تقول الكاتبة عائشة سلطان، صاحبة دار ورق للنشر: «لنتفق أولاً على وجود محاولات كتابة إبداعية عند الشباب، تظهر على شكل رواية أو محاولة كتابة القصة أو الشعر أو قصص الأطفال»، وأضافت: «هذا أمر مشروع وجيد، ويفترض أن نقف وراءه وندعمه كمثقفين ودور نشر وصحافة، وهذا ما يحدث فعلاً».
وأوضحت: «نأتي إلى نوعية الإبداع الحاصل بسبب تزايد دور النشر الإماراتية وغير الإماراتية، وهو ما أوجد تنافساً على المنتج، ولأننا في دولة معنية بجمهور الدولة، فعندما تقام معارض للكتب أعرض منتج أهل البلد، فالإماراتيون لديهم ميل أكبر لإنتاجات أبناء بلدهم، مثلما يحدث في دول أخرى مثل لبنان ومصر وغيرها، وفي المقابل هناك مثقف تهمه المادة قبل الاسم».
ظاهرة التسرع
وأوضحت: «التنافس على المنتج بين دور النشر خلق ظاهرة التسرع في النشر، لأن كل دار تريد أن تحظى بالمادة قبل الأخرى مع ندرة الكُتَّاب، لأسباب موضوعية، منها عدد السكان والحداثة في مجتمع الإمارات».
وأضافت: «نتيجة لاهتمام الحكومة والمؤسسات بالنتاج الإبداعي، ظهرت محاولات لضبط ظاهرة النشر من خلال الجوائز مثل جائزة الإمارات للرواية، وجائزة العويس لإنتاجات الشباب، وجوائز أخرى في الشارقة، وهو ما يدل على وجود حراك ثقافي حقيقي»، وشددت على أن هذه الجوائز والمناسبات عامل من عوامل الضبط.
وأشارت إلى أنه بالرغم من هذا ما زال هناك بعض الناشرين المتسرعين في موضوع النشر، وقالت: «هناك فرق بين النشر كوسيلة من وسائل الارتقاء بفن الرواية والإبداع، وبين الأمر التجاري، وأي شاب يرى أن من حقه أن ينشر، ويعتقد أن ما عنده مهم، ولكن أول ما يفكر في الأمر يتوافر التنافس على المادة».
وأضافت: «هذا ما يجعله فخوراً بنفسه، فالتسرع في النشر وعدم ضبط المسألة يعنيان أننا لم نعطِ الموهبة فرصة للنضج والتمكين بشكل مقبول، مما يحقق لها الاستمرارية».
مسؤولية النقد
وأشارت سلطان إلى الفرق بين الناشر وصاحب أي مشروع آخر، إذ قالت: «إن النشر ليس أي سلعة أخرى، مع العلم أني لا أنكر المبدأ التجاري، فهذه المهنة أمانة، ويجب ألا تلقى المواهب على الطريق، بل يجب المحافظة عليها كي تستمر، مثل القراءة وورش الكتابة والجلوس مع النقاد»، ورأت أنه يجب على دور النشر أن تتخلى عن الربح والتسرع في النشر، لأنه يقود إلى محاذير في الهجوم، وإن صمتت الصحف لن تصمت وسائل التواصل الاجتماعية. وأخيراً، قالت إن المسؤولية على المبدع والناشر والإعلام الذي تقع عليه مسؤولية النقد.
معايير المجتمع
الدكتورة مريم الشناصي، رئيسة جمعية الناشرين الإماراتيين، قالت: «إن ما حدث أخيراً بخصوص كتاب الكندي يعتبر حدثاً جيداً، لأن الأمر يحتاج إلى وقفة، وتساؤل عن مهنة النشر وسياسات القراءة، وعن مسألة تفريخ الكتب الكثيرة والمتداولة بين أيدي المراهقين التي تتسم بأنها خالية من المحتوى وذات لغة ركيكة».
وأضافت: «هذه الكتب منتشرة على المستويين الخليجي والعربي، إلى جانب انتشار كتب اللهجات المحلية، بالرغم من المحاولات الجادة لدعم اللغة العربية، وهو ما يسهم في تسليع الثقافة، سواء بقراءة الكتاب العادي أو قراءة محتوى النت».
