «أحرص على أن أصل للكتاب في وجهات السفر المختلفة. وأسافر أحياناً إلى معارض الكتب التي تقام خارج الدولة مثل السعودية والبحرين»، وفسرت: «هناك عدد من الناشرين لا يخرجون بعيداً عن بلدانهم». وأشارت إلى سفرها إلى لبنان من أجل الكتب.
وأوضحت: «إن الكتاب في لبنان بمتناول اليد لخصوصية تجربة النشر لديهم، كما سافرت إلى تركيا حين حاز الكاتب التركي أورهان باموق جائزة نوبل للآداب في العام 2006 لأجل شراء جميع كتبه، التي ترجمت إلى الإنجليزية، ولم تكن قد ترجمت للعربية».
وأضافت: «كنت أتمنى لو أني أجيد التركية كما الإنجليزية كي أتعرف على باموق باللغة التي يكتب بها، فالترجمة قد تفقد الكتاب القليل، فكيف إن كانت الترجمة إلى الإنجليزية ومن ثم إلى العربية».
وفي رحلتها المتجددة عن الكتاب قالت «حين أسافر إلى دول مختلفة من العالم أبحث عن «بسطات» الكتب المستعملة وأتلمس فيها لمسات القراء الذين اطلعوا عليها، والملاحظات، وثنيات الورق التي خلفوها وراءهم».
تجارب مبكرة
«في بيت خصصت إحدى غرفه للمكتبة فقط، لا بد أن ينشأ الأولاد على حب القراءة، وعلى احترام الكتاب» هذا ما قالته آمنة المنصوري الأم التي تنقل لأولادها هذا الشغف.
الذي عبر عنه محمد المنصوري أكبر أبنائها وطالب في السنة الثانية في كلية الهندسة الميكانيكية في جامعة خليفة قائلاً: «بدأت ميولي للقراءة مبكراً حين التحقت بمدرستي التي تعلمت بها باللغة الانجليزية القراءة الصوتية والانتباه إلى الكلمات قبل أن أتعرف على الحروف». وأشار إلى أن القراءة جعلته هادئاً بطبعه ومستمعاً جيداً، إلى جانب القدرة العالية على التركيز.
وأوضح: «أقرأ العديد من الكتب باللغة الإنجليزية إلى جانب العربية، مثل كتب تطوير الذات». وأضاف: «أحصل على الكتب بطرق مختلفة منها الطلب عن طريق «المواقع الإلكترونية» وأحرص أحياناً على طلب النسخ الأولى الحصرية».
ويشاركه التجربة أخوه عمر المنصوري الطالب في السنة الأولى كلية الهندسة الميكانيكية في جامعة خليفة، الذي أشار إضافة لما ذكره محمد بأن الوالدة لا تناقش أبداً عند شراء الكتب. وقال: «أي كتاب يعجبنا ولو وصل إلى مئات الدراهم لا تمانع أبداً بشرائه». وذكر أنه يشتري الكتب خلال رحلاتهم خارج الدولة.
حب المعرفة
أما سعيد المنصوري الأخ الأصغر، والذي يبلغ من العمر 15 سنة وهو في الصف العاشر في معاهد التكنولوجيا التطبيقية، فيجذبه البحث للوصول إلى معلومة صحيحة، قال: كنت أسأل والدتي عن قضية معينة فوجهتني إلى القراءة عنها، وبالفعل اندفعت أبحث عنها من خلال كتاب
MYTHS OF OIL BOOM وأضاف: «أحاول أن أقرأ دائماً لأكون في النهاية وجهة نظري الخاصة بعيداً عن وجهة نظر الكاتب الذي يطرح قضية معينة». كما أشار إلى ميوله المبكرة في قراءة الكتب التاريخية والكتب التي تتحدث عن حياة بعض القادة السياسيين.
ولا تكتفي آمنة المنصوري بنقل حب المعرفة إلى أبنائها، بل تحاول أن تطوره عند أقاربها مثل أولاد أختها زايد وراشد في الصف الأول الابتدائي. عن هذا قالت: «إنهم ينتمون إلى جيل «الآيباد» لكني أقرأ لهم القصص الخاصة بالأطفال عند زيارتهم لنا لأشجعهم على قراءة الكتب».
مبادرة
وشددت الروائية آمنة المنصوري على أهمية مبادرة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، بأن يكون العام 2016 عاماً للقراءة، ومن ثم إعلان استراتيجية القراءة. وقالت: «مبادرة القراءة تتناسب مع خطة 2020 وهي تشجيع على القراءة لاختصار للمسافات، فالكتب أرشفة واختصار لكل السنوات وعصارة التاريخ والحضارات».
وأضافت: «من منطلق هذا كله علينا أن نقرأ ونتعلم ونتثقف». كما ركزت على أهمية دور المدارس إلى جانب دور الأسرة وقالت: «عادة ما يجاوب الأهل أو المدرسون عن الأسئلة وهو ما يفرض بالتالي وجهة نظرهم». ورأت «بأن الأنسب توجيه الأطفال للبحث للوصول إلى المعلومة الصحيحة، والتي لا بد أن تكون عن طريق الكتاب».
علاقة جدلية
الروائية آمنة المنصوري التي أصدرت روايتين الأولى بعنوان «عيناك يا حمدة» والثانية «القلب اليقظان» ترى أن القراءة والكتابة مترادفتان لا يمكن الاستغناء عن إحداهما، ولا يمكن أن يكون الإنسان كاتباً من دون قراءة، وإن كان قارئاً جيداً سيتجه إلى الكتابة.
مختارات

