تخط دبي مساء اليوم الأسطر الأولى من تاريخ عصر فن الأوبرا المتكامل في المنطقة، بافتتاح دار «دبي أوبرا» بجوار برج خليفة ليُتوج عرضها الأول مغني التينور العالمي الشهير الإسباني بلاسيدو دومينغو أو «ملك الأوبرا» كما أسمته الصحافة في الغرب، والذي أمضى على خشبات المسرح ما يقارب من نصف قرن وشارك في أكثر من أربعة آلاف فعالية غنائية أخذته إلى مختلف أرجاء العالم من دور الأوبرا العالمية إلى الأمكنة التاريخية، والذي بيعت جميع تذاكر عرضه اليوم.
وتسهم هذه المبادرة الفنية في تكامل وتميز مشروع دبي المستدام، وتعزيز مكانتها على الخارطة العالمية ثقافياً وموسيقياً وفنياً، وكما تدل الحجوزات العديدة من خارج الإمارات على استقطابها المزيد من عشاق فنون الأوبرا.
فقد استقبل القائمون على «دبي أوبرا» صباح أمس عدداً كبيراً من الإعلاميين ليتعرفوا إلى محيط المكان ويعيشوا في أجواء أحد العروض الأوبرالية ويلتقوا بعدد من الخبراء. ويهيمن على من يدخل المسرح في اللحظات الأولى حالة من الذهول إعجاباً بجمالية التصميم الداخلي للدار التي استلهم من مراكب «البوم» التي تعتبر جزءاً من تراث الإمارات، ولتشكل كل شرفة من الشرفات العليا المنفصلة (المقصورات) مركباً من الخشب الذي يلتف على نفسه بما يشبه جزءاً من الدائرة، لتتخذ خلفية الجدران ما يشبه سعف النخيل المتشابك والمتداخل، مما يبعث في نفس المشاهد حالة من الدفء والألفة، في حين تتسع الصالة لما يقرب من ألفي مقعد.
تأرجح الأنغام
بدافع الفضول تتبع بعض الإعلاميين مصدر صوت الموسيقى المنبعث من المنصة، ليكتشفوا فرقة كاملة من الأوركسترا في المسافة الفاصلة والمنخفضة الارتفاع كي لا تكون حاجزاً بصرياً بين الجمهور والعرض على الخشبة. كان الموسيقيون منهمكين في دوزنة آلاتهم الوترية من الكمان والتشيلو والهارب وآلات الإيقاع وغيرها استعداداً للعرض.
وما إن اتخذ الجميع مكانه وأطفئت الأنوار، حتى استمع الحضور إلى عدد من المعزوفات الكلاسيكية من فرقة أوركسترا «فيلارمونيكا تريستينا» الإيطالية، تلاها كشف الستار عن الفصل الأول من العرض الأوبرالي «حلاق اشبيليا» الذي يقدمه فريق مسرح «فيردي تريستيه» الإيطالي يوميّ 2 و4 سبتمبر الجاري، ليحمل الغناء وأجواء العمل المشاهد إلى عوالم الحياة في أوائل القرن 19، ولتتأرجح مشاعره على أنغام الغناء بين صعود وهبوط وعذوبة وعنف.
شاشة للترجمة
أما المفاجأة الأبرز فهي شاشة الترجمة الكائنة في الحد الأعلى من الخشبة التي تقدم ترجمة للغناء باللغتين العربية والإنجليزية والتي اختير لها مكان أنيق ومدروس بحيث لا تشتت انتباه المتابع للعرض لتتوقف الترجمة عند تكرار الجمل مما يتيح للجمهور التركيز على الكلمات وجرسها الموسيقي.
أقل تعقيداً
يقول الإيطالي ديفيد غاراتيني ريموندي مخرج عرض «حلاق أشبيليا» رداً على سؤال «البيان» عن مدى اختلاف عرض مسرح «فيردي تريستيه» هنا عن غيره خارج دبي: «حرصنا في البداية على تعديل مشاهد «حلاق اشبيليا» بحيث تكون أقل تعقيداً بالنسبة لجمهور الأوبرا الجديد في المنطقة، مع عدم التغيير في العرض الأصلي. أي أننا دمجنا عدداً من المشاهد، فبدلاً من العرض الأساسي الذي يضم ثلاثة فصول بواقع أربعة مشاهد للفصل، جعلناه من فصلين».
وينتقل إلى الحديث عن نوعية العروض التي اختارها مسرح «فيردي تريستيه» لتعرض في «دبي أوبرا» قائلاً: «اخترنا بداية الأعمال القريبة بين الشرق والغرب والتي يتفاعل معها الجمهور في منطقة الشرق الأوسط لننتقل بعد تآلفه مع أجواء عالم الأوبرا إلى أعمال أخرى».
قيلولة مسبقة
ويحكي مسؤول آخر من المسرح عن الأسلوب الأمثل للاستمتاع بعروض الأوبرا من قبل جمهورها قائلاً: «من الضروري أن يأخذ المشاهد قيلولته قبل قدومه إلى العرض كي لا يكون متعباً، حيث إن جمالية الموسيقى وعذوبة الغناء وخفوت الإضاءة يسحب العديد إلى ملكوت النوم على الرغم من عشقه لهذا الفن».
مشروع الدار
تعتبر «دبي أوبرا» وجهة استثنائية بكل المقاييس، وأول مسرح متخصص ومتعدد الأغراض للفنون الأدائية وسط مدينة دبي، ويتميز المبنى بتصميم يحتفي بالإرث الثقافي العريق للمدينة، ومستوحى من قوارب الداو التقليدية وتتكامل فيه مزايا المسرح ذي المنصة المقوّسة، مع قاعة الحفلات الموسيقية بالإضافة إلى منطقة منبسطة معدة لاستقبال الفعاليات على مساحة 2000 متر مربع، لتجعل «دبي أوبرا» الوجهة الأولى للفنون الأدائية وعروض الإنتاجات المسرحية.
يُشكل مبنى «دبي أوبرا» أحد أجزاء مشروع «دار الأوبرا» الكائن وسط المدينة على مقربة أمتار من برج خليفة، والذي بدأت عمليات تشييده قبل عامين، كما يضم المشروع العديد من الفنادق والشقق السكنية والفندقية ذات التصاميم المميزة، وساحة للمنافذ التجارية بالإضافة إلى المطاعم والمنتزهات المطلة على الواجهة المائية والمساحات المخصصة للمرافق الترفيهية.