وطرحت الشناصي أسئلة عدة، وهي: لماذا تتوجه بعض دور النشر إلى تلك النوعية من الكتب، وهل وصلت بنا الحاجة المادية إلى هذه المستويات؟ وقالت: «نرفض الكتب التي دون المستوى، والتي تخل بلغتنا في وقت يوجد فيه عجز كبير عن التواصل اللغوي بيننا».
تسليع الكتب
وأضافت: «هنا مسؤولية تقع على اتحاد كتاب وأدباء الإمارات وعلى الإعلام». كما أشادت بالمجلس الوطني للإعلام لما منحه من حرية، وقالت: «المجلس الوطني ترك الرقابة الذاتية للنشر، وأعطى مساحة النشر لما يراه الكاتب، وترك الموضوع للمجتمع، وردة فعل المجتمع أنه لفظ مثل هذا النوع من الثقافة التي ظهرت في إصدار انتقده الجميع».
وقالت: «حتى لو حدث الاعتذار من دار النشر ومن الكاتب، فإن من الممكن إعادة إنتاج كتب دون المستوى».
كما عبّرت الشناصي عن أسفها لقيام الكثير من دور النشر بتسليع الكتب وإنتاج كتب رخيصة لألوان وأطياف مزعجة من الثقافة وجدت رواجاً. وأشارت إلى وجود كتّاب جدد يظهرون ويضعون أنفسهم في مصاف الكتّاب الكبار، وطالبت بتصنيف الكاتب عن طريق اتحاد الكتّاب، وأن تكون هناك رقابة ذاتية من دور النشر التي تطبع 400 عنوان في السنة الواحدة.
وأخيراً، قالت الشناصي: «في بعض السنوات، حجبت هيئة كتاب الشارقة جائزة دور النشر المحلية، ومن هنا علينا أن نراجع أنفسنا، ما دور النشر وما معاييرها، وما المطلوب منها؟ فما زلنا في مرحلة نحتاج فيها إلى الكثير من الوقت لمراجعة معايير النشر والإبداع».
المضمون والاستفاضة
الشاعر حبيب الصايغ، الأمين العام للاتحاد العام للأدباء والكتّاب العرب، أشار إلى أن إشكالية خلو الكتب من المضمون تأتي مع الكثرة في النشر. وقال: «على الإنسان أن يحترم ماذا يعني أن يصدر كتاباً، فالكتاب ليس رقابة فقط، فالمسألة أكبر من القيمة الفنية للكتاب».
وقال: «بالنسبة إلى دار مداد، أعرف أنها دار مجتهدة، ونتمنى لها التوفيق، ولكن اعتذارها خطأ، فالكتاب لا قيمة له، والكندي الذي ناله من التناول أكثر من تناولهم لمبدع مثل علي أبو الريش. وهنا خلل في المعايير عندما تصبح أولويات».
وأوضح: «كيف يقال عن الكتاب إنه مسموع، على «السناب شات»، فالكتاب المسموع يكون في البداية مكتوباً على ورق، لتسهيل القراءة يصبح مسموعاً، وليس أن «أدردش» أي كلام، وعندما ينتقد الناس يقول: أنا لست كاتباً، فإن لم تكن كاتباً فلا تكتب».
مبدأ النشر
كما أكد الصايغ: «نحن كاتحاد كتّاب لا يمكن أن نمنع حركة النشر، ونتمنى ألا يكون لدى البعض ازدواجية في الأحكام والمعايير، مثل الانتقاد والهجوم المباشر الذي وصل إلى حد التخوين، عندما نشرنا مجموعة شعرية لظبية خميس، مع العلم أنها مجموعة مكتملة فنياً، ولكن اختلفت الآراء فيما بعد من الأشخاص ذاتهم».
وأوضح: «نحن نحترم مبدأ النشر والكتابة والكم، ولا أستطيع أن أصادر هذا الكم، ولا أستطيع كاتحاد كتاب الحد من الحرية، ولكن أخشى أن تتحول الحرية إلى فوضى وتنعكس سلبياً، نحن لا نقبل بالفوضى، فحرية التعبير مسؤولية».
عام النشر
من وحي تجربته، قال محمد نور الدين، ناقد وصاحب دار نبطي للنشر: «أحرص من خلال الدار على ألا أنشر إلا ما سيشكّل إضافة، حتى بالنسبة إلى الكتب التي أصدرتها لأطفال مبدعين، أحرص على أن أنظر إلى المحتوى، وأن يكون على مستوى ما من الإبداع». وأضاف: «يأتي هذا لأجل ألا تكون الكتب ضعيفة أو دون المستوى وإنما جيدة».
