يوم سعيد آخر في حياته المليئة بالأعمال والدراسة، يوم في حياته التي تكاد لا تخلو من منغصات تصارع سعادته، لا يدري من هو المهزوم، ومن سوف ينتصر في النهاية، فقط أقنع نفسه بأنه سعيد، فسعادته تهزم عراقيل حياته، حتى لو استمرت ساعات أو أياما، يا لسعادة الشخص الذي يقنع نفسه بسعادته وهو في أمس الحاجة إليها في خضم التعاسة، هذا هو سعيد، الذي سوف يناقش رسالته للدكتوراه اليوم، ليسبق اسمه دوماً لقب دكتور، حرف الدال، ذلك الحرف الذي لطالما تمنى أن يسبق اسمه في جواز سفره، في الأوراق الرسمية، في جهة عمله، في كل مرة يذكر فيها اسمه يسبقه حرف الدال، ذلك الحرف الماسي، البراق في عالم العلم والعلماء والباحثين وفطاحل المثقفين، الذين صنعوا المستقبل، وسطر التاريخ أسماءهم بماء الذهب في أروقة المكتبات، هذا ما كان يعتقده، فسعى ليكون منهم، بل هو منهم في مخيلته التي صنعت حياته، وصنعت مستقبله، وصنعت طريقة موته، وكيف سوف يتحدث الناس عنه بعد موته، تمنى أن يذكر اسمه كعالم، كسياسي، كرئيس، كأكاديمي، كصانع قرار، لا يدري على ماذا يركز، ففي السنة الماضية رأى نفسه سياسياً مرموقا، في المستقبل، وفي هذا السنة تمنى أن يصبح أكاديمياً يدرس طلبته في الجامعة ليشار إليه بالبنان حال حياته، وتلهج به الألسن بعد موته، لم يستقر على قرار في مخيلته الخصبة لتلك التأملات.
مضى في طريقه الطويل إلى الجامعة للمناقشة، الطريق ممتع في تصوره، الجامعة تبعد عن مقر سكنه مئات الكيلو مترات، ولكنها فرصة لفتح الخيال الخصب لتأملات سعيد، تأمل في دراسته، وفي تاريخه الطويل في العلم وفي نظر البعض، تذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة»، فابتسم، وقال الحمد لله الذي يسّر لي الطريق إلى الجنة.
رأى في نفسه أنه يطلب العلم، ومن طلب العلم فإن طريقه لا محالة إلى الجنة، كان يقرأ عن نعيم الجنة عندما كان صغيرا، تخيل قصره في الجنة، إنه أجمل من تصميم قصور الدنيا، لا يستطيع تخيل قصر أحلى ولا أجمل من القصور التي رآها في الصور لمشاهير العالم، كيف يا ترى سوف يكون جمال قصور الجنة! كيف سيكون تصميمها؟ وكم قصرا سوف أملك يا ترى!
أليس يجب أن أخلص النية لله تعالى في كل شيء؟ تساءل في نفسه، تذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال «إنما الأعمال بالنيات...»، فما هي نيته في الحصول على الدكتوراه؟ هل طلبه للعلم كان ابتغاء الأجر من الله سبحانه وتعالى؟ أم من أجل أن يُقال عنه إنه عالم؟ ومن أجل أن يسبق اسمه حرف الدال؟ هل يا ترى سوف يكون طلبه للعلم هباءً منثورا يوم القيامة أم سيكون من الذين يطلبون العلم ويُسهل لهم الطريق إلى الجنة؟
قال: كيف ستكون مناقشتي لرسالتي التي أعددتها خلال سنوات؟ لقد تدربت عليها جيدا، قرأت كتبا كثيرة تكاد تفوق كل الكتب التي قرأتها خلال فترة حياتي قبل الدكتوراه، إنني جاهز الآن، كان قد كتب في مستهل رسالته ما يلي: «قال الشعبي: العلم ثلاثة أشبار: فمن نال شبراً منه شمخ بأنفه، وظن أنه ناله، ومن نال منه الشبر الثاني صغرت إليه نفسه، وعلم أن لم ينله، وأما الشبر الثالث فهيهات لا يناله أحد أبداً».
تساءل كيف سيكون ذلك وهو الذي قرأ الكتب التخصصية في مجاله، فهل بعد كل ذلك لا يكون قد علم ما يجب أن يعلمه؟ كان قد كتب تلك العبارة في بداية بحثه لأن من عادة مؤلفي الكتب أو البحوث أن يكتبوا في بداية الكتاب آية قرآنية، وفي الصفحة التي تليها حديثا أو بيت شعر، ثم صفحة الإهداء والشكر، ثم صفحة... وهكذا وحتى يصل القارئ إلى المقدمة ثم متن الكتاب، لا يشترط على الباحث أن يعرف تفسير الآية التي كتبها، ولا الحديث الذي ذكره، المهم يكتب ما يتوافق مع موضوع كتابه، وقد لا يتوافق أيضا، فالمهم من البحث هو متنه.
وصل سعيد إلى الجامعة، نزل من سيارته، وتراءى له حرف الدال، الآن سوف أصبح الدكتور سعيد، لن أرضى بأن يذكر اسمي بدون أن يسبقه حرف الدال، تذكر مديره في العمل، فقال في نفسه الآن صرت أعلى منه شهادة، سوف أرى من هو الأفضل، ولكن هل هذا نوع من الكبر؟ تختلط على سعيد الأمور أحيانا، يرى أنه يتكبر بتفكيره أنه أعلى من المدير ومن الموظفين ومن إخوانه ومن أصدقائه ومن أنسابه ومن ومن...، ولكن لست متكبرا، فأنا تعبت واجتهدت لكي أصل إلى هنا، لم يكن ذلك من فراغ، اختلطت الأفكار والهواجس في ذهنه، قرر أن ينساها جميعا الآن، فكل شيء مؤخر الآن إلا الدال.
• كاتب إماراتي أصدر مجموعة قصصية بعنوان (معاهدة سلام مع العادات والتقاليد) صادرة من وزارة الثقافة

