حين تكون الكتابةُ لعبةً، يصبح الكاتبُ لاعبَ هجوم، ويتحول القارئ لحارسِ مرمى، يتصدى للأهدافِ واحداً تلو الآخر، ليسمحَ للضربةِ المتقَنةِ «فقط» أن تقتحم مرماه.

وفي ساحةِ الكاتب الأردني الفلسطيني الأصل وائل رداد، تمتلك هذه اللعبة شروطاً لا يجب الإخلال بها، تماماً كأمنياته التي نثرها في سماء روايته «سأعطيك الحلوى شرط أن تموت»، فإما أن تتحايل على أمنياتك لتحصل عليها، أو أن تُحلَّق بأسلوبٍ ذكي حول فكرتك لتقتحم مرمى القارئ، وتصيب شباكه.

خيالٌ لا حدود له، يحيط بروايات هذا الكاتب الميال للجموح، العاشق للغموض، المغامر الذي تأخذه الفكرة حيث تريد، ليصحو على نهايةٍ كتبت نفسها بخط يده.

«البيان» التقت وائل رداد، الذي وضعه خياله الجامح في مواجهة مع القراء أكثر من مرة، ليؤكد في حوارنا معه بأن الروائي هو الشخص الوحيد الذي يعترف بأنه يدس السم في العسل..

ويضع القارئ أمام تحدٍّ يلزمه باحتساء السم والعسل حتى آخر قطرة. رداد الذي يحفل رصيده بما يقارب الـ 20 رواية، ذكر أن مشكلته في كل عمل هي الفكرة الجامحة التي تفرض نفسها عليه، لتصر على كتابة نفسها بيده، فيجد نفسه في مواجهة مع جمهور يصب سياط غضبه عليه..

مشيراً إلى أن الكاتب العربي يعاني مشكلة تقبل الجمهور للروايات الخيالية، لارتباط أفكارها بمعتقدات لا تقبل مجرد النقاش فيها، لتتحول الرواية إلى لغز يدور حوله الكاتب بذكاء حتى لا يتسبب بإثارة غضب القراء.

صدمة

عن عنوان روايته «سأعطيك الحلوى شرط أن تموت» الذي يثير التساؤلات دائماً، اعترف بأنه اختاره ليكون أمثولة شعبية عصرية صادمة، وقال: العنوان صادم وجاذب، واختياره كان مهمة صعبة، وأردت من خلاله أن أوجه رسالة تحذير مغزاها«انتبه لما تختاره من أمنيات، فهناك أمور لا يمكن أن تتمناها، كالحب أو موت شخص ما، وأمامك أمنية واحدة فقط، عليك انتقاؤها بعناية».

وعن الحب كأمنية صعبة المنال، قال: من شروط اللعبة في الرواية ألا تتمنى الحب، ولكن المسألة هنا كالمحامي «الشاطر»، الذي يستطيع أن يدور حول الموضوع، ليحقق ما يريد، وهو ما تبرزه الرواية، من أمنيات دار أصحابها حول ما يتمنون ليحصلوا على ما يرغبون، ليكون منهم من نجح، ومنهم من فشل.

خيال جامح

وعن جنوحه للخيال في رواياته قال: الخيال هو المحفز على القراءة، وحتى تقرأ رواية يجب أن يكون فيها خيال جامح، وأستغرب من النقاد الذين يقولون بأنه يجب أن تحكم سيطرتك على الخيال، ويجب أن تعالج قضية.

فهناك روايات عالجت الحالة العالمية كروايات الكاتب البرتغالي الكبير جوزيه ساراماغو، التي تمتاز بكونها واقعية وخيالية في نفس الوقت، تدس الحالة المستحيلة في عالم اللا مستحيل، وتمزج الخيال بالواقع بحرفية شديدة، وعلى سبيل المثال روايته «العمى» حين قدمه كحالة عالمية متخيلة تصيب الواقع، وكَوَباء يصيب العالم كله ما عدا شخص واحد، لتبدأ الإثارة بمجرد قياس ذلك على الواقع.

«دلعونا»

وعن موقع الرواية الفلسطينية اليوم من الإبداع، قال: الرواية الفلسطينية أصبحت خطاباً زاعقاً، فنحن شعب عاطفي بشكل مبالغ فيه، لم نقدم شيئاً للقضية الفلسطينية سوى الدبكة والدلعونا والأهازيج، وحين سألوا الكاتب والمفكر الفلسطيني إدوارد سعيد كيف ضاعت فلسطين، أجاب «بالدلعونا»، ما يعني أن العاطفة سيطرت على الرواية بشكل كبير..

ولكن هناك روايات نجت من ذلك، مثل«البحث عن وليد مسعود» لجبرا ابراهيم جبرا، و«المتشائل» لإميل حبيبي، و«رجال في الشمس» لغسان كنفاني، فمثل هذه الروايات لا «تضحك على الذقون»، بل هي أدب مأساة أكثر مما هي أدب مقاومة. وأنهى رداد حديثه بالقول: الرواية الفلسطينية يجب أن تدخل ثيمات جديدة وتخوض عوالم الخيال، فلو بقيت تدور في فلك «ولدت هنا ولدت هناك» سيبقى الحال كما هو عليه.

قطار الموت

أشار وائل رداد إلى أن الكاتب يستطيع أن يوصل للقارئ النقطة التي يخاف من مواجهتها، وقال: الروائي حين يقدم كتابه للقارئ، يخبره بأنه يدس السم في العسل، وباختيار القارئ للرواية، يدخل اللعبة بشروط كاتبها، ويجب عليه أن يكمل القراءة حتى النهاية، فلا يأتي في منتصف الطريق ليقول بأنها لا تناسبه، بل ربما تكون ثقافة جديدة تفتح آفاق عقله، تماماً كلعبة قطار الموت التي لا تستطيع إيقافها بمجرد انطلاق عجلاته.