وأوضح: «لكنّ هناك دور نشر تريد أن تنشر، وبالأخص في عام القراءة، وهناك مبادرات للنشر من جهات رسمية أيضاً، وأعتقد أن مبادرة القراءة توجهت عند البعض إلى مبادرة نشر للأقلام التي تكتب وليست على مستوى»، وأشار إلى أنها تتوجه إلى جمهور القراء من الذين لا يقرؤون كتباً متخصصة، ولهذا تلجأ دور النشر إلى نشر ما هو أقل من الوسط، ورأى أن هذا ما يدخلها في الجانب التجاري البحت.
وقال نور الدين: «ومن هنا، لا بد من مراقبة النصوص والمحتوى، لأننا نقدم الفكر، وأتمنى أن تأتي الرقابة من دور النشر ذاتها، قبل الجهات الرقابية». وأضاف: «يحدث أن يكون هناك عنوان أو اثنان في دار ما دون المستوى، لكن يجب ألا يكون أكثر».
محتوى:
وأشار الشاعر علي الشعالي، صاحب دار «الهدهد» للنشر، إلى أن مسألة الخلو من المضمون موجودة في كل الدول، فهناك ما يعرف بالأدب التجاري، المبني على ما هو مثير للجدل. وأضاف: «لا يمكن لدور النشر الاطلاع على كل المحتوى بشكل حرفي، لكن من المفروض أن يعرف الجميع الخطوط الحمراء، ويعرف ما يناسب وما لا يناسب».
وأوضح: «يجب أن يوضع جانب القيمة قبل الأرباح والنفع التجاري». وقال: «هناك جهة مسؤولة، وهي المجتمع، فإن أخفق الكاتب وفاتت على الناشر، فيجب أن يرفض المجتمع ويقاطع، وهو ما حدث أخيراً، إذ تبينت قوة الرأي العام وما يمكن أن يقبله ويرفضه».
لم تهدأ بعدُ الضجة التي خلّفها كتاب «سوالف كانو.. غلطة الشاعر بألف» لمحمد الكندي، فبعد إعلان دار مداد للنشر والتوزيع عن إيقاف الكتاب، ما زالت الحملة عليه مستعرة على مواقع التواصل الاجتماعي، معتبرةً الإصدار مخالفاً للعادات والتقاليد والقيم المجتمعية، وأنه يحمل جرأة لا تتناسب مع المجتمع الإماراتي، في حين نفى الكاتب ذلك، معتبراً النص واقعياً، وأن صدوره بلهجة إماراتية لا يعني أنه يتحدث عن إماراتيين، ومقدماً اعتذاره لكل من وجد في هذا الكتاب إساءة.
«البيان» تتبعت تداعيات توقيف هذا الكتاب الذي صدر أخيراً، والذي تدور أحداثه بين الانتقام والخيانة، وأخذت آراء مثقفين وكتّاب عن الأدب الواقعي والخطوط الحمراء، وإفرازات مواقع التواصل الاجتماعي وما تسوّقه هذه المنابر من إبداع، مبينين أن التنافس على المنتج بين دور النشر خلق ظاهرة التسرع في الإصدار أحياناً، وتملص النص من الرقيب، كما أن دور النشر يجب أن تؤدي دور الرقابة قبل الجهات الرقابية، وتهتم بالقيمة قبل الأرباح والنفع التجاري، ووضع الكثير من الآليات خلال الفرز، ومنح وقت كافٍ لمراجعة معايير النشر والإبداع، لأن التعبير مسؤولية.
إضاءة
«سوالف كانو.. غلطة الشاعر بألف» كتاب صدر أخيراً، وتم عرضه في معرض أبوظبي للكتاب، كما تم سحبه من طرف الدار الناشرة، وهي دار مداد للنشر والتوزيع، رضوخاً لرغبة الجمهور.
مؤلف الكتاب محمد الكندي اعتذر إن كان في الكتابة إساءة، وقال إنه مجرد خلاصات لتجربة واقعية لا تمثل المجتمع بالضرورة، وكان هذا الكتاب قد تلقى انتقادات كثيرة على مواقع التواصل الاجتماعي، ليس على طبيعة القصة والموضوع الذي يتناوله فقط، وإنما على الطريقة والأسلوب في العرض